نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


لمن يحفرون القبور؟
يقين الفشل
التأزيم الحاد والتفريج النسبي

ما يجري في مصر الآن يثير الريبة في النفوس حول ذلك السيناريو الذي تُدفَع إليه أحداثها المتسارعة بجموح في هذه الأيام.

لمن يحفرون القبور؟
إن كم المفاجآت الغريبة التي تحملها أخبار القاهرة هذه الأيام لا يكاد يُصدَّق، فبعد إغضاب السعودية وقطر بتأييد لا قيمة له لمشروع قرار روسي في مجلس الأمن حول الوضع السوري، أقدم النظام المصري على استقبال وفد من الصحراء الغربية ليغضب عليه المملكة المغربية بلا داع، وقبل ذلك استقبل وفودا حوثية، وتُتدَاول أخبار حول مساعدات عسكرية يقدمها لهم، ووقف النظام المصري مع النظام السوري وحليفيه الإيراني والروسي في حملاتهم الدموية على الشعب السوري، وأحكم حصار غزة وأهلها في مقابل الاقتراب الشديد من الإسرائيليين وحكومتهم اليمينية المتشددة.

وأما في الداخل، فقد فاقمت سياسات النظام من مشكلات المصريين، وضاعفت معاناتهم في حياتهم اليومية، فندر وجود بعض السلع الرئيسية، واختفت من الأسواق بعض أنواع الأدوية، وارتفعت أسعار الضروريات إلى أرقام فلكية، وركد سوق العمل حتى بات المواطن في حيرة من تدبير ضروريات المعيشة، فضلا عن غيرها.

وباختصار شديد فإن معظم القرارات والمواقف التي يتخذها النظام الحاكم في مصر حاليا تصب في اتجاه التأزيم الحاد للدولة المصرية في أوضاعها الداخلية وعلاقاتها الخارجية على السواء، وهذا ما لا يختاره عاقل لنفسه، فما بالنا إذا وجدنا أنه يفعل هذا بلا مبالاة تقريبا؟!

وكثير من وجهات النظر ترى أن النظام بهذا السلوك يحفر قبره بيده، إلا أن الصورة تبدو في أعماقها مختلفة في مراميها عن هذا التفسير القريب، ودعنا من الوجوه السياسية الظاهرة في المشهد، ولنركز على محركي السيناريو الحقيقي وأهدافهم.

يقين الفشل
ولابد لنا هنا من أمرين:
الأول: ألا نفترض أن محركي هذا السيناريو هم مجموعة من الهواة أو الحمقى، بل إن العبثية البالغة في المشهد المصري تعني بكل تأكيد أن هناك محركين مكرة للاتجاه بالأحداث إلى نتيجة ما تصب في صالح أطراف داخلية وخارجية بعينها، أو للوصول إلى نهاية معينة لهذا السيناريو.

الثاني: أن التحالف الدولي والإقليمي الذي رعى ويرعى الانقلاب العسكري المصري، قد تيقن من فشل النظام الحالي في إدارة الدولة المصرية التي لا يمكن إخراجها من معادلات المنطقة بما تحويه من نقاط اتصال وانفصال خطيرة تتعلق بالأمن الإقليمي والعالمي؛ مثل نقاط الفصل والوصل السني الشيعي، وكذلك العربي الإسرائيلي، ثم العربي التركي.

واليقين بهذا الفشل من الطبيعي أن يدفع إلى البحث عن بديل للوضع الحالي أكثر منه ملاءمة لمصالح محركي السيناريو؛ حتى لا يفاجأ هذا التحالف بثورة مصرية جديدة قد لا يستطيع أن يطوعها لصالح سياساته في المنطقة كما فعل مع ثورة 25 يناير.

لكن، لنطمئن قليلا، فإن السيناريو الذي يُعَد يُستبعَد أن يكون من مفرداته تفتيت مصر؛ لأنه مغامرة غير محسوبة قد تشعل المنطقة كلها، وتخرج ملايين الشباب عن السيطرة في منطقة شديدة الحساسية يسهل الوصول وإيصال السلاح إليها. ومحاولة صناعة دولة مارونية في لبنان من قبل جرّت على المنطقة من العناء ما شكا منه الجميع، حتى رعاة المشروع من الأميركيين والفرنسيين أنفسهم.

ومن هنا وجب أن نقدم تفسيرا ملائما لظهور عبد الفتاح السيسي كثيرا في هذه الأيام في خطابات يبدو فيها سعيدا، مع وقوعه في أخطاء فاحشة متنوعة تضعف من رصيده ورصيد نظامه الحاكم. ولعل الذي يفسر هذا هو أن يكون الرجل غائبا أو مغيبا عن السيناريو المستقبلي الذي يعد لمصر دون أن يكون هو -بالتأكيد- جزءا منه.

وهنا تتكرر مشكلة إدارة الدولة المصرية بعيدا عن رأس سلطتها التنفيذية، وهو ما أقامت عليه الدولة العميقة فكرة إدارتها لمصر في مرحلة الصراع مع نظام الرئيس محمد مرسي والقوى الثورية المساندة له.

التأزيم الحاد والتفريج النسبي
إلى هنا، ولم نصل إلى ما تحاول هذه السطور الكشف عنه من طبيعة السيناريو الذي يرتَّب لمصر، وتُدفَع الأحداث دفعا في اتجاهه، والمنطلق الذي يساعدنا في فهم هذا الطرح مؤيَّدا بالأدلة يتلخص في نقطتي الفشل وتصاعد التأزيم؛ إذ يبدو أن فشل الانقلاب في إدارة شئون مصر -الذي صار واضحا وأيقن الجميع أنه لا علاج له في ظل الشخصيات المتصدرة للمشهد المصري الآن- قد أوحى بأن البديل الذي ينبغي تقديمه يجب أن يُمهَّد لقدومه بصورة كافية؛ حتى يستقبله الناس باعتباره المنقذ من الخراب، والتمهيد المناسب هنا هو التأزيم الحاد للوضع ثم التفريج منه قليلا قليلا.

لقد تداول الناس قصة الرجل الذي كان يحشر أسرته في حجرة واحدة من بيته، في حين كان يفرغ حجرته الكبرى لحماره وبقرته، فاحتج أهله على هذا الضيق الذي يحيون فيه، فما كان منه إلا أن أدخل عليهم الحمار والبقرة حجرتهم، فزادت معاناتهم، وضجت أصواتهم بالشكوى، فأمرهم بالصبر، ثم لما بلغت المسألة حد الثورة عليه، أخرج الحمار، فشعروا بشيء من الراحة والسعة، وبعد فترة أخرى من الزمان منّ عليهم فأخرج البقرة، فحمد أهل البيت الله على ما من به عليهم من السعة، وخشوا إن شكوا من ضيق الغرفة مرة أخرى أن تضيق عليهم أكثر، وتشاركهم فيها حيوانات رب الأسرة، فصمتوا، ورضوا بنصيبهم هذا من الحياة!

وسلوك جانب غير يسير من الشعب المصري في تعبيره في الأزمة الحالية عن الشوق إلى زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، يوحي بنفسه باتخاذ التأزيم الحاد -كما حكته القصة- طريقا لعبور الفشل الحالي، حيث إنه في لحظة ملائمة تسبق الانفجار بقليل يخرج المنقذ وأمامه مساحة واسعة للتخفيف عن الشعب، وإصلاح العلاقات مع الدول الشقيقة، واتخاذ مواقف شبه محايدة -أو حتى منحازة إلى عموم الموقف العربي- في القضايا الشائكة، وتخفيف العلاقات مع الجانب الإسرائيلي، أو على الأقل التواري بها بعيدا عن العيون.

ولابد أن يعبر هذا الحل عن طريق الجيش، إلا أن الرمز الذي سيُقدَّم إلى الناس، أو البطل المخلِّص الذي ستُخدَع به الجماهير في هذا السيناريو سيكون غالبا مدنيا يترك للجيش كل امتيازاته، ويحرم كلا من رجال الشرطة والقضاة مما زاد عن المعقول من امتيازات منحت لهم في ظروف سعي خلالها الانقلاب إلى تثبيت نفسه في السلطة ومواجهة خصومه السياسيين.

وتبدو الفرصة لنجاح هذا السيناريو سانحة في ظل هدوء العمل الثوري القائم على العمل السياسي وبروز السخط الجماهيري المنطلق من ضيق المعيشة، إلا أن هذا لا يحرم الثورة المصرية القدرة على توظيف المسار الذي تمر فيه الأحداث لصالحها، وسيكون الجزء الأساسي أمامها متكئا على التوعية قبل غيرها، ثم الاستعداد لتحريك الشارع نحو الحصول على حقوقه كلها كاملة، وأن ضياع الحقوق السياسية هو الذي يضيع الحقوق الاقتصادية وغيرها.

لابد للجماهير أن تفهم الرسالة جيدا، فضياع الحرية هو الذي ضيع لقمة العيش، وترك العابثين يعبثون بالدولة لن يغل أيديهم عن سرقة خيراتها ونهب أرزاق الناس، والعودة إلى زمن مبارك انتحار جديد لا يسوق نفسه إليه إلا الأحمق!

المصدر : الجزيرة

التعليقات