فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري

شاءت المقادير أن يمر العالم العربي بأسوأ مراحله السياسية، فالحروب الأهلية صارت سمة لعدد من دوله، وآخرون روعهم انهيار أسعار النفط وبات بعضهم يتحدث عن ترتيبات ما بعد البرميل الأخير.

من المفارقات أنه بعد مضي خمس سنوات على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، فإننا لم نعرف بعد إلى أين نحن ذاهبون، ولا ما هي أولويات التحديات التي نحن مقبلون عليها في العام الجديد.

(١)

طوال الأسبوع الماضي كان مؤتمر معهد أبحاث الأمن القومي في إسرائيل يحاول في جلسات علنية الإجابة عن السؤال: ما هي التحديات التي تواجه الدولة العبرية في العام الجديد الذي تلوح فيه مؤشرات "تغيير قواعد اللعبة؟" (العبارة الأخيرة كانت عنوان دورة المؤتمر). أثارت الانتباه في مناقشات الاثنين (١٨/١) مداخلة رئيس أركان الجيش غادي إيزنكوت، الذي قدم لأول مرة طرحا مخالفا للموقف الرسمي للحكومة إزاء الاتفاق النووي مع إيران.

نفتالي بنيت:
رغم تطور إسرائيل الفكري وتقدمها العسكري فإنها تعاني من تحجر العقل السياسي، فهي لا تزال تستعد لحروب الماضي بينما يستعد أعداؤها للحروب المقبلة، ويواصل الجيران تطوير أنفسهم

إذ هون من شأن الاتفاق في الأجل المنظور. وكان من رأيه أن طهران تتجه للالتزام به، وأن موقفها الإستراتيجي لا يمضي باتجاه تطوير سلاح نووي وإن لم تتنازل عن تطلعاتها كي تصبح دولة عظمى إقليميا. في اليوم التالي انتقد أطروحته نائب مدير معهد أبحاث الأمن القومي الكولونيل أودي ديكل حين تحدث عن الارتباك في الاتفاق على التحدي الأكبر لإسرائيل.
 
دلل على ذلك بالإشارة إلى أن الجنرال إيزنكوت هوّن من شأن خطر إيران وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واعتبر أن حزب الله هو الطرف الوحيد الذي يشكل تهديدا خطيرا لأمن إسرائيل.
 
وفي الوقت ذاته ذكر أن التحدي الإستراتيجي والقضية المركزية الكبرى التي تهدد إسرائيل تتمثل في الجمود السياسي والفشل في التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية وأوضاع الأراضي المحتلة.
 
وخلص ديكل إلى أن رؤية رئيس الأركان انطلقت من تقديره للتحدي العسكري. بالمقابل فإن آخرين مثل رئيس المعهد الجنرال عاموس يادلين ذكروا أن الخطر الأكبر يكمن عمليا في استمرار المسعى الإيراني لإقامة محور "متطرف" يبدأ في إيران ويمر عبر العراق وسوريا وصولا إلى حزب الله في لبنان.
 
الرئيس الإسرائيلي روبي ريفلين في خطابه الموجه إلى المؤتمر يوم الاثنين اعتبر أن الخطر الأكبر على إسرائيل يتمثل في تغلغل تنظيم داعش في صفوف الفلسطينيين واستغلال أوضاع الفئات المهمشة منهم في تجنيدهم وحثهم على مهاجمة الدولة.
 
وكان إيزنكوت وقبله وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون قد اعتبرا داعش ظاهرة عابرة. وأضاف إيزنكوت أن الخطوة الأولى في تصفية وجود داعش تتمثل في القضاء على فرعها فيما سمي "ولاية سيناء".

اشتركت في المناقشة وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي انتقدت سياسة الحكومة قائلة إنها باسم الأمن تبرر كل شيء وتخاطر بكل شيء، وذكرت أنها تواصل بناء المستوطنات في مواقع نائية لن تكون جزءا من إسرائيل في أي تسوية، ولكنها تستهدف بذلك بقاء اليمين في السلطة وتحديدا استمرار نتنياهو في موقع رئيس الحكومة.
 
تحدث أيضا وزير الدفاع الأسبق موشيه أرتس الذي شكك في إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين في الوقت الراهن، لأن الرئيس أبا مازن لا يقبل وإذا قبل فإنه لا يستطيع تسويق الاتفاق.
 
أما مفاجأة المؤتمر فكانت كلمة وزير التعليم وزعيم "البيت اليهودي" نفتالي بينيت الذي قال إن إسرائيل فقدت عنصر المبادرة في السنوات الأخيرة وباتت تنجر وراء الأحداث والأطراف المحيطة بها.
 
ذلك أنها رغم تطورها الفكري وتقدمها العسكري تعاني من تحجر العقل السياسي. فهي لا تزال تستعد لحروب الماضي بينما يستعد أعداؤها للحروب المقبلة، ويواصل الجيران تطوير أنفسهم. ومما ذكره في هذا الصدد أن طائرات "إف ٣٥" المتطورة لم تعد قادرة على إخضاع ٥٠ مقاتلا من حماس.

(٢)

هذه اللقطات من المؤتمر الإسرائيلي عرضها تقرير نشرته صحيفة العربي "الجديد" في ٢٠/١ أعدته مراسلتها في الأرض المحتلة. وهي تقدم نموذجا لتشكيل الرؤية في بلد يعيش لحظة نادرة من الاسترخاء الإستراتيجي. إذ اطمأن إلى أن جريمته في فلسطين لم تعد تشغل العالم العربي، الذي بات غارقا في مشاكله إلى حد الانكفاء على ذاته مع فقدان بوصلة النظر إلى المستقبل.  

شاءت المقادير أن يمر العالم العربي بأسوأ مراحله السياسية وأن يواجه في الوقت ذاته أكبر تحدياته المصيرية، لذلك فإنه لم يعد يستحق فقط أن يوصف بأنه العربي المريض، ولكنه أيضا صار المبتلى والممتحن

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن أنظمة العالم العربي أصبحت تحارب في الداخل أكثر مما تحارب في الخارج . كما أنها أصبحت مشغولة بالحاضر أكثر من انشغالها بالمستقبل. ورغم أن تحديات كبرى أصبحت تتزاحم في الأفق، بحيث ما عادت تخطئها عين، فإننا لا نعرف أن الموضوع طرح للمناقشة على مستوى المسؤولين العرب بحيث سمعت فيه مختلف الآراء وطرحت فيه التصورات والحلول.
 
وهو ما يجعلنا نقرر بأسى شديد أن العالم العربي لم يعد له عقل يديره ويرشده، الأمر الذي جعل مصائره تصنع في خارجه. تشهد بذلك الجهود التي تبذلها القوى الكبرى لحل المشكلات المعقدة في كل من ليبيا وسوريا واليمن.
 
عبرت عن ذلك صحيفة القدس العربي حين ذكرت في ١٨/١ أن اللاعبين في المنطقة الآن هم: الإسرائيليون والروس والأميركان والإيرانيون. ولم يكن ذلك تقديرا مبالغا فيه لأن القامات والأوزان العربية تراجعت بحيث أصبحت قاصرة عن الإسهام بشكل فاعل في صناعة المصير.
 

لقد شاءت المقادير أن يمر العالم العربي بأسوأ مراحله السياسية وأن يواجه في الوقت ذاته أكبر تحدياته المصيرية. إزاء ذلك فإنه لم يعد يستحق فقط أن يوصف بأنه العربي المريض، على غرار وصف رجل أوروبا المريض الذي أطلق على الدولة العثمانية في زمن انحطاطها وقبل اندثارها، ولكنه أيضا صار المبتلى والممتحن.
 
فالحروب الأهلية صارت سمة للدولة العربية في مشرقها ومغربها، والذين نجوا من الحروب الأهلية روّعهم انهيار أسعار النفط وبات بعضهم يتحدث الآن عن ترتيبات ما بعد البرميل الأخير. وفي هذه الأجواء انتعشت أحلام إسرائيل الاستيطانية، ودخلت إيران إلى الساحة متحللة من قيود الحظر، وقد مدت أذرعها في أربعة أقطار عربية وقرأنا لأحد الكتاب الإسرائيليين قوله إن حضورها في اليمن منذ عام ٢٠١٥ يعادل الحضور المصري هناك في عام ١٩٦٢.

يقبل عرب ٢٠١٦ على العام الجديد وبعضهم ذاهل ومصدوم من جراء انهيار أسعار النفط، والبعض الآخر قلق من تمدد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو متحسب للعمليات الإرهابية والغارات الروسية، وحائر في كيفية التعامل مع إيران وما إذا كان ذلك التعامل يواجه التطلعات التوسعية، أم التغول المذهبي أم النزعات الفارسية.

يحدث ذلك في حين يستمر نزيف الدم ويتواصل قتل البشر في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وتتفاعل عوامل الغليان والانفجار في بقية أنحاء الوطن الكبير.

(٣)

المشهد في مصر ليس بعيدا عن تلك الأجواء، ولكنه جزء منها وإن اختلفت العناوين. ذلك أنني لا أعرف أن جهة ما في مصر أجرت حوارا مفتوحا مع الخبراء وأهل الاختصاص حول التحديات التي يواجهها البلد في العام الجديد. ولا يعالج تلك الثغرة أن تكون تلك المناقشات قد جرت في غرف مغلقة وبين نفر من أهل الثقة أو الأجهزة الأمنية. ولذلك يظل نظرنا إلى الموضوع في حدود التخمين والاجتهاد.

كان الظن أن السياسة في مصر سيرد لها الاعتبار في الآونة الأخيرة، إلا أن التدخلات الأمنية في الانتخابات التشريعية الأخيرة والصورة التي تابعناها في أداء مجلس النواب بددت ذلك الأمل

في هذا الصدد أزعم أن التحدي الأكبر يتمثل في سد النهضة الإثيوبي الذي يفترض أن ينتهي بناؤه في العام القادم. ذلك أنه يثير مخاوف مكتومة تتجاوز بكثير الآثار المترتبة على انهيار أسعار النفط. فالسد يهدد الوجود أما هبوط أسعار النفط فإنه يهدد الرفاه، فضلا عن أن آثاره ليست عاجلة.

في ذات الوقت فإن خطط التقشف المطروحة في دول الخليج لها انعكاساتها المباشرة على المعونات التي تقدم إلى مصر، المعول عليها في استقرار الأوضاع الاقتصادية. إضافة إلى أثرها على مصائر آلاف المصريين العاملين في دول الخليج الذين أصبحوا مهددين بالرحيل في أي وقت.

 وما عاد سرًّا أن مستقبل الوضع الاقتصادي الذي يلوح فيه شبح الأزمة لا يؤرق الإدارة السياسية المصرية فحسب، لكن له صداه المحسوس أيضا في رسائل بعض الدول الغربية والولايات المتحدة في المقدمة منها. وهو ما يعني أن مصر في العام الجديد ستظل محتاجة إلى التعامل مع الأمن المائي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية فضلا عن الأزمة السياسية المتمثلة في الانقسام الأهلي وانفراط عقد القوى الوطنية.

 
ولئن تراجعت العمليات الإرهابية إلى حد كبير -وهو ما عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي حين أعلن أن مصر تحارب الإرهاب في واحد بالمائة من مساحة شبه جزيرة سيناء- فإن استمرار السياسة الأمنية يظل مصدرا آخرا للتوتر يؤثر على الاستقرار المنشود. وهو أكثر ما يتجلى في انتهاكات حقوق الإنسان التي أصبحت وصمة يتسع نطاقها حينا بعد حين. وقد كان الظن أن السياسة سيرد لها الاعتبار في الآونة الأخيرة، إلا أن التدخلات الأمنية في الانتخابات التشريعية الأخيرة والصورة التي تابعناها في أداء مجلس النواب بددت ذلك الأمل، حتى عدنا إلى المراهنة على المستقبل البعيد وليس القريب.

(٤)

يبدو كئيبا هذا العام الجديد. تدل على ذلك القرائن التي أشرت إلى بعضها، وغيرها كثير مما لا يتسع له المقام أو المجال. قد نختلف في تقدير نسبة الكآبة في الكوب، سواء مثلت ربعه أو نصفه أو غير ذلك، إلا أنها موجودة ولا نستطيع أن نتجاهلها. لكن أخوف ما أخافه أن يدفعنا ذلك إلى اليأس والانضمام إلى حملة ملاعنة الربيع العربي وسنينه أو الحنين إلى زمن تزوير الانتخابات والدكتاتورية المقنعة والفساد المستور.

استوقفتني في هذا الصدد مقالة نشرتها صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية في ١٤/١ كتبها فرانسوا هيزبورج أحد خبراء الشؤون الإستراتيجية تطرق فيها إلى الأوضاع السائدة في العالم العربي في الوقت الراهن وقارنها بالخبرة التاريخية الأوروبية. إذ تحدث عما شهدته أوروبا خلال حرب الثلاثين عاما في بداية القرن السابع عشر (بين عامي ١٦١٨ و١٦٤٨) التي أشاعت الاقتتال والخراب والمجاعات في أوروبا. إذ بدأت حربا بين البروتستانت والكاثوليك (السنة والشيعة؟) وانتهت صراعا سياسيا على الحدود والنفوذ اشترك فيه الفرنسيون والألمان والإيطاليون والسويديون والإسبان وغيرهم (هبط خلالها سكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر مليونا ونصف المليون)، وبعدما غرقت أوروبا في الدماء خرجت من أنقاض الحرب الأمَتان الألمانية والفرنسية.
 

الرياح التي هبت على العالم العربي في عام ٢٠١١ كانت متوقعة لأن أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تستمر على حالها
أشار الكاتب إلى أن الرياح التي هبت على العالم العربي في عام ٢٠١١ كانت متوقعة لأن التقارير التي تحدثت عن التنمية فيه والفجوة المتسعة بينه وبين العالم الخارجي على كل المستويات بينت أن أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تستمر على حالها. وهو ما يهدم مزاعم البعض الذين تبنوا سيناريو "المؤامرة" لتشويه انتفاضة العالم العربي خصوصا في مصر.

لقد حرص الكاتب على أن يحذر من التعجل في تقييم الوضع في العالم العربي تأثرا بالخيبات والصراعات التي عانت منها بعض أقطاره. ودعا إلى قراءة المشهد العربي من خلال استدعاء تلك الخبرة الأوروبية التي شهدتها القارة في القرن السابع عشر، وهو ما أؤيده وأشدد عليه، لكنني تمنيت ألا نستنسخ فظائع وقائع تلك الحرب، كما أنني استشعرت استياء من مدة الثلاثين عاما، لأن أمثالي لن يقدر لهم أن يشهدوا بزوغ حلم الأحياء. وأرجو أن يلمس الأحفاد بعض ثماره.

المصدر : الجزيرة

التعليقات