أماني السنوار

أماني السنوار

باحثة في الشؤون الأوروبية وحقوق الإنسان


إسلامية الأقصى
قرار سياسي
شرعية "إسرائيل"

"إسرائيل بلا قدس كجسد بلا روح"، "لا إسرائيل من دون القدس، ولا قدس من دون جبل المعبد".. عباراتان طالما ترددتا في أدبيات الحركة الصهيونية وعلى ألسنة قادتها ومنظّريها الأوائل، لتصبحا إرثا إسرائيليا يعكس روح التجييش السياسي والتعبوي لدولة الاحتلال.

وقد اعتمدت الرواية الإسرائيلية على مبدأ الترويج للقدس والهيكل (أو جبل المعبد) كأيقونة دينية، تمنح اليهود تذكرة العبور نحو تاريخ المدينة من أجل طمسه وإعادة تشكيله بما يخدم الفكرة القومية لدولة "إسرائيل"، ويشرعن لتهويد القدس وتغيير معالمها على مبدأ "استعادة الإرث اليهودي".

لكنّ اليونسكو (أعلى هيئة معنية بالتراث والثقافة في العالم) اعتمدت قرارا ينص على كون المسجد الأقصى إرثا تاريخيا خاصا بالمسلمين لا علاقة لليهود به، موجهة الضربة الأقسى لقلب الرواية الإسرائيلية وأيقونتها، لينفتح الباب من جديد على أسئلة الشرعية التي باتت تطارد "إسرائيل" وتؤرقها في الأروقة الثقافية والأكاديمية، وتخلق حولها بوادر عزلة سياسية.

إسلامية الأقصى
وينص القرار الذي صادق عليه المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في 18 أكتوبر/تشرين أول الجاري، على كون القدس مدينة ذات أهمية خاصة للديانات الثلاث، إلا أن القيمة الأبرز في القرار ارتبطت بالجزئية الخاصة بالمسجد الأقصى ومحيطه (لا سيما حائط البراق وباب المغاربة) إذ اعتبره القرار إرثا خالصا للمسلمين، وتجاهل مزاعم ارتباطه باليهود.

وقد أشار القرار للأقصى بتسميته الإسلامية (الأقصى/الحرم الشريف)، وتجاهل التسمية الإسرائيلية على الرغم من كونها المعتمدة في غالبية المراجع الأكاديمية والصحافية الغربية، وفي ذلك تأكيد على قرار اليونسكو الصادر في نيسان/أبريل الماضي. وقد أضاف القرار الجديد اعتماد التسمية الإسلامية لـ "حائط البراق/الحائط الجنوبي للأقصى"، متجاهلا تسمية "حائط المبكى".

وقد أدان القرار الممارسات الإسرائيلية داخل الأقصى وفي محيطه، بما في ذلك موافقة حكومة نتنياهو على مشاريع المصعد و"التلفريك" ومركز الزوار في البلدة القديمة، التي تهدف لتسهيل سياحة اليهود ووصولهم لحائط البراق وهو المكان الذي تدّعي إسرائيل أنه أقدس بقعة لليهود على وجه الأرض، إذ يشكل الجدار المتبقي من جبل المعبد المزعوم، والذي تريد بناءه مكان المسجد الأقصى.

واستنكر القرار منع المصلين المسلمين من الوصول للمسجد، وطالب بوقف الاقتحامات المتكررة من قبل الشرطة والمستوطنين، إلى جانب إدانة دخول علماء الآثار الإسرائيليين للأقصى، والمطالبة بإعادة الوصاية الأردنية الحصرية عليه، بما في ذلك منح الأردن سلطة تنظيم الدخول إليه والصلاة فيه.

قرار سياسي
على الرغم من كون اليونسكو منظمة معنية بالتراث والثقافة، فإن قرارتها تكتسي صبغة سياسية لا يمكن إغفالها، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا ذات الحساسية كمسألة القدس.

لكن العبء السياسي لمثل هذا القرار لا تتحمّله المنظمة بحد ذاتها، وإنما يعكس الرغبة والمزاج العام لدى الدول الأعضاء، ويظهر ذلك جليا في التصريح المعاكس لجوهر القرار والذي أدلت به رئيسة المنظمة إيرينا بوكوفا بعد يوم من التصويت، حين قالت إن "المسجد الأقصى هو مكان المسلمين المقدس، وهو ذاته (هار هابيت) أو جبل المعبد أقدس مكان لليهود".

وإن كانت هذه الدبلوماسية التي أرادت بوكوفا تصديرها بعد الهجوم الإسرائيلي الشرس على اليونسكو، فإن الدول الأعضاء حافظت على موقفها المتمثّل بالتصويت، مما أحبط مساعي إسرائيل لإغراء المكسيك بتغيير موقفها الداعم للقرار، وبالتالي الدفع باتجاه إعادة التصويت، وهو الأمر الذي لم يحصل.
وقد وافقت على القرار 24 دولة (بينها 14 دولة ليست عربية أو مسلمة)، وعارضته 6 دول (الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، هولندا، إستونيا، وليتوانيا)، وامتنعت 24 دولة عن التصويت (بينها 8 دول أوروبية)، وتغيبت دولتان.

اللافت في النتيجة أن كثيرا من الدول لم تشأ أن تكون في واجهة دعم القرار، لكنها في الوقت ذاته عملت على تمريره من خلال عدم معارضته، وهو مؤشر زاد من حرج وغضب رئيس الوفد الإسرائيلي الذي اتهم مندوبي الدول الأعضاء بدعم "الإرهاب".

المزاج الأوروبي المنفضّ عن الدعم المطلق لـ "إسرائيل" يأتي امتدادا لسلسلة من القرارات الخارجية (كدعم فلسطين في استحقاقات أممية، وتمييز بضائع المستوطنات) التي عمدت إلى بعث رسائل انزعاج لتل أبيب مفادها أن سياسة الجزرة دون عصا لن تدوم إلى الأبد.

وقد سارع نتنياهو إلى كيل الاتهامات لليونسكو قائلا بأنها "فقدت شرعيتها"، وجاء سلوكه منسجما مع مواقف أخرى حاول فيها نزع الشرعية عن مؤسسات الأمم المتحدة؛ حيث وصف مجلس حقوق الإنسان بالنكتة واليونسكو بحلبة السيرك في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة.

شرعية "إسرائيل"
يعكس هذا الطراز من الهجوم الإسرائيلي حالة من الدفاع عن النفس إزاء شعور الافتقار إلى الشرعية المتعاظم لدى الإسرائيليين اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذ استحال إلى معضلة يبحثها المجتمعون في مؤتمر "هرتسيليا" للأمن القومي، كما شُرعت القوانين التي تعاقب على التشكيك بشرعية "إسرائيل" (مثل دعوات المقاطعة)، إلى جانب مساواة محاولة نزع الشرعية بتهمة "معاداة السامية".

وعلى الرغم من أهمية مضمون قرار اليونسكو فإنه يبقى قرارا غير ملزم، لا سيما إن تمّ استرجاع تاريخ طويل من القرارات الأممية التي لم تلتزم إسرائيل بأي منها فاستحالت إلى مجرد حبر على ورق. والواقع أن هذه المكتسبات وإن كانت غنية في مضمونها فإنها تولد جامدة، وتحتاج إلى جناح سياسي قوي وآخر تعبوي تطيران بهما إلى الغاية المنشودة.

وتقع المسؤولية الأكبر هنا على عاتق السلطة الفلسطينية التي ستكون مطالبة بتفعيل القرار في التصدي لمساعي إسرائيل الحثيثة لتثبيت التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى عبر تدرج الأمر الواقع، إضافة إلى استثماره كورقة ضغط على أي طاولة تفاوض حول الوضع النهائي للقدس، بحيث لا يتدنى السقف الفلسطيني عن حدود هذا القرار بأي حال من الأحوال. وستكون السلطة مطالبة بهذا الحد الأدنى من الالتزام لتبرهن على أن نظريتها القائمة على النضال الأممي والدبلوماسي هي إستراتيجية حقيقية وليست مجرد استعراض إعلامي، أو وسيلة للحشد الحزبي.

كما تقع مسؤولية أخرى على عاتق الأردن بوصفه المسؤول عن ملف إدارة الأقصى والحفاظ على وضعه الراهن، إذ هو مطالب بالاستفادة من القرار في تفعيل ملف السيادة المجمّد منذ الانتفاضة الثانية.

كما يشترك مع السلطة في مسؤولية دعم تطلعات الفلسطينيين في ملاحقة إسرائيل عن عمليات الحفر والتغيير أحادية الجانب في جغرافيا المكان، وعلى القوى الحزبية والنقابية الأردنية الضغط بهذا الاتجاه.

أما تعبويا، فتبرز مسؤولية الأكاديميين والمؤسسات الثقافية والمدنية بالتركيز على ما يقدّمه القرار من فرص مواتية لنقض الرواية الصهيونية المنشئة لـ "إسرائيل"؛ إذ إن نفي الارتباط بين اليهود والأقصى وتفيكك أسطورة "جبل المعبد"، يعني مزيدا من التشكيك بهذه الرواية ومفرزاتها بعد أن كانت الرواية الوحيدة المسموعة في العالم.

وتعكس السنوات السبع الأخيرة التي شهدت حروبا وحشية على غزة، وهيمنة لليمين واليمين المتطرف في إسرائيل وتراجعا غير مسبوق في علاقات تل أبيب مع العواصم الأوروبية، مناخا مواتيا لإحداث إزاحات هامة في الوعي الغربي تجاه القضية الفلسطينية، لا سيما أن استطلاعات الرأي باتت تعكس بوضوح هذا المزاج.

كما يمكن العبور بالقرار نحو زعزعة رمزية "حائط المبكى" التي يشدّ زعماء العالم الرحال إليه لخطب ودّ اللوبيات اليهودية في العالم.

ويمكن للحركة السياسية والجماهيرية الفلسطينية أن تضع الزعماء الذين يأتون للصلاة أمام الحائط في موقف حرج، بوصفهم يساعدون قوة احتلال على سلب وتزوير تاريخ المقدسات والأماكن الأثرية.

ويتوجب هنا إطلاق الحملات الرسمية والشعبية التي تركز على فلسطينية حائط البراق، ورفض الزيارات الدولية له تحت سلطة الاحتلال غير الشرعي لأراضي عام 1967، خاصة وأننا على أبواب الانتخابات الأميركية التي ستفرز، كما جرى التقليد، قدوم ساكن البيت الأبيض الجديد للصلاة أمام الحائط.

ويبقى التحدي الأكبر في استثمار هذا القرار والقرارات الشبيهة، هو التراكم البنّاء ومد الجسور بين هذه المكتسبات لتشكيل رواية فلسطينية صلبة ومتماسكة للصراع مع إسرائيل، تساهم من جهة في تعزيز الموقف الفلسطيني ومدّ قيادته بأوراق الثقة والقوة، إلى جانب تفكيك الرواية الإسرائيلية التي قامت على جملة من الأكاذيب القابلة للتحلل، وصولا إلى نقل الجدل حول شرعية إسرائيل من البعد الثقافي والقانوني (المعنوي) إلى البعد السياسي (العملي).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك