ساري عرابي

ساري عرابي

ساري عرابي

إنجاز الحالة الكفاحية الراهنة في فلسطين في معركة الوعي، وبما هي عملية نضالية فعلية وجادّة، يفتح المجال لإمكانية تجديد النضال الفلسطيني، وابتداع ممكنات تتيح لفصائل المقاومة الرئيسية إعادة بناء نفسها من جديد.


تدخل المواجهة التي يخوضها الشعب الفلسطيني منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي شهرها الرابع، بسماتها الخاصة والفريدة، والتي طبعتها كحالة كفاحية جديدة متميزة عمّا سبقها مما عرفه الفلسطينيون في نضالاتهم المتعددة.

وقد ختمت اليوم الأخير من عام 2015 بعملية دعس في نابلس، نفذها الشهيد حسن علي البزور، بعدما شحنت شهرها الثالث بعدد من العمليات الفردية، كما كانت حالها في الشهرين الأولين منها، متجاوزة بذلك الحسابات التي لم تحسن إمساك السمات الخاصة بهذه المواجهة، سواء تلك التي توقّعت لها عمرًا قصيرًا عابرًا لا يتجاوز أسبوعًا واحدًا أو شهرًا على الأكثر، أو تلك التي عوّلت عليها بما لا تطيق، وحمّلتها مشروع تحرير الضفة الغربية، بما تنوء به قدرتها، ولكنها استمرت منسجمة مع سياقها، وفي المستوى الذي اختطته لنفسها منذ البداية، بصرف النظر عن تعريفها إن كانت انتفاضة أو هبة، إذ لا ينبغي الاختلاف على طبعتها الخاصة من بين نضالات الشعب الفلسطيني.

تمثّل طبيعة الحالة الكفاحية الجارية في فلسطين، كحلقة في سلسلة متواصلة من العمل النضالي، السمة الأولى المميزة لها، والتي تنطوي على سمات أخرى، أبرزها الطابع الفردي الغالب على أعمال المقاومة، والكثافة العالية وغير المسبوقة في هذه الأعمال

يجري التأريخ لما يصفه بعض الفلسطينيين "بانتفاضة القدس" أو "الانتفاضة الثالثة" بالأول من أكتوبر/تشرين الأول 2015، إلا أن هذه الحالة الكفاحية لم تكن سوى حلقة من سلسلة متواصلة من العمل النضالي المتراكم بدأت تتصاعد تدريجيًا منذ يونيو/حزيران 2014 بعد عملية أسر المستوطنين الثلاثة في مدينة الخليل، من قبل مجموعة تابعة لحركة حماس بحسب ادعاءات الاحتلال الذي أتبعها بحملة مداهمات واعتقالات واسعة شملت الضفة الغربية كلها، لتتصاعد أعمال المقاومة في يوليو/تموز من العام نفسه، بما يزيد على خمسة أضعاف شهر يونيو/حزيران الذي سبقه، وذلك بعد حرق المستوطنين الطفل محمد أبو خضير من حيّ شعفاط بالقدس، ثم في مواكبة للحرب الثالثة التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة.

تفيد الإحصائيات التي قامت بها شبكة فلسطين للحوار بأن عام 2014 شهد 16 عملية طعن وثماني عمليات دعس، بينما شهد عام 2015 وحتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول ثمانين عملية بين طعن ودعس وإطلاق نار، في حين بلغ عدد العمليات منذ الأول من أكتوبر/تشرين أول- بحسب إحصائيات المصدر نفسه- 108 عمليات طعن، و31 عملية دعس، و82 عملية إطلاق نار (بما في ذلك ادعاءات الاحتلال عن محاولات الطعن والدعس)، بواقع 2.5 عملية يوميًا تقريبًا.
 
وإذا كان الشهر الأول (أكتوبر/تشرين الأول) امتاز بالزخم الكبير في عمليات الطعن وإطلاق النار، وتقارب مع الشهرين التاليين في عدد عمليات الدعس، فإن هذين الشهرين حافظا على وتيرة واضحة من كثافة العمليات الفردية أيضًا؛ وبهذا يتبين أن الوتيرة التي استمرت فيها المواجهة الراهنة من بعد شهرها الأول، تنسجم تمامًا مع طبيعتها كحلقة في سلسلة متواصلة من العمل النضالي المتراكم، الذي كان قد مضى عليه أكثر من عام قبل أن يتصاعد في صورة هذه المواجهة، وإن تركز في عامه الأول -وإلى حدّ كبير- داخل مدينة القدس، ثم امتدّ إلى بقية الضفة الغربية.

تمثّل طبيعة الحالة الكفاحية الجارية، كحلقة في سلسلة متواصلة من العمل النضالي، السمة الأولى المميزة لها، والتي تنطوي على سمات أخرى، أبرزها الطابع الفردي الغالب على أعمال المقاومة، والكثافة العالية وغير المسبوقة في هذه الأعمال، دون أن تخلو عملية الدفع المستمرة نحو استنهاض الضفة الغربية، من دور مهم لفصائل المقاومة الفلسطينية الأساسية، فقد افتتحت هذه الحالة الكفاحية بعملية بيت فوريك (إيتمار) التي نفذتها مجموعة تابعة لحركة حماس، ثم جاءت عملية الطعن الناجحة التي نفذها الشهيد مهند الحلبي الذي ينتمي لحركة الجهاد الإسلامي.

لقد حال الارتهان إلى المقاربات التي تقرأ هذه الحالة الكفاحية على ضوء المقارنة بالانتفاضتين السابقتين، دون القدرة على إدراك الشروط الموضوعية والسمات الخاصة بكل حالة كفاحية، فلقد تميّزت الانتفاضة الأولى بكونها حالة كفاحية شاملة تستغرق كل الشعب الفلسطيني جغرافيًا وبشريًا، وذلك للوجود الاحتلالي الفيزيائي المباشر داخل المدن الفلسطينية، وهو الأمر الذي وفّر قدرة عالية على الاشتباك اليومي، ومعنى وافرًا لمزاحمة العدو مكانيًا.

ونظرًا لانعدام وجود ممثل سياسي للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة، فإن الحاجز الفلسطيني الذي يحول بين الجماهير والعدو كان منتفيًا، وهو ما منح الكثير من أشكال المقاومة ذات الطابع السياسي أو الاحتجاجي المدني قيمة رمزية بالغة الأهمية، كرفع العلم الفلسطيني، أو الإضراب، أو كتابة الشعارات السياسية على الجدران أو توزيع المنشورات، وهذه الأعمال على أهميتها في سياقها وظرفها كانت متاحة لكل فلسطيني بصرف النظر عن عمره أو جنسه، وإن كانت قد تكلّفه القتل أو الاعتقال.

مع تأسيس السلطة الفلسطينية، أعادت قوات العدو انتشارها خارج المناطق التي عرفت بالمناطق (أ)، وحلّت مكانها قوات فلسطينية، وبهذا لم يعد بالإمكان مواجهة الاحتلال إلا بالزّحف إلى نقاط الاحتكاك، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى حاجز فلسطيني يمنع الجماهير عن العدو، وأفقد وجودها كممثل سياسي للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة ومعترف به من العدو؛ كل تعبيرات الاحتجاج المدني قيمتها الرمزية.

حاولت الفصائل الفلسطينية، لا سيما الفاعلة منها كحركة حماس، بذاتها أو بأذرعها الطلابية، بالإضافة إلى عدد من الفعاليات الشعبية والمجتمعية؛ خلق مناخ نضالي يسعى إلى دمج بقية شرائح المجتمع الفلسطيني في الحالة الكفاحية الراهنة

هذا، بالإضافة إلى عوامل أخرى، يفسّر تحول الانتفاضة الثانية إلى انتفاضة مسلّحة، بيد أن انفجار الانتفاضة الثانية واتّساعها وتحوّلها، تم بفضل مناطق (أ) التي مكّنت الفصائل الفلسطينية من إعادة بناء نفسها، في ظل قرار من ياسر عرفات بالاندماج في الانتفاضة وتعظيمها ودفعها إلى الأمام.

تأتي هذه الحالة الكفاحية في ظروف مختلفة تمامًا، من بعد انقسام فلسطيني، وفّر الغطاء لتعزيز عمليات تفكيك البنى التنظيمية لفصائل المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وترويع وحصار عناصرها، وأرضية لصياغة الأجندة الفلسطينية من جديد، بما يخلط الأولويات الفلسطينية ويعيد هندسة المجتمع الفلسطيني فيما عرف بإنتاج الفلسطيني الجديد.

وقد حرمت هذه الإجراءات المستندة إلى سياسات أمنية وسياسية واقتصادية وثقافية المجتمع الفلسطيني من كل أشكال التعبئة والتنظيم والتأطير والحشد والاستعداد لأي مواجهة مع الاحتلال، وكشفت عن تحولات في بنية كل من حركة فتح والسلطة الفلسطينية ونخبهما، على نحو لا يمكن فيه اتخاذ قرار بالمواجهة أو الاندماج الجدّي في المواجهة القائمة، بالرغم من إقرار قيادة السلطة بفشل مشروع التسوية، بالإضافة إلى الإلغاء الفعلي لمناطق (أ) من طرف الاحتلال.

إذا أخذت هذه الحقائق بعين الاعتبار، إلى جانب ظروف الاستنزاف التي مرّ بها الشعب الفلسطيني أثناء انتفاضة الأقصى وعملية السور الواقي التي تخللتها، ووعي الفلسطينيين بسوء الاستثمار السياسي لتضحياتهم، ونمط العيش الاستهلاكي الذي أُغرق فيه الفلسطينيون في السنوات التي تلت انتفاضة الأقصى، وارتباط أمن الفلسطينيين ومصالحهم الاقتصادية بالسلطة الفلسطينية وخشيتهم من مآلات ضعفها أو انهيارها، بالإضافة إلى الحقائق التي استجدت مع وجود السلطة الفلسطينية في الأساس، فإنه يمكننا أن نفهم خطأ المقارنة أولاً مع الانتفاضة الأولى، بما يتضمنه ذلك من فهم ضعف الانتشار الشعبي والجغرافي للحالة الكفاحية الراهنة واقتصارها على العمليات الفردية إلى حد كبير، وصعوبة إعادة بناء فصائل المقاومة لبناها التنظيمية أو التحول إلى انتفاضة مسلحة ثانيًا.

حاولت الفصائل الفلسطينية، لا سيما الفاعلة منها كحركة حماس، بذاتها أو بأذرعها الطلابية، بالإضافة إلى عدد من الفعاليات الشعبية والمجتمعية؛ خلق مناخ نضالي يسعى إلى دمج بقية شرائح المجتمع الفلسطيني في الحالة الكفاحية الراهنة، فيما بدا خطوة مهمة كمحاولة، عادت واصطدمت بالحقائق سابقة الذكر، ثم بموقف السلطة الفلسطينية الذي رجع إلى موقعه الأصلي كحاجز يمنع الجماهير عن الاشتباك مع العدو، وبالتالي تراجعت الاشتباكات في نقاط الاحتكاك إلى حدّ كبير، وإن كانت ولا زالت مساهمة الإعلام الفلسطيني، وبالذات الفصائلي منه، مهمّة للغاية في التعبئة ودفع المواجهة الجارية ومنحها نفسًا إضافيًا للاستمرار.

حين الحديث عن الفصائل الفلسطينية، فإن الوجاهة تقتضي خصّ كل من حركتي فتح وحماس بالنقاش، ذلك لأن بقية الفصائل إما منعدمة الحجم والدور، كما هي حال أكثر فصائل منظمة التحرير، أو فاعلة كحركة الجهاد الإسلامي لكنّ حضورها الجماهيري في الضفة الغربية بالغ الضعف، فتظلّ فتح التي باتت مرتبطة عضويًا بالسلطة الفلسطينية وغير معنية بتعظيم هذه الحالة الكفاحية، وحماس التي عانت من عمليات الاجتثاث والحصار والترويع المزدوج طوال السنوات الماضية التي تلت الانقسام، وبالتالي عجزت الفصائل الفلسطينية عن نقل الحالة الكفاحية إلى طور جديد حتى الآن، رغم المحاولات الحثيثة التي تقوم بها حماس، ويحبطها الاحتلال بحسب ادعاءاته.

بالنظر إلى الشروط الموضوعية التي تصاعدت فيها هذه الحالة الكفاحية، فإنه يمكن اختصارها في تفاعل الجماهير مع الفعل النضالي المستمر منذ يوليو/تموز 2014، والرافعة التعبوية الهائلة التي شكّلتها حرب العصف المأكول في قطاع غزة للجماهير في الضفة الغربية، والتي وضعت شباب القدس والضفة الغربية أمام مسؤولياتهم تجاه التحدي الوجودي الذي بات يشكّله المستوطنون، وقد تجلّى في أخطر أشكاله بحرق عائلة دوابشة في نهاية يوليو/تموز 2015، وتجاه الخطر الذي يتهدد المسجد الأقصى، خاصة بعد تكثيف اعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، والذي بدا أنه جزء متصاعد من خطة باتت تتضح أكثر في العامين الأخيرين، وقد أدركت تلك الجماهير، وبوعي فطري بالحقائق السياسية القائمة وبأوضاع الفصائل الفلسطينية القاسية، ضرورة المبادرة نحو القيام بالواجب وإن بصور فردية تتجاوز تلك الحقائق والأوضاع.

الحالة الكفاحية الراهنة وضعت نفسها في موقع مهم في معركة الوعي التي شُنّت على الإنسان الفلسطيني في الضفة الغربية في السنوات التي تلت الانقسام الفلسطيني، وهي بذلك تسهم في التعويض عن ضعف الفصائل الفلسطينية

بالنظر إلى هذه الشروط، فإن الحالة الكفاحية الراهنة تكون قد وضعت نفسها في موقع مهم في معركة الوعي التي شُنّت على الإنسان الفلسطيني في الضفة الغربية في السنوات التي تلت الانقسام الفلسطيني، وهي بذلك تسهم في التعويض عن ضعف الفصائل الفلسطينية وغياب الأطر التعبوية والفعاليات النضالية وعمليات الحشد والتأطير المنظمة، وتتجاوز سياسات خلط الأولويات الفلسطينية، وتعيد الفلسطيني إلى موقع المواجهة بعدما أخرجته منها سياسات السلطة الفلسطينية التي حولت الصراع إلى موضوعة تفاوضية صرفة.

حين إدراك المستويات التي بلغتها عمليات هندسة المجتمع الفلسطيني، تتضح الأهمية البالغة للإنجاز في معركة الوعي، والتي هي معركة مهمّة قائمة بذاتها، ولا يقصد بها أبدًا التغطية على فشل الإنجاز السياسي لنضالات الشعب الفلسطيني.

كما أن إنجاز الحالة الكفاحية الراهنة في معركة الوعي، وبما هي عملية نضالية فعلية وجادّة، يفتح المجال لإمكانية تجديد النضال الفلسطيني، وابتداع ممكنات تتيح لفصائل المقاومة الرئيسية إعادة بناء نفسها من جديد، وتعظيم هذه الحالة الكفاحية والمراكمة على إنجازاتها المتمثلة حتى الآن في الاستعادة النسبية لأدوات الردع في مواجهة المستوطنين، وكبح مشاريع تقسيم المسجد الأقصى، لا سيما أن هذه الحالة الكفاحية بسماتها الخاصة، التي تجعلها مستعصية على التفسير والتوقع، من جهة كونها حلقة من سلسلة متواصلة من العمل النضالي، تتميز بكثافة العمليات الفردية؛ تحمل بطبيعتها إمكانيات متعددة، ما بين الاستمرار بنفس النمط، أو التوسع في صورة الانتفاضة بالمفهوم الكلاسيكي الذي عرفه الفلسطينيون، أو العودة للانفجار في أي من المديين القريب أو المتوسط.

المصدر : الجزيرة