نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

استعدادات الانقلاب ليوم الخامس والعشرين من يناير (غدا) تنوعت بين الإجراءات الأمنية والفعاليات السياسية والتسريبات الإعلامية والفتاوى الدينية وتصريحات المعارضة الزائفة، لكي يبدو المشهد وكأننا في حالة استعداد لحرب.

استعدادات أمنية
حوارات وتصريحات وفتاوى وضمائر للبيع

مع أن النظام الحاكم الذي يدير شؤون مصر منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 يعتقد أن خروج معارضيه إلى الشوارع في ذكرى ثورة 25 يناير الخامسة لن يكون أكثر من موجة احتجاجات عابرة قد تكون قوية، لكنها لن تتطور إلى موجات ثورية متتابعة.

مع هذا يخشى النظام هذا اليوم كل الخشية، ويعمل له حسابات كثيرة، فأي إنجاز نوعي قد يحققه الثوار في ذكرى الثورة قد يطمعهم في مزيد من الأعمال المناهضة له، كما أن اشتعال شوارع العاصمة المصرية والمدن الكبرى بالاحتجاجات يهدم ادعاءات النظام بأن الأمور قد استقرت له، وأن المعارضة والتظاهرات التي تشهدها الشوارع ليست أكثر من أعمال صبيانية باهتة، وقد يشجع أي وضع جديد المزيد من الأطياف الشعبية التي اكتشفت مرارة الواقع تحت حكم العسكر على الانضمام إلى الثوار، كما فعلوا منذ خمس سنوات مضت.

من اليسير أن نكتشف طبيعة الإجراءات التي يواجه بها الانقلاب في مصر أزماته ومشكلاته بالنظر إلى طبيعة الانقلاب نفسه، فهو: عمل أمني أكبرُ رصيد يملكه هو قوى الدولة الخشنة

ومن اليسير أن نكتشف طبيعة الإجراءات التي يواجه بها الانقلاب في مصر أزماته ومشكلاته، بل يدير بها الدولة كلها بالنظر إلى طبيعة الانقلاب نفسه، فهو: عمل أمني أكبرُ رصيد يملكه هو قوى الدولة الخشنة، وهو ترتيب عسكري يرفض المعارضة ويتحاور بالسلاح ويصر على نفس الوسائل، وتدبير مخابراتي يوظف الشائعات ويخترق الخصوم ويستتبع الموظفين العموميين والشخصيات المؤثرة، وعمل دعائي يبيع الأوهام ويرسم اتجاهات الرأي بادعاءات الإعلام وأكاذيب المنشورات الصفراء، وترتيب يتجاوز حدود الدولة المصرية ومصالحها فينسق مع تلك الجهة الخارجية وهذه الدولة الأجنبية وتلك المؤسسة الدولية.

وقد بدا كل ذلك جليا في استعدادات الانقلاب ليوم الخامس والعشرين من يناير القادم، ولنبدأ بالإجراءات الأمنية التي أذاعها الإعلام، أو تسربت أخبارها من هنا وهناك بتعمد واضح من النظام نفسه، أو عهدناها في سلوك النظام مع الأحداث المشابهة، مما يبدو معه المشهد وكأننا في حالة استعداد لحرب.

استعدادات أمنية
فقد أُعلن من خلال كثير من مواقع الإنترنت المعارضة وقليل من المواقع الموالية عن شراء الحكومة المصرية "معدات شُرَطية" بحوالي 250 مليون جنيه مصري (أكثر من 30 مليون دولار أميركي)، والرقم الكبير له مغزاه الذي يجب ألا يغيب عنا، فرجال الشرطة -رغم العطايا الكثيرة التي نالوها في صورة رواتب وحوافز وبدلات- ما زالوا يشعرون أنهم أكثر تضحية وتعرضا للخطر، وفي الوقت نفسه أقل تأمينا ضد المخاطر واستفادة من منح النظام ورواتبه المضاعفة قياسا على ضباط الجيش.

وهذا الرقم -بقطع النظر عن دقته- يؤكد -والشرطة مقصودة في هذا التأكيد- أن النظام يريد ضمان ولاء رجل الشرطة له، ويسعى إلى تأمين مواجهته للجماهير الغاضبة، وتقليل المخاطر التي تقابله إلى أدنى حد ممكن.

ويؤكد هذا تفصيل ما اختصرته عبارة "معدات شرطية"، فقد اشتملت -حسب سياق الخبر- على ملابس (أميركية) واقية من أخطار المفرقعات، وأجهزة روبوت للتعامل مع المفرقعات، ومدافع مياه "لتشتيت العبوات الناسفة وتفجيرها عن بعد"، وهذا الأخير يبدو أنه من مخترعات مسرّبي الخبر أنفسهم!

والتركيز على أدوات الحماية ومواجهة العبوات الناسفة والمفرقعات يرجع إلى أن الشرطة -التي اعتادت على المتظاهر الشهيد والمصاب- ينتابها الرعب من استخدام المتظاهرين لأنواع بدائية من المتفجرات لا تقتل، ولكنها قد تصيب العين، أو تشوه جلد الوجه، أو تسبب أنواعا من تعويق الأطراف.

وفيما عدا هذا أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن رفع حالة الجاهزية الأمنية وألغت إجازات ضباط وأفراد الأجهزة الأمنية، ليس احتفالا بعيد الشرطة الرابع والستين الذي يصادف هذا اليوم، ولكن لمواجهة التظاهرات الجماهيرية المتوقعة في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، مع مواعيد أكيدة بمكافآت مالية مجزية لرجال الشرطة مقابل هذا الاستنفار، بعد أن أصبح هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يحرك أمناء الشرطة والضباط.

ولم تفوت وزارة الداخلية قبل أسابيع من ذكرى الثورة فرصة احتفالات الأعياد المسيحية مع قدوم العام الجديد، فضاعفت مبكرا التواجد الأمني لقواتها المدربة والمسلحة في الشارع المصري، ولم تخف أن هدفها هو التصدي لأي محاولات تخريبية في ذكرى الثورة. وهو أمر معهود من الداخلية، ويخضع لخطة انتشار في المسارات والطرق الرئيسية التي يتوقع أن تتحرك فيها التظاهرات، مع تكثيف الدوريات ونقاط التفتيش ونشر القناصة فوق المباني بصورة دقيقة تخفيهم عن الأعين وتحميهم من بطش الجماهير، ولو عن طريق إنزالهم وإجلائهم بالطائرات.

وأما من الجهة الإدارية، فقد قام وزير الداخلية بحركة ترقيات وتعيينات وتنقلات بالأجهزة الأمنية، طمعا في زيادة كفاءتها وتجديد دمائها، ولا تخلو الاختيارات الجديدة من دلالات مهمة، فرئيس قطاع الأمن الوطني (أمن الدولة سابقا) اللواء محمود شعراوي هو الذي لفق قضية عرب شركس لمجموعة من الشباب الذين اعتقلوا قبل وقوع الحادث بشهور، وأعدموا فيما بعد، وهذا يعني أن ماكينة التلفيق لا بد أن تستمر مع تسريع عجلة القبض على المشكوك في معارضتهم للنظام.

وأما اللواء صلاح حجازي المساعد الجديد لوزير الداخلية لشؤون الأمن الاقتصادي فهو صاحب الأزمة الشهيرة التي وقعت بين وزارة الداخلية ومجلس الشعب -الذي انتخبه المصريون عقب الثورة- حين قُبض على ضابط من جهاز أمن الدولة الذي كان يرأسه حجازي حينئذ مندسا في صفوف تظاهرات مدفوعة ضد المجلس المنتخب، وهذا يعني أن دوره في تعطيل أداء المجالس والرئيس المنتخب لواجباتهم، ومنع تعاون أجهزة الدولة معهم كان أساسيا.

نشرت الداخلية كاميرات ثابتة على الجدران ومتحركة بالسيارات لمراقبة الشوارع والميادين, وداهمت منازل المشكوك في انتمائهم إلى المعارضة الثورية وتقوم بتتيع مواقع التواصل

ويلاحظ على عموم هذه التغييرات اهتمام الوزير باصطفاء أهم قيادات الوزارة الجدد من جهاز أمن الدولة الذي جاء الوزير نفسه منه حيث يكون الولاء له والتفاهم معه أقرب، كما تختلط تدابير استعمال القوة بتوظيف العيون وتخويف المواطنين ومداهمة البيوت ومراقبة الحركة في الشوارع والطرق وقرب المساجد الكبرى.

وهذا كله ملاحظ على السلوك الأمني للمسؤولين الجدد في وزارة الداخلية، من نشر كاميرات ثابتة على الجدران ومتحركة بالسيارات لمراقبة الشوارع والميادين، منها ألفان بمحطات مترو الأنفاق وحدها، ومداهمة منازل المشكوك في انتمائهم إلى المعارضة الثورية واعتقالهم تحت عنوان "رصد عناصر داخل دائرة الاشتباه" (قبض على المئات إلى الآن)، وتتبع مواقع التواصل التي تدعو إلى الخروج في ذكرى الثورة والقبض على من يديرونها، وفي هذا السياق قبضوا على فتاة بمحافظة المنيا (حوالي 200 كيلومتر جنوب القاهرة) بتهمة إدارة ثماني صفحات تدعو إلى التظاهر في ذكرى الثورة!

حوارات وتصريحات وفتاوى وضمائر للبيع
وهذا أسلوب آخر اتبعه الانقلاب في تمهيده لمواجهة تظاهرات 25 يناير، فقد صدر كم كبير من التصريحات، وأجريت حوارات وصدرت فتاوى تكشف كلها عن خوف عميق من تطورات هذا اليوم، فدار الإفتاء أفتت بأن التظاهر يوم 25 يناير جريمة ومحرم شرعا، وسارع وزير الأوقاف فأعلن تأييده القوي للفتوى، ووزعت وزارته منشورا رسميا بموضوع لخطبة الجمعة عن "حرمة التظاهر يوم 25 يناير"!

ورافق ذلك وتلاه سيل من التصريحات الإعلامية متبعا أحيانا سياسة التهوين والتثبيط وأن المعارضة ضعيفة بعد العمل الجاد للقضاة ورجال الشرطة ضد "الخارجين على القانون"، وأن الموقف الدولي متفهم للجهود المبذولة ضد الإرهاب، وأحيانا تتبع سياسة الترهيب والتخويف من أن أي شخص سيطل برأسه في هذا اليوم فلن "يتركه شعب مصر"، بل صرح أحد الموصوفين بالخبير الاستراتيجي والأمني بأن من سينزلون إلى الشوارع للتظاهر في 25 يناير سيُضربون بالأحذية!

ودخل المسؤولون الأمنيون على الخط الإعلامي، مثل وزير الداخلية الذي تكلم كثيرا عن "إجراءات تأمين الاحتفال بثورة 25 يناير"، ورئيس قطاع الأمن المركزي اللواء مدحت المنشاوي الذي أشرف ميدانيا على فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس/آب 2013، والذي صرح بأن الداخلية تقول: لمتظاهري 25 يناير: "لا تلوموا إلا أنفسكم"!

وحتى اللحظة لا يمر يوم على فضائية أو صحيفة موالية للانقلاب إلا وطالعت فيها هذه النغمة على لسان محلل سياسي مرة، ومن فم خبير أمني مرة، وعن طريق مذيع أو مذيعة أو صحفي مرات، وعلى فم فنان أو فنانة أو حتى راقصة، فضلا عن مسؤولي الدولة من أعلاها إلى أدناها.

لكن الأفدح في الأمر -وإن لم يكن مفاجئا- هو ظهور عرائس الشمع الجالسة في كراسي المعارضة أو اللابسة زي الحكماء المستقلين مرددة النغمة نفسها، فحزب النور يرى أن وضع البلاد لا يتحمل التظاهرات، وأن البرلمان قادر على تلبية مطالب المواطنين، وحمدين صباحي دعا في حوار تلفزيوني موسع إلى عدم التظاهر في 25 يناير، وحتى يؤكد استقلاله شن في حواره حملة عنيفة على السيسي، ووصف السلطة بأنها "غير عاقلة" في مواقفها من المعارضة حتى نتظاهر ضدها، والتيار الديمقراطي أعلن على لسان مسؤوليه أننا "سنحيي ذكرى 25 يناير بمقراتنا، والتظاهر ليس فى صالح مصر"!

تدابير مخابراتية
تعمدت أجهزة الدولة تكبير الحملة الأمنية والإعلامية ضد الخروج في ذكرى 25 يناير، والهدف الواضح هو توظيف الخبر في التأثير على قرارات المشاركين في التظاهرات، فقد نُشرت التصريحات والحوارات والنداءات التي صدرت عن الحكومة وحلفائها الظاهرين والباطنين في هذا الشأن بكل وسيلة ممكنة، حتى إن بعض المواقع تورد الخبر الواحد بعدة عناوين، وتقطّع الحلقة الواحدة من البرنامج إلى فقرات صغيرة تقدم عدة رسائل يعزز بعضها بعضا، وتقتطع من سياقات الكلام ما استطاعت من عبارات وجمل تخدم هدفها.

وغطى على ذلك وزاد زيارة جون برينان مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية للقاهرة في هذا التوقيت، والأغرب من الزيارة لقاء المسؤول الأميركي المهم باللواء مجدى عبد الغفار وزير الداخلية، وهو ما نشرت وزارة الداخلية على صفحتها الرسمية بعض تفاصيله الخطيرة فيما يبدو أنه رسالة إلى المتظاهرين أن المجتمع الدولي -وعلى رأسه الولايات المتحدة- يقف في صفنا!

ومما جاء في الموقع المذكور عن هذا اللقاء قوله "استعرض السيد مجدى عبد الغفار وزير الداخلية جهود الوزارة فى التصدي لعمليات العنف التي تقوم بها جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وعدد من العناصر المتحالفة معها من أجل محاولة زعزعة الاستقرار وتعطيل جهود الدولة للنهوض بالبلاد وتحقيق أمن المواطنين اجتماعياً واقتصاديا.

ما قام به الانقلاب لمواجهة التظاهرات المتوقعة في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير يعد دليلا على ضعفه برغم المساندة الدولية القوية التي يتمتع بها، ويبقى على الثوار اختيار أساليب ثورية مناوِرة وغير متوقعة
"

"كما أبدى وزير الداخلية رضاءه عن مستوى التعاون بين أجهزة وزارة الداخلية ووكالة المخابرات المركزية الأميركية فى مجال تبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بمكافحة العناصر المتطرفة ومقاومة الأفكار التكفيرية الهدامة التي تسعى لخداع الشباب وتجنيدهم من أجل تحقيق أهدافهم التي تهدد استقرار دول المنطقة...".

"ومن جانبه أشاد السيد جون برينان مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية بالتعاون الإيجابي بين أجهزة وزارة الداخلية وأجهزة الوكالة، مؤكداً على اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع مصر فى كافة المجالات، وأهمها مجال الأمن، حيث إن استقرار مصر ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها، وأعرب عن تطلعه لزيادة مستوى التعاون فى كافة المجالات الأمنية ذات الاهتمام لدى الجانبين".

والحقيقة أن هذا بعض ما قام به نظام الثالث من يوليو لمواجهة التظاهرات المتوقعة في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، لكن تبقى سياساته هذه دليلا على ضعفه برغم المساندة الدولية القوية التي يتمتع بها، ويبقى على الثوار اختيار أساليب ثورية مناوِرة وغير متوقعة، وتصب في اتجاه استمرار تصاعد الزخْم الثوري، وعدم تحوله إلى وميض يخبو بعد مرور ذكرى الثورة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك