أمين خليل قمورية

أمين خليل قمورية

صحفي وكاتب سياسي لبناني

الحريري عراب التسوية
خلاف داخل البيت
عقدة بري

ما كان مستحيلا قبل أشهر صار ممكنا اليوم. بعد انحباس رئاسي دام أكثر من سنتين ونصف صار العماد ميشال عون على أبواب قصر بعبدا. أمرُ رئاسته بات محسوما سياسيا، وصار له كمرشح رئاسي ما يكفي من الأصوات النيابية ليفوز بالمنصب الأول.

وبوصول هذه الشخصية المثيرة للجدل -التي يمجدها أنصارها ويشيطنها الخصوم- إلى سدة الرئاسة، تطوى مرحلة من تاريخ لبنان تختصر نزاعات أهلية وصراع إرادات إقليمية ودولية.

ولا شك في أن داء التعطيل المتمادي لجلسات انتخاب الرئيس لملء الشغور الرئاسي، كان من الصعب علاجه بدواء عادي وبوصفة سياسية عادية. فكان لا بدّ من دواء استثنائي لهذا الداء المزمن، والذي جعل أي أولوية سياسية تتجاوزه أولوية في غير محلّها وبمثابة لزوم ما لا يلزم.

عادة كانت الوصاية الخارجية على لبنان كفيلة بحل الاستعصاء الرئاسي منذ ولادة هذا الكيان والجمهورية، لكن هذه المرة ترانا أمام مقولة يطرب لها جميع اللبنانيين، وهي أن الرئيس المقبل "صنع في لبنان" لانشغال الخارج بما هو أخطر من نزوات أهل البلد الصغير.

وإذا كان من الصعب الجزم بـ"اللبننة" الكاملة لهذا التطور، فإن من الواضح أن ثمة لبننة واقعية في نشوء سريع لمحاور سياسية وتفاهمات لبنانية فرضها الحلف الطالع بين زعيم تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري والعماد عون والدكتور سمير جعجع، والذي يضع الحريري وجعجع في تقاطع مع "حزب الله".

وهكذا بعد مخاض أكثر من عامين أخذت "معادلة الضرورة" طريقها في اتجاه بناء شركة جديدة، وإن كانت غير مفهومة لكثير من اللبنانيين ولمعظم من يتابعون الشأن اللبناني في الخارج. هذه المعادلة يسميها صناعها معادلة حكم الأقوياء، بمعنى أن يتصدر المناصب الرفيعة الثلاثة في هيكل الدولة الزعماء السياسيون الأقوى شعبيا في الطوائف اللبنانية الثلاث الكبرى.

الحريري عراب التسوية
وفي صدارة الشاشة يظهر أن الرئيس الحريري كأنه عراب التسوية الجديدة والمساهم الأبرز في هذا التحول بتأييده العماد عون -خصمه اللدود- للرئاسة، في خطوة من خارج "المألوف السياسي" لكنّها سياسية بامتياز.

وهي خطوة خطيرة عليه كما أقرّ هو نفسه، لكنّ البعض يرى فيها "رهانا محسوبا"، أولا لأنها الخطوة الوحيدة المتاحة لعلاج داء التعطيل الذي من دون علاجه لا انتخاب للرئيس بطبيعة الحال؛ وثانيا لأنّ المعادلة الرئاسية المطروحة قوامها عون للرئاسة مقابل الحريري للحكومة. فحتى لو لم تكن هذه المعادلة مضمونة تماما بالنسبة إلى الحريري، فإنّ غيرها ليس مضمونا نهائيا له.

ومع ذلك فإن الخطوة غير المتوقعة من الحريري كانت أيضا مثار جدل كبير، ليس بين جناحي المعادلة اللبنانية، بل حتى بين أطراف الصف الواحد.

أنصار زعيم تيار المستقبل برروا ما وصفوه بـ"الخطوة الشجاعة" و"التضحية الكبيرة" التي قدمها الرجل، بأن ترشيحه لرئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد عون "ليس لكون الأخير مرشح حزب الله، بل لأننا ندرك أن الحزب ليس من مصلحته إجراء انتخابات رئاسية الآن، وهو يربط الاستحقاق الرئاسي اللبناني بمآل الحرب في سوريا، وبسلّة إصلاحات دستورية لصالحه وخصوصا لجهة الصلاحيات التنفيذية؛ وتاليا وبعد مرور عامين ونصف العام على الفراغ، باتت مؤسسات الدولة تتآكل، والوضع الأمني في خطر، فضلا عن إمكان انفراط عقد الدولة اللبنانية مما يفسح المجال الجّدي لكي ينفّذ حزب الله مآربه عبر نسف الطائف ووضع دستور جديد لصالحه".

وتضيف أوساط الحريري أن "أولوية" تيار المستقبل كانت تحرير الرئاسة الأولى من سجن حزب الله، وانتخاب رئيس حتى لو كان مرشحا من الحزب، لأن رئيس الجمهورية اللبنانية ليس مطلق الحرية في تصرّفه بل هو مقيّد بصلاحيات دستورية، وبرأي الكتل النيابية الكبرى فإنه لا يمكنه التفرّد بقرارات مصيرية، فالنظام اللبناني ليس نظاما رئاسيا البتّة ولا يمكن لعون أن يكون في تصرّف حزب الله حين يتسلّم رئاسة الجمهورية".

لكن لخصوم الحريري رأيا آخر في خطوته، فهم يرون أن زعيم "المستقبل" لم يصل إلى هذا الاقتناع إلا بعد أن أيقن حجم المأزق الذي وصل إليه على صعيد أعماله التجارية وتنظيمه السياسي والإداري، وانحسار التأثير السعودي عن الساحة اللبنانية شيئا فشيئا.

وبالفعل فإن الحريري، لم يخفِ -في خطابه الذي أعلن فيه ترشيح عون رسميا، من منزله في وسط بيروت- ظروفه الشخصية والسياسية، لعلّه يبرّر أمام جمهوره قراره، بالتسليم لإصرار "حزب الله"، وترشيح عون.

ومع ذلك فإن حدود لعبة الحريري واضحة وهو لا شك مدرك لها ويتصرف على أساسها. وحتى الآن، نجح في ردّ تهمة التعطيل عنه، كما حقق مكسبا سياسيا مهما في إحياء العلاقة مع المسيحيين والتي شابها التوتر طيلة الفترة الماضية إلى حد دفع بالمسيحيين إلى التشكيك في نظام الطائف والتلويح بالخروج منه، وقد حصل على كلام واضح من كل من الزعيمين المسيحيين البارزين جعجع وعون في شأن الالتزام بالطائف وتطبيقه، وهذا ليس تفصيلا في الحياة السياسة اللبنانية، ويعتبر مكسبا للسنية السياسية اللبنانية.

كما أن نجاحه في إبرام التسوية السياسية وعودته إلى سدة رئاسة الحكومة من شأنهما إعادة وصل ما انقطع بينه وبين المملكة العربية السعودية التي -رغم انشغالاتها الكبيرة في الساحات الإقليمية الأخرى- لا يمكن لها أن ترفع عينها عن لبنان الذي استثمرت فيه طويلا.

خلاف داخل البيت
وفي أي حال، فإن مهمة صعبة أخرى لا تزال تواجه الحريري الذي لم يقنع كل أهل بيته بخياراته. ففور الإعلان، جوبه قرار زعيم المستقبل بتمرد من أقرب المقربين إليه، إذ تعمد رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيورة ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، أن يعلنا جهارا في وسط دارة الحريري اعتراضهما على الترشيح ورفض التصويت لعون.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن نوّابا لم يصلوا إلى المجلس النيابي لولا دعم الحريري لهم، تجرّؤوا على رفض الترشيح. فضلا عن مواصلة وزير العدل المستقيل أشرف ريفي تمرده على التيار واللجوء إلى الشارع في مدينة طرابلس لإسقاط خيار حليفه السابق.

غير أن اعتراض السنيورة وآخرين في المستقبل وغيره، لا يستند حصرا إلى رفض الخضوع لمطلب "حزب الله"، بل إلى معطيات يتحدّثون عنها عن رفضٍ دولي وبالتحديد أميركي وفرنسي وعدم رضا سعودي على خطوة الحريري، علما بأن مؤيّدي الترشيح في كتلة المستقبل والمقرّبين من الحريري، يستندون إلى معطيات معاكسة عن رضا دولي على خطوات الحريري وشبه حياد سعودي.

وعلى ما يبدو فإن الرفض يحمل في طياته مؤشرات على مساعي الرافضين إلى وراثة شعبية الرئيس الراحل رفيق الحريري، بذريعة أن المؤتمن عليها فرط بها في خيارات سياسية غير مدروسة، وكذلك يفعل عدد من المؤيدين الذين يراهنون على كسب ود "حزب الله" والتيار العوني في حال تعقدت مساعي الحريري في تبوؤ الرئاسة الثالثة.

ويبقى أن الكلمة الفصل في تيار المستقبل والشارع السني ستظل معلقة في انتظار نجاح مسعى الحريري في الوصول إلى السرايا الحكومي، وقدرته على إعادة استقطاب شعبيته المفقودة والإرث السياسي والمادي لأبيه، وهذه المهمة دونها عقبات جدية. لهذا فإن هذا الشارع سيشهد على الأرجح تنافسا غير مسبوق وغير محسوم النتائج في الانتخابات النيابية المقبلة، بعدما لاحت بشائرها السلبية بالنسبة للحريري في الانتخابات البلدية الأخيرة في بيروت وطرابلس.

عقدة بري
وبترشيحه لعون يكون الحريري قد قطع نصف الطريق إلى تولي رئاسة الحكومة المقبلة، إذ ضمن تأييد التفاهم المسيحي المكون من عون وجعجع لوصوله. وكذلك حصل على موافقة "ثقيلة" معلنة من "حزب الله" الذي أعلن أمينه العام حسن نصر الله أنه يقدم "تضحية كبيرة جدا" بعدم ممانعته بعودة سعد الحريري رئيسا للحكومة.

ومعلوم أن الحريري أعلن ترشيحه لعون في أعقاب خطاب لنصر الله، قال فيه "إننا إذا توافقنا على رئاسة الجمهورية (انتخاب عون) فنحن منفتحون في موضوع رئاسة الحكومة". وكانت المعادلة عند الحريري واضحة: موافقتي على عون رئيسا للجمهورية مرتبطة بموافقة "حزب الله" على عودتي إلى السرايا الكبيرة.

وبالنسبة إلى "حزب الله"، فقد أدى قسطه للعلى بقبوله المعادلة التي تعيد الحريري إلى رئاسة الحكومة، وهو الذي لم يساير من قبل الرئيس السوري بشار الأسد الذي كان مصرا على عودة الحريري رئيسا للحكومة بعد استقالة وزراء 8 آذار منها لحظة دخول رئيسها إلى البيت الأبيض للقاء باراك أوباما في 12 يناير/كانون الثاني 2011، وتولى حينها نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة بدعم من فريق 8 آذار.

لكن تظل عقدة رئيس مجلس النواب نبيه بري أبرز العقد التي تواجه -حتى الآن- الحريري والعهد المقبل. فالرئيس بري الذي كان عراب كل العهود الرئاسية منذ اتفاق الطائف، اعتبر أنه طُعِن من الظهر عندما أبرم الحريري وعون اتفاقا من دون علمه، واتهم مقربون منه زعيما المستقبل والتيار العوني بإحياء الثنائية المارونية السنية التي حكمت البلد من الاستقلال وحتى اتفاق الطائف الذي أعقب الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من أن كلا من بري والحريري كانا في معسكرين سياسيين متناقضين، فإن العلاقة التي ظلت تربطهما كانت قوية جدا، وكان بري يؤكد على الدوام "أنا مع الحريري ظالما أو مظلوما"، إلى حين أعلن الحريري عن ترشيح عون رغم اعتراض رئيس مجلس النواب على هذا الترشيح.

وإذا كان الرئيس بري تجاوز خلافه مع عون بالعتب وبتأكيد فتحه مجلس النواب لإجراء الانتخابات الرئاسية من دون عرقلة لكن من دون منحه أصوات كتلته النيابية، فإن أزمته مع الحريري لم تحلّ بعد.

وكان بري صريحا مع العماد: "مشكلتي ليست معك. أنا ملتزم بحضور جلسة 31 تشرين الأول (أكتوبر) وسأصوّت ضدك". لكن الأهم من ذلك كان تأكيد بري أنه لن يعطي صوته للحريري في الاستشارات النيابية الملزمة، "وأنا ملتزم منذ الآن بعدم تسميته رئيسا للحكومة، وقراري حاسم بالذهاب إلى المعارضة".

لكن من الصعب جدا على رئيس مجلس النواب الذي ذاق نعم السلطة، أن يتحول إلى المعارضة في بلد تقوم دعائمه السياسية على الخدمات وتعميق الطائفية. ولأنه يدرك أن مشاركته في أي عملية سياسية هي ممر إجباري على رئيس أي حكومة أن يجتازه للوصول إلى غايته، فإنه سيرفع سقف المطالب في وجه الحريري.

ولأن المشاركة الفاعلة للمكون الشيعي في السلطة التنفيذية ضرورة ميثاقية ووطنية، وبما أن الثنائي الشيعي -أي "حزب الله" وحركة "أمل" بزعامة بري- يحتكر التمثيل السياسي للشيعة، صار لزاما على رئيس الحكومة إقناع حركة "أمل" بالانضمام إلى حكومته، لأن اقتصار التمثيل الشيعي على "حزب الله" سيكون بمثابة انتحار لحكومة الحريري المقبلة، كون الحزب مدرجا على لوائح الإرهاب أميركيا وأوروبيا وخليجيا، وتاليا فإن مطالب الرئيس بري ستتنوع وسيعلو سقفها، وليس أقلها الاحتفاظ بوزارة المال ونيل وزارة النفط التي زاد وزنها باكتشاف الغاز على الشواطئ اللبنانية؛ وعلى الأرجح أن شيئا من هذا القبيل سيحصل بعد مفاوضات شاقة.

وإذا كان "حزب الله" حريصا على وصول حليفه عون إلى سدة الرئاسة باعتبار أن ذلك يمثل انتصارا سياسيا له بعدما عطل الرئاسة أكثر من سنتين لهذا السبب، فإنه أيضا حريص على العلاقة مع حركة "أمل" للحفاظ على وحدة البيت الشيعي في ظل معركته في سوريا والظروف الإقليمية الشديدة التعقيد. لذا فإن عقدة بري لن تكون سهلة على الحريري، لكنها لن تحول دون وصوله إلى مراده.

وفي غياب أي مفاجأة كبرى أو حادث أمني كبير قد يقلب الأوضاع رأسا على عقب، فإن الأرجح أن عون سيُنتَخب رئيسا للجمهورية في وقت قريب، وكذلك سيصار إلى تكليف الحريري بتشكيل الحكومة المقبلة، لتبدأ بعدها مرحلة شاقة من المفاوضات على الحصص والمواقع والأزمات المتراكمة، ولا سيما منها ما يتعلق بالشأن السوري ومشاركة "حزب الله"، ومشكلة السلاح غير الشرعي وانهيار مؤسسات الدولة والنازحين، فلبنان ليس جزيرة ولا يمكن عزله عن سوريا والإقليم.

وفي نهاية المطاف ستنشأ صيغة إقليمية دولية جديدة لإدارة "الملف" اللبناني، وستكون إدارة متصلة بملف إدارة التوازنات السورية في ما بعد نهاية الحرب، أي أن كل لاعب إقليمي دولي سيُقارب الملف اللبناني كجزء من المساومة الدائمة في "سوريا ما بعد الحرب".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك