مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


في منتصف الستينات برز مصطلح تيار اليسار الإسلامي، ثم انحسر في أوائل التسعينات، قبل أن يتخلق كنموذج فكري، وربما لم يحظ هذا التيار بمزيد من الاهتمام والمتابعة، فضلا عن البروز والحضور، فضلا عن مناقشة طرحه وتصوراته.

كما أن اختلاط تيار المقاصد -والذي يتقاطع طرحه مع الفكرة اليسارية للحقوق والتقدم- مع نظرية التفسير الاشتراكي للإسلام، كان سببا للغط واسع عجل بأفول هذا الفكر، والذي قد لا يكون مسؤولا عنه الطرح الفكري العميق والهادف في مجمله، في فكر المقاصديين العرب من مثقفين وشرعيين، والذين يصدق عليهم مقولة الفاروق عمر رضي الله عنه، لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية. وليس مقصد الاستشهاد بمقولة عمر رضي الله عنه نبذ كل فكر، وإنما إدراك حقائقه الإيجابية العميقة لنهضة الإنسان ووجودها الأصلي في فقه الشريعة، وترك ما يناقضها.

لكن المهم أن يُفصَل هذا المسار عن نظرية التفسير الاشتراكي للإسلام كنظرية كان هدفها التسويق للفكر الاشتراكي، حين بزوغ شمس الشيوعية العالمية على الوطن العربي، وانقسام الحالة الثقافية إلى تيارين: تيار يصر على مصادمة المجتمع، بما يعتقده من ماركسية علمية ثبت بالعلم اليقيني أنها ليست علمية، وأن الإلحاد مضمون فكري جدلي، لا يَقدرُ على الصمود أمام حقيقة الخلق والخالق جل جلاله، وتيار آخر تحول إلى محاولة إقناع المجتمع العربي بمسافة التوافق بين الاشتراكية والإسلام.

ولسنا هنا في معرض دحض كل ما صدر عن نظرية التوافق، وإنما الخروج كليا من مأزقها في التسييس لصالح الاشتراكيين العرب ومحور موسكو القديم، أو قوالبهم الأيديولوجية، وما ذكرناه يمثل مقدمة ضرورية في أول عودة لملف الحوار المهم عن مشتركات الفكر اليساري والإسلامي.

video

إن فلسفة المقاصد الكبرى في الإسلام تطرح عنوانين عريضين لها في التعامل بين الأمم والديانات والثقافات:

- القاعدة الأولى هي أن فكرة التدافع بين الخير والشر، هي نظام سُنني كوني لا خيار للبشرية في التعاطي معه، وذلك يبرز في قوله تعالى:

(وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ الناسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لهُدمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرا ۗ وَلَيَنصُرَن اللهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِن اللهَ لَقَوِي عَزِيزٌ) (سورة الحج، الآية 40).

إن معادلة التدافع ليست حصرا على المؤمنين مع غيرهم، وإن خُتمت الآية الكريمة بوعد الله بالنصر لمن نصره، ففي آية أخرى قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (سورة البقرة، الآية 251) وهي هنا تبيانٌ مباشر لمقصد الاستدلال.

ومن المهم هنا أيضا التنبه بأن نصر الله لم يوضع على قارعة الطريق، ليوهب لكل من يتعبد ويقول: إنني أنصر أمر الله؛ بل شُرعت له سكة تدافع، بحبل من الله وحبل من الناس، تُحقق بها وسائط وأسباب الدفع، وليس التواكل والمواعظ المجردة، ثم يأتي أمر الله بعدها بما يُحقق وعده المبين.

وقد وردت آية "التدافع" الكريمة في سياق حماية معابد الأديان، وهو بلاغ وإيذان وتشريع لمقاومة المظلوم للظالم والدفع عن حقه، وقد تكرر في كتاب الله تعلى تسمية الظلم واعتباره معركة كبرى للحياة الإنسانية، وهو ترادفٌ يُعزز هذا المعنى ويؤكد أن الدفع للحق هو لرضى الباري عز وجل، ومهما كان الدفع من حق لباطل فهو مقتضى شريعته وحكمته.

- أما القاعدة الثانية فهي إعلام الأمة الإسلامية والأمم من خلفها بمساحة التحالف والتعاضد مع كل أمة اقتربت أكثر من قيم الحق والفضيلة، أو ابتعد خصمها عن ذلك وقارب الفحشاء والظلم، وقد كان في حادثة هزيمة المسيحية الرومية أمام المجوسية الفارسية، التي تحدث عنها القرآن في قوله تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ الرومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرحِيمُ(5)(سورة الروم، الآيات من 1، إلى 5) تقدير دقيق لمساحة الخيرية التي يُسعى لدعمها في سنن الله الكونية، وتشريع الفرح بها، وهو أيضا تشريع للتفاعل معها.

وليس ما ورد من نصوص سابقة هو الوحيد في قضية البحث عن ضالة المؤمن، وما يجده من خير لأمته وللبشرية، وإنما في مناسبة التقعيد للرؤية الفكرية الإسلامية التي تتعامل اليوم مع مدارس فكرية كبرى، هي جزءٌ من تدافع البشرية، والتي من المؤكد أن يصطف فيها الفكر الإسلامي مع معسكر العدالة.

هذا المدخل مهم لتثبيت هذه الرؤية في التعامل مع الفكر اليساري، وهنا تبرز قضية مهمة تتعلق بأي يسار نتحدث عنه؟ هل هو المعسكر الشيوعي القديم، أم هل هو أيديولوجية المثقف اليساري الماركسي في جدل الديالكتيك بين المادة والروح، ومن طور التاريخ أو طوره التاريخ؟

كل ذلك ليس مقصودا في بوابة التعامل مع الفكر اليساري، وإن كانت بعض نزعات وثقافة الفرد الشخصية في عالم اليسار الجديد اليوم، تتمحور حول هذه القراءات في قناعتها الشخصية، لكنها بالمطلق ليست ضمن جزيرة شيوعية جديدة تسعى للوصول إلى العالم البعيد وتؤممه للأمة الشيوعية التي انتهت إلى نسخة منافسة للإمبريالية، لكن في القتل وسحق الشعوب، ومصادرة عقولهم وحرياتهم، لكن من زاوية مصالحها.

إن الفكر اليساري العالمي الجديد، هو مفاهيم حقوق وكفاح مدني، وسعي نهضوي مستقل يُعظم كرامة الفرد أمام أي مظلمة كانت، ويدفع بقوة إلى مساحة العدالة الدستورية للجميع، وتحرير سلة الغذاء القُطري والعالمي من زبانية الإمبريالية القديمة والجديدة، لتكون ضمن معادلة الفطرة في تبادل المصالح الإنسانية، وهي بالضبط إحدى معالم المدرسة القرآنية، لكيلا يكون المال دولة بين الأغنياء ويقصى عنه الفقراء.

وهذا لا يعني ضرورة التطابق بين اليسار الجديد، وبين معايير الفكر الإسلامي، ومنظومته الأخلاقية، ولكنه يحوي مساحات مشتركات مهمة لصالح البشرية وحلف الفضول العالمي.

video

إن العالم اليوم يشهد صعودا يمينيا مخيفا بين يمين عنصري رأسمالي متوحش، ويمين أيديولوجي متعدد، منه ما يُنسب للإسلام بعد اختطاف منابره، ومصادرة رأيه الحر، ومنه يمينٌ ديني يهودي ومسيحي وبوذي وغيره، لم تُحرر له منظومة قيم، يحاكم عليها كما هو في الحالة الإسلامية.

إن ما جرى منذ مطلع الخمسينات، وضمن الصراع بين الرأسمالية، وزحف الشيوعية الماركسية، جُير فيه جزءٌ من خطاب ديني مزعوم ليتحول إلى تكية تضمن تدفق مصالح الغرب النفطية والإستراتيجية، بحكم أنه مقرب من المسلمين، لكونه ليس ملحدا، رغم أن ازدواجية الإلحاد والتعصب المسيحي، هي ثنائية قائمة في ثقافة الغرب، ولم يمنع الإلحاد مشاريع تبشيرية ضخمة، فضلا عن الدعم المباشر للكيان الإسرائيلي، وهو نموذج يميني متوحش، طُرد فيه شعب من أرضه، ليُصنع وطن ديني بتطهير عقائدي.

إن حالة الاختراق لمساحة التفكير الإسلامي المعاصر، وبقاء الصورة النمطية عن اليسار، وربطه بموقف الماركسية الشيوعية، ظل يؤثر على قدرات المثقف الإسلامي المعاصر في فهم مشتركات القيم والمقاصد الإسلامية، مع ما يمكن أن يطلق عليه عالم اليسار الجديد.

والحقيقة أن هذا التصور خاطئ للغاية، وحتى النماذج التي ولدت في أميركا اللاتينية تعيش اليوم تحديا صعبا، وقد يعلن فشلها كليا، إلا أنها كانت منظومة كفاح حقوقي لا صراعا عقائديا، بل إن فكرة اليساري المؤمن بالله تتسع في العالم اللاتيني اليوم.

كما أن البرجوازية الطبقية واستقطاب الثروات ومصادرتها من أيدي الناس بقوانين ظالمة، سواء أكانت قوانين دول أو شركات أو أفراد، فهي لا تُغير من حقيقة أنها نموذج للبغي الاقتصادي المتوحش، وحين تنسب لتدين رسمي أو شعبي، فهي بغي لا يقره الإسلام ولا يقبل بتبريره.

وهذا المدار الذي يكافح فيه اليسار الجديد في طريق النضال الحقوقي المدني، وفي طريق الحق الاقتصادي هو ميدان تدافع، لا مجال للفكر الإسلامي إلا في دعمه بكل أرض يشتبك فيها هذان المفهومان، من هنا يمكن أن نتعرف على بوابة الدخول لفهم الفكر اليساري قبل اتخاذ موقف منه، إنها العدالة الاجتماعية لا النظرية الماركسية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك