قطب العربي

قطب العربي

كاتب صحفي وخبير إعلامي مصري

توحيد قوى الثورة
ورشة واشنطن ومعركة الهوية
مخاوف من دعم أميركي لمبادرة حجي

رغم أن الثورة المصرية في يناير/كانون الثاني 2011 كانت الأكبر على مستوى المنطقة، كما كان الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013 هو الأكثر فجاجة بين الثورات المضادة للربيع العربي إلا أن الأزمة المصرية لم تستدع ذاك الحجم من الانشغال الإقليمي والدولي بحلها كما هو الحال بالنسبة لسوريا وليبيا واليمن، وهو ما دعا المصريين أنفسهم للبحث عن حل لأزمتهم انطلاقا من المثل "ما حك جلدك مثل ظفرك فتولَّ أنت جميع أمرك".

لا يمكننا بطبيعة الحال إغفال تلك المحاولة الإقليمية والدولية التي ظهرت عقب وقوع الانقلاب مباشرة وأثناء اعتصام رابعة العدوية، والتي تمثلت في جهود الاتحاد الأوربي ممثلا في منسقة سياسته الخارجية آنداك كاترين أشتون والتي ساعدها في مهمتها نائبها برناردينو ليون الذي تولى إدارة ملف التسوية في ليبيا وحقق فيها نجاحا لاحقا.

video

وفي نفس الوقت كانت هناك جهود متوازية من لجنة الحكماء الأفارقة ووزيري الخارجية القطري والإماراتي، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل، وعاد الوسطاء إلى أوطانهم، ولم يعودوا إلى مصر مرة أخرى، وقد كشف الدكتور محمد البرادعي في أحاديث صحفية لاحقا أن السلطة الحاكمة في مصر رفضت تنفيذ اتفاقه مع برناردينو ليون والخاص بالتعامل السلمي مع اعتصام رابعة والإفراج عن السجناء.. الخ كبادرة حسن نية.

توحيد قوى الثورة
في الآونة الأخيرة تزايدت التحركات السياسية من القوى الرافضة للانقلاب العسكري بالتوازي مع الحراك الميداني الممتد منذ أكثر من 3 سنوات، وتعددت المبدرات والأفكار التي طرحت للخروج من النفق، وإن غلب عليها جميعا طابع "الجري في المحل" كما يقولون، فهي مبادرات، أو أفكار في معظمها تستهدف توحيد صفوف القوى الرافضة للحكم العسكري القائم بهدف الخلاص منه، حتى وإن شق بعضها طريقه من داخل نظام 3 يوليو، وليس من خارجه.

ولعل مبادرة الدكتور عصام حجي المستشار العلمي للرئيس المؤقت عدلي منصور (مبادرة الفريق الرئاسي 2018) هي أفضل تعبير عن هذا الخط، كما أنها أحدث المبادرات والأفكار التي تستهدف إنهاء حكم العسكر والعودة للحكم المدني، وقد طرحها حجي في البداية عبر صفحته على الفيس بوك ثم أعاد طرحها مؤخرا في لقاء مع قناة الجزيرة الإخبارية والجزيرة مباشر.

بجهل أو بتعمد يثور الجدل دوما عند طرح كل مبادرة أو فكرة جديدة، ويكون السؤال الحاضر دوما عن موقف النظام من هذه المبادرة أو تلك، إذ لا يعني مصطلح المبادرة دوما أنها بين طرفي السلطة والرافضين لها، قد تكون هناك بالفعل مبادرات من هذا النوع، وقد مثلها في الحالة المصرية مبادرة الوسطاء الأوربيين والأفارقة والعرب في بدايات عهد الانقلاب وأثناء اعتصام رابعة، حيث عرض الوسطاء مبادرتهم على طرفي الأزمة فعلا، وما عدا ذلك من أفكار أو مبادرات تالية إما أن أصحابها لم يتمكنوا من عرضها على السلطة (مثل الدكتور أحمد كمال أبو المجد أو حسن نافعة)، أو أنهم كانوا يستهدفون بالأساس تليين مواقف الرافضين للانقلاب والضغط عليهم فقط، ولذا كانوا يتوجهون إليهم هم فقط بمقترحاتهم التي لا تعدو كونها شروط إذعان رفضها أنصار الشرعية.

video

وأما الأفكار والمبادرات التي يثور الجدل بشأنها في الوقت الحالي فهي جميعها مبادرات داخل الصف الرافض لحكم العسكر بشقيه المدني والإسلامي تستهدف توحيده، والوصول إلى رؤى مشتركة لشكل الدولة مستقبلا، وخطط وبرامج عمل لإنهاء حكم العسكر والوصول إلى الدولة المدنية المنشودة والمتفق على طبيعتها وشكلها سلفا، وبالمحصلة تشكيل أو تأسيس بديل سياسي لحكم السياسي يكون مقنعا لغالبية المصريين من ناحية وللأطراف الإقليمية والدولية من ناحية أخرى.

المبادرتان أو بالأصح الفكرتان الأكثر إثارة للجدل والنقاش حاليا هما خلاصات ورشة واشنطن 2-4سبتمبر/أيلول 2016 ومبادرة الفريق الرئاسي للدكتور عصام حجي المستشار العلمي للرئيس المؤقت عقب الانقلاب عدلي منصور، وبينهما مجموعة من الأفكار أو المشاريع التي طرحتها شخصيات سياسية أو أكاديمية مناهضة للانقلاب، مثل مشروع وطن للجميع الذي طرحه أستاذا العلوم السياسية عماد شاهين وعبد الفتاح ماضي، ومثل وثيقة العشرة التي ماتت في مهدها نتيجة القصف الإعلامي المبكر لها.

ورشة واشنطن ومعركة الهوية
في ورشة واشنطن، التقت عدة شخصيات مصرية رافضة لحكم العسكر من التيارين الإسلامي والمدني على مدى 3 أيام، وكان لقاؤهم امتدادا لمجموعة من الورش التي شارك فيها بعضهم من قبل في إسطنبول أو الدوحة أو باريس أو نيويورك، وكلها تستهدف إعادة اللحمة للصف الثوري بشقيه المدني والإسلامي على أرضية مشتركة تنطلق من ثورة 25 يناير ومبادئها ومنجزاتها.

وقد اكتسبت ورشة واشنطن زخما خاصا ليس لتنوع المشاركين فيها فقط فقد حدث ذلك في ورش أخرى، ولكن بسبب دخول الإعلام على الخط (عبر تسريب إحدى المسودات الأولية)، وهو ما لم يحدث مع الورش السابقة بسبب حرص المشاركين فيها على عقدها في هدوء بعيدا عن الإعلام، وكان السبب الثاني للضجة التي أثارتها ورشة واشنطن هو طرح قضية الهوية على جدول أعمالها من قبل بعض المشاركين العلمانيين، وهو موضوع حساس جدا، ومحسوم سلفا في وثائق دستورية متعاقبة بدءا من دستور 1923 وانتهاء بدستور 2014 والتي صاغها جميعا التيار المدني باستثناء دستور 2012 الذي صاغته جمعية تأسيسية ضمت أطيافا مختلفة وانسحب منها ممثلو بعض القوى المدنية في أواخر أيامها.

video

ورغم أن الصيغة النهائية لوثيقة ورشة واشنطن تضمنت صياغات توافقية بين المشاركين، وحذفت الجزء محل الخلاف الذي كان ينص على أن "مصر دولة بلا هوية محددة" ورغم أن من طرحوا هذا الموضوع انسحبوا من الورشة احتجاجا على ذلك، فإن الجدل لم يتوقف حول قضية الهوية التي طرحت في الورشة، وكان غالبية هذا الجدل والرفض من قبل رموز وقوى إسلامية، أما القوى المدنية فلم تتفاعل بالقدر الكافي مع هذه الوثيقة، واكتفت حركة 6 إبريل بإعلان أن أيا من المشاركين في الورشة لا يمثلها بشكل رسمي حتى وإن كان عضوا فيها.

قيمة ورشة واشنطن وأخواتها من الورش السابقة هي في قدرتها على جمع أطياف سياسية ثورية متنوعة بين الإسلاميين والليبراليين واليساريين والمستقلين، وهي أطياف فرقت بينهم حالة الاستقطاب السياسي التي زرعتها قوى الثورة المضادة، وظهرت بقوة في الأيام الأخيرة لحكم مرسي، ثم تعاظمت القطيعة بينها بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، وظلت تتبادل الاتهامات عن المسئولية عما آلت إليه الأوضاع في مصر، وترفض فكرة الجلوس إلى طاولة واحدة، حتى طالت نيران حكم العسكر الجميع، ولم يعد من مفر أمام هذه القوى سوى الجلوس إلى طاولة واحدة لبحث سبل الخلاص من هذا الحكم، وتداعياته على الجميع.

ومع ذلك لاتزال القناعة خجولة بهذه الفكرة، أو لا تزال الرواسب النفسية القديمة عائقا أمام جلوس الأطراف الفاعلة رغم اتفاقها ظاهريا على هدف الخلاص من حكم العسكر، واقتصرت اللقاءات حتى الآن على حضور شخصيات وقيادات بصفاتها الشخصية لا التنظيمية.

مخاوف من دعم أميركي لمبادرة حجي
أما مبادرة الفريق الرئاسي التي طرحها عالم الفضاء المصري الدكتور عصام حجي فهي تقوم على تجهيز فريق سياسي مدني يخوض الانتخابات الرئاسية في العام 2018 في مواجهة السيسي بهدف إزاحته عن السلطة بطريقة ديمقراطية (حسب تصور المبادرة).

وتنطلق المبادرة من فكرة مدنية الدولة وترفع شعارات ثلاثة (التعليم، العدالة، الوحدة الوطنية)، ورغم أن أيا من القوى المدنية المعروفة سواء كانت أحزابا أو حركات شبابية لم تعلن دعمها حتى الآن لمبادرة الفريق الرئاسي، بل إن بعضها وبعض رموزها بادرت للتحفظ و حتى الاعتراض عليها، فإن المبادرة سببت قدرا من الإزعاج للنظام الحاكم، وظهر ذلك في سيل المقالات والتعليقات التي صدرت من الإعلاميين المحسوبين على النظام، والذين تسابقوا في تشويه صورة عصام حجي بينما كانوا يفاخرون بعلمه ومواهبه قبل ذلك بحسبانه عالم صواريخ مصري يعمل في وكالة ناسا الأميركية، ويشرف على العديد من المشاريع العلمية.

video

ومن الواضح أن السبب الرئيسي لهذا الانزعاج الحكومي هو شكوك نظام السيسي أن الولايات المتحدة الأميركية أو أطرافا نافذة فيها تقف خلف المبادرة، وتسعى للتخلص من الحكم العسكري.

وبالتوازي مع المبادرات التي طرحها ساسة عمليون، جاء مشروع وثيقة "وطن للجميع" التي صاغها أستاذا العلوم السياسية الدكتور عماد شاهين وعبد الفتاح ماضي، وتختلف وثيقة وطن للجميع هذه عن تلك التي خرجت من ورشة واشنطن وحملت الاسم ذاته، وهو ما أحدث لبسا وارتباكا بينهما دفع الدكتور عماد شاهين لنفي مشاركته في وثيقة واشنطن أو حضور ورشتها.

وتطرح وثيقة الأكاديميين فكرة تأسيس جمعية وطنية تضم ممثلين لكل الأطياف السياسية والفكرية والفئات الاجتماعية المناهضة لحكم العسكر، على أن تختار هذه الجمعية فريقا رئاسيا ثلاثيا (مدني وإسلامي وعسكري في نسختها الأولية قبل التعديل) ومكتبا سياسيا لإدارة عملية مقاومة الانقلاب وإسقاطه، ومن ثم إدارة المرحلة الانتقالية عبر تشاركية لا تعرف الأوزان النسبية، وصولا إلى مرحلة الاستقرار السياسي والديمقراطية التنافسية الكاملة.

وقد تعرضت هذه الوثيقة كغيرها لحملة نقد وتشويه، وتركز النقد على عدة نقاط تختص بالشريعة، والشرعية، والتمثيل النسبي، وتأسيس كيان جديد، يخشى أن يلحق بما سبقه من كيانات ثورية فقدت فاعليتها، وقد أضطر واضعا الوثيقة إلى إدخال تعديلات متلاحقة عليها، ولم يعلنا نسختها النهائية حتى الآن.

مشكلة المبادرات المطروحة لإنهاء الحكم العسكري أنها تأتي في لحظة يشهد فيها معسكر مناهضي الانقلاب حالة من التفرق، والشكوك المتبادلة التي تحول دون الوصول إلى صيغة مشتركة للعمل الثوري، أو تصور مشترك لمصر المستقبل، رغم أن النظام المصري الحاكم يمر أيضا بلحظات عصيبة بعد فشله في تحقيق أي من وعوده لأنصاره، وتعثره الاقتصادي والسياسي، وتزايد النقمة الشعبية عليه، وكان من المفترض أن تمثل هذه الحالة للنظام فرصة قوية لمعارضيه للإجهاز عليه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك