توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

أدعو للاتعاظ بخبرة من سبقونا ممن يقر لهم الأردنيون بحنكة سياسية. وأستشهد بتجربة موثقة للملك الراحل حسين, أنقلها عن أهم وأحدث كتاب لسيرة حياته هو "الحسين ملك الأردن.. سيرة سياسية" للكاتب البريطاني نايجل آشتون، نشر عام 2008.

ليس في الأردن صحافة مستقلة حقيقة, ولكن درجة ارتهان كتابنا المثبتين في مواقع دائمة تكشف الوضع الرسمي بأكثر مما يمكن أن تفعله صحافة مستقلة أو حتى معارضة. ويتزاحم هؤلاء الآن تحديدا ونحن على عتبة عقد مؤتمر لندن للمانحين, ليس لبحث قضية اللجوء السوري رغم خطورته, بل في طلب لمعونات يكررونه منذ عقود!

ويصل الأمر بصحفي "ليفرش الملاية" (باستعارة تعبير بليغ لإخوتنا المصريين) لمفوض شؤون اللاجئين الجديد في الأمم المتحدة بذريعة غضبة عُمريّة, بدءا بعنوان مقالته "غراندي يكرم على حسابنا" التي يقول فيها إن نسبة اللاجئين السوريين بلغت 20% من سكان الأردن، ويقر بأن غالبيتهم لن يعودوا إلى بلادهم في المدى المنظور.

نحذر من الخطر الكامن لدى التفاوض في شأن سياسي بأهمية تحولنا إلى بلد لجوء آخر, بعرضه ابتداء كأمر يمكن أن توضع عليه بطاقة سعر! فهذا يعني أننا موافقون مسبقا على أي قرارات, بشرط أن نقبض ثمنها

ويضيف أنه يعرف أن غراندي آتٍ لفرض قبول أكثر من 12 ألف لاجئ آخر على حدودنا، مشكلتهم الرئيسية أمنية لقدومهم من مناطق داعش.. ولكن، لا هذه "المشكلة الأمنية" ولا كل تبعات اللجوء الدائم وتداعياته هي ما تعني كاتبنا, بل هو يسأل غراندي "ماذا تحمل في جعبتك من مساعدات للأردن مقابل طلبك استقبال المزيد من اللاجئين؟ عشرات المسؤولين الأمميين "ضحكوا" علينا قبلك؛ حضروا وأشادوا بكرم ضيافتنا، ثم غادروا تاركين خلف ظهورهم وعودا بالملايين لم نر منها شيئا"! 
 
وكاتب آخر ينصح المسؤولين, بدءا من عنوان مقالته أيضا "بتحمير العين" في لندن, مؤكدا أن المسؤولين لدينا لم يعودوا يشعرون بأنهم "في موقف ضعيف, بل نحن في موقف قوي".. ولكنه لا يتحدث عن رفض إملاء السياسات علينا.. بل يقر بأن "أصحاب القرار يعولون كثيراً على مؤتمر لندن بأن يكون نقطة تحول حقيقية", وينصحهم "برواية إعلامية متماسكة لإحراج العالم والعرب، وإنصاف الأردن واقتصاده".. أي أنها فرصة للدعم المالي!

والأخطر من طلب المعونات هو طلب قروض تضاف إلى مديونيتنا الهائلة. ولهذا نقول بعكس ما قال هؤلاء الكتاب, فنحذر من الخطر الكامن لدى التفاوض في شأن سياسي بأهمية تحولنا إلى بلد لجوء آخر, بعرضه ابتداء كأمر يمكن أن توضع عليه بطاقة سعر! فهذا يعني أننا موافقون مسبقا على أي قرارات, بشرط أن نقبض ثمنها.

وهذا لا ييسر حصولنا على "الثمن" الموهوم, بل ييسر للآخرين بخسه بما يمكن أن يحوّل البطاقة فورا إلى نقطة صفراء (علامة التصفية على البضاعة).. وقد يتردى الأمر إلى "تحميل بالمجّان"! في حين أننا إذا رسّمنا ما يمكن وما لا يمكن أن نقبله, نكون قد حددنا "موقفا" لنا لن نُعدم أن نجد من يدعمنا فيه -والدعم المادي هو الأسهل إن توفر الموقف الجاد- لكون العالم منقسم بين مواقف شتى، وله مصالح متنوعة يتنافس عليها حتى من تجمعهم مواقف سياسية كبرى.

وأنا هنا لا أحلّل وأتوقّع فقط, بل أدعو إلى الاتعاظ بخبرة من سبقونا ممن يقر لهم الأردنيون بحنكة سياسية. وأستشهد بتجربة موثقة للملك الراحل حسين, أنقلها عن أهم وأحدث كتاب لسيرة حياته هو "الحسين ملك الأردن.. سيرة سياسية" لكاتبه البريطاني أستاذ التاريخ الدولي نايجل آشتون، وقد نشر عام 2008.

والكاتب تلقى دعما في بحثه من الملك عبد الله الثاني (عام 2007) ورئيس ديوانه باسم عوض الله, وصل حد أن فتحت له كل مراسلات الملك حسين دون أدنى تحفظ. وهذه الوفرة غير المسبوقة تاريخيا -حسب الكاتب- جعلته يعود عما كتبه من كتابه طوال ثماني سنوات (1999–2007) ليعيد كتابته ويضيف فصولا بكاملها، تحديدا عن ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي, لكون وثائق الملك حوت تفاصيل غير مسبوقة عن تلك الفترة التي منها نقتبس ما نسرده هنا. ونشير هنا إلى أن الكتاب لم يتعرض لأي نقد أو حتى نقاش برؤية مختلفة من قبل أي مسؤول أردني، بدءا من الملك عبد الله الثاني ومرورا بكافة رجال الملك حسين الذين يورد الكاتب أنه التقاهم مرارا لتوثيق كتابه واستيضاح ما غاب فهمه عنه.. أي أنه كتاب مجاز بكامله ومن أعلى المستويات. 

بداية نتوقف عند قول الكاتب في مقدمة الكتاب "لمجمل فترة حكمه, أحد أكثر الحقائق المسيطرة على حياة الحسين السياسية كان سعيه لإيجاد مانحين أجانب لدعم بلاده". ويبرر آشتون هذا بتعميم حالة أنه لم يكن لدى الأردن حين تولى الملك حسين العرش ثروات طبيعية كالثروة النفطية لدى جيرانه, مع أنها حالة تغيرت منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل, بمعيار اكتشاف وتصنيف الثروات. والقصة التي يرويها الكاتب وننقلها عنه, تؤكد ضرورة تغيير تلك النظرة وذلك التصنيف  للأردن.. أقله لكون ثمنها السياسي بات باهظا بأكثر ما سبق.

القصة تأتي في الفصل السادس عشر المعنون "أشد الأعداء, أشد الأصدقاء"، ويتحدث عن خفايا ما رافق خروج ما أسمي اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية التي كان الملك الراحل يعمل عليها سرا منذ سنوات, إلى العلن عام 1994, بعد تبيّنه وجود خط تفاوضي بين الفلسطينيين وإسرائيل هو "أوسلو".

وليس سرا, بل هو معروف ومجمع عليه من المؤرخين, أن ما دفع بالاتفاقيتين إلى الواجهة على استعجال, هو التنافس بين الملك حسين وعرفات تحديدا في شأن "القدس" ومن سيملك فيها سلطة أكبر. وغني عن القول إن قضية القدس ما زالت عقدة كل الحلول للقضية الفلسطينية. 

ولكن كانت هنالك أمور لا تقل خطرا -بل تزيد- عمن له هامش سلطة أكبر على القدس بالنسبة للأردن, كترسيم حدود دائمة مع إسرائيل، (وهو ما يعني التنازل عن أراضي "المملكة" التي احتلت عام 67), ورفع سمة العدو عن إسرائيل بينما هي مرسخة كعدو في وجدان الغالبية الساحقة من الأردنيين.. مما يُلزم بأن لا ترفق تسويات بشأن حقوق كهذه, بمطالب مالية.

طلبت إسرائيل من أميركا التأكد من أن الملك حسين مستعد لقبول ثلاثة أمور: مكان إجراء المفاوضات, والتفاوض بشأن ترسيم الحدود, واستعداده للسير في المفاوضات منفردا بغض النظر عن مواقف بقية الأطراف العربية. وجاء رد الملك حسين بالإيجاب على الأمور الثلاثة

وحتى لو جاءت مطالب المملكة كحقوق مشروعة في تعويضات عن أضرار الحرب والاحتلال واعتداءات إسرائيلية متكررة (لم تجر المطالبة بها)، كان يجب أن تؤجل كي لا تشجع الطرف الإسرائيلي على طلب أو توقع تتازلات باعتبار أنها ممكنة مقابل تعويض مالي! ولكن الذي جرى حقيقة هو قلب محيّر لكل الأولويات، بإقحام طلب قدّم لطرف ثالث هو أميركا يتمثل في شطب ديون لها على المملكة بسبعمئة مليون دولار.. ولنتابع ما أوصلنا إليه هذا في سرد آشتون الموثق عاليا.

بداية نبيّن ما طلبته إسرائيل في المقابل من أميركا (عبر مساعد رئيس الموساد إفرايم هاليفي الذي التقى دينس روس منسق الخارجية الأميركية للمفاوضات بين الأردن وإسرائيل) وهو التأكد من أن الملك حسين مستعد لقبول ثلاثة أمور: مكان إجراء المفاوضات, والتفاوض بشأن ترسيم الحدود, واستعداده للسير في المفاوضات منفردا بغض النظر عن مواقف بقية الأطراف العربية. وجاء رد الملك حسين بالإيجاب على الأمور الثلاثة.

ويقول آشتون إنه بعد هذا بقليل (في 19 مايو/أيار 1994) التقى الملك حسين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين سرا في لندن، واتفقا على أن تجرى المفاوضات في وادي عربة على الحدود بين الأردن وإسرائيل. ومقابل قبول الملك اللقاء علنا مع رابين, "وافق" الأخير على أجندة للتفاوض تتضمن ترسيم الحدود واقتسام المياه!

ومع أن المحادثات ستكون ثنائية, قررا أن تبقى أميركا مطلعة على التقدم الحاصل فيها.. والأهم الذي أورده آشتون هو أن "رابين قدّم وعده بأن يفعل ما بوسعه لإقناع أميركا بالتخفيف من أزمة الأردن الاقتصادية, وللمساعدة في إعادة تجهيز الجيش الأردني"!!

ونكمل ما أورده آشتون بشأن المعونات الأميركية بكون الملك أثناء زيارته لواشنطن في يونيو/حزيران 1994, أخبر روس ومسؤولين أميركيين بأن "الأردنيين" بحاجة إلى رؤية المنافع المتأتية من السلام، مطالبا برفع "العبء الثقيل" للمديونية عن كاهل الأردن, وتسليح وتحديث جيشه.. فرد روس بأنه في ظل معارضة الكونغرس فإن يد الإدارة تبقى مغلولة, خاصة قبل التوصل إلى سلام حقيقي.. وبعدها أخبر روس عبد السلام المجالي بأن التغلب على شكوك الكونغرس يلزمه "أن يفعل الأردن أكثر ويقدم دراما أكبر" في سعيه للسلام. 

ويقول آشتون إنه في بداية تلك اللقاءات غير المنتجة, نحت المفاوضات منحى عجائبيا, إذ استعان الملك حسين بمساعد رئيس الموساد هاليفي الذي ذهب من فوره إلى واشنطن ليضغط على روس من أجل معونات اقتصادية وعسكرية للأردن تتجاوز جدولة قروضه لإعفائه من دين السبعمئة مليون دولار! ونقلا عن كتاب دينس روس "السلام المفقود"، يورد آشتون أن روس سأل هاليفي مندهشا "قل لي من تمثل أنت هنا: إسرائيل أم الأردن؟", فرد هاليفي "كليهما"! ولكن روس أوضح له "إنْ أحرز الملك تقدما في شأن السلام معكم, فقد نكون قادرين على فعل شيء بشأن الديون.. ولكن لشطبها، على الملك أن يقدم ما قدّمه السادات"!

ويكمل آشتون أن الملك أرسل رسالة "عاطفية" إلى الرئيس كلينتون بطلب المعونات قائلا "وضعنا خطير وهنالك حاجة ملحة لأن تفعّل أميركا صداقتها التاريخية مع الأردن الآن أكثر من أي وقت مضى".. ولكن ما فعله كلينتون في لقائه مع الملك في نهاية زيارة الأخير تلك لواشنطن, هو تكرار ما قاله روس, مستثمرا الأمر لصالحه، إذ اقترح عقد الملك لقاء علنيا مع رابين يستضيفه كلينتون في واشنطن بحضور أعضاء الكونغرس.. مما سيجعل رابين والكونغرس -حسب كلينتون- ينخرطون من فورهم في السعي لشطب ديون الأردن!

إعلان واشنطن حقق أهم مطلبين لكل من رابين وحسين, فالأول أراد أن يبدأ التطبيع بين البلدين, وهو ما تحقق لإسرائيل في اليوم الخامس من الإعلان, والملك أراد الوصاية الأردنية على الأماكن الإسلامية في القدس, وهو ما ترجم إلى صيغة في اتفاقية وادي عربة

من جانبه وجد رابين في ذلك اللقاء فرصة لتوقيع ما يشكل مسودة لاتفاقية سلام مع الأردن. وجرت مفاوضات إعداد تلك المسودة (التي أسميت لاحقا إعلان واشنطن) في سرية تامة، وقام هاليفي بمهمة ضابط الاتصال بين رابين والملك حسين.

ويقول آشتون إن إعلان واشنطن حقق أهم مطلبين لكل من رابين والملك, فالأول أراد أن يبدأ "التطبيع" بين البلدين, وهو ما تحقق لإسرائيل بدءا باليوم الخامس من الإعلان.. والملك أراد الوصاية الأردنية على الأماكن الإسلامية في القدس, والأخير هو ما ترجم إلى صيغة المادة في اتفاقية وادي عربة التي تشير إلى احترام إسرائيل لدور المملكة في تلك الأماكن وإعطائها أولويه له في مفاوضات الوضع النهائي لتلك الأماكن.. أما ترجمة تلك الصيغة على الأرض ما تزال في علم الغيب.

ورغم ما قدمه الملك مما هو موثق في عدة كتب (منها كتاب دينس روس ومذكرات هاليفي "رجل في الظلال"), ورغم ما قيل بعد كل تلك التقدمات الأردنية من أنه لأول مرة يتوحد اللوبي الصهيوني في الكونغرس ورئيس الولايات المتحدة على دعم شطب ديون الأردن.. فإن تلك الديون لم تشطب! وانتهى الأمر إلى أن يصرح الملك الراحل بأن ما قدمه في اتفاقيته مع إسرائيل لم يكن مقابل ثمن. وقوله ذاك جزء من "الطعم المر للسلام" الذي يقول آشتون (اعتمده عنوانا للفصل التالي في كتابه) إنه ما تبقى للملك حسين.

ويؤكد هذه المرارة آخر كتاب صدر في سيرة الملك حسين ("مستشار الملك" صدر عام 2011)، وكان الملك هو من أوصى بكتابته "لصديقه" جاك أوكونيل مدير مركز السي.آي.أي الأسبق في عمان, ليعبر عما رغب الملك حسين في روايته من سيرته كرجل سعى للسلام. وخلاصة الكتاب الذي أصدره أوكونيل وفاء بالوصية، تؤكد تلك المرارة في قول الملك إنه تم خداعه من الجميع, بمن فيهم الإسرائيليون والأميركيون.

ووصية كهذه وبرسالة كهذه -مع أنها معلنة للعالم- تظل موجهة كأولوية إلى الأقربين قبل الأغراب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك