هشام  الشلوي

هشام الشلوي

كاتب وباحث ليبي

ثمة تحديات كبيرة سياسية وأمنية واقتصادية تواجه حكومة الوفاق الوطني، في ظل تردي الأوضاع في ليبيا على جميع الصعد، وانهيار أسعار النفط عالميا، وإغلاق حقول نفط ليبية. لكن لا بد للحكاية أن تبدأ من مكان وزمان ما.

 
معضلة المؤتمر الوطني العام
أزمة البرلمان في طبرق
تمدد تنظيم الدولة الإسلامية

تحمّل الليبيون عنت المضي في الاتفاق السياسي وتوقيعه، وإقرار حكومة توافق وطني تحظى بالحد الأدنى من القبول الشعبي -وهو المطلوب في مثل الحالة الليبية- لمحاولة وقف الأعمال العسكرية المندلعة خاصة في بنغازي وأجدابيا، وإجراء تهدئة في الجنوب الغربي والشرقي للبلاد.

إضافة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، الذي دفع احتلاله لسرت وسط ليبيا المجتمع الدولي إلى رعاية ومساندة الاتفاق السياسي والحكومة المنبثقة عنه. إذ لا يمكن قتال التنظيم -سواء في درنة أو بنغازي أو سرت- في ظل الانقسام السياسي وتشرذم الكتائب والمليشيات، حتى إن ادعت وصلا بالمؤسسة العسكرية.

الحكومة التوافقية ليست كعكة يمكن تقاسمها بين كل الأطراف السياسية والمجتمعية الفاعلة على الأرض، حتى إن توزعت في بنائها بين أقاليم ليبيا الثلاثة أو قواها السياسية والمجتمعية، بسبب أنه منتظر منها تفكيك مجموعة أزمات على رأسها الاقتصاد والأمن، وتوحيد البلاد تحت قيادة سياسية جامعة، ولا مجال لإخفاق المشاركين أو المتربعين على قمة هرمها التنفيذي، إذ إنها ليست مسؤولة فقط أمام الليبيين، بل أمام المجتمع الدولي وقواه الكبرى، وستحاسب عن عجزها أو فشلها، ولن تكافأ على نجاحها.

ثمة صعوبة في حساب اتجاهات القوة التصويتية لأعضاء المؤتمر، ومعرفة توجهاتهم السياسية وخياراتهم على وجه الدقة، ففي الجلسات وعلى شاشات التلفزة مواقف مغايرة لما قد يعتقده بعض أعضاء المؤتمر

معضلة المؤتمر الوطني العام
ينقسم المؤتمر الوطني العام إلى معارضين للاتفاق السياسي جملة وتفصيلا تحت أي صيغة برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، على رأسهم رئيس المؤتمر نوري أبو سهمين والعضو المستقيل من حزب العدالة والبناء محمود الورفلي؛ وإلى مؤيدين للاتفاق السياسي بشروط، كالمطالبة بتوازن تشريعي بين البرلمان في طبرق والمؤتمر، وتحديد مفهوم الإرهاب؛ بينما يذهب آخرون من الأعضاء إلى القبول بالاتفاق السياسي وبحكومة التوافق دون قيد أو شرط -كالعضو بالقاسم قزيط- باعتباره المخرج الأمثل للأزمات المعقدة التي تضرب بأطنابها في طول البلاد وعرضها.

يقول بعض المطلعين على دواخل المؤتمر إن ثمة صعوبة في حساب اتجاهات القوة التصويتية لأعضاء المؤتمر، ومعرفة توجهاتهم السياسية وخياراتهم على وجه الدقة، ففي الجلسات وعلى شاشات التلفزة والتصريحات مواقف مغايرة لما قد يعتقده بعض أعضاء المؤتمر.

يفسر البعض السلوك السياسي للمؤتمر الوطني بأنه انحياز فقط لمعارضة الاتفاق السياسي دونما قدرة على المناورة وإبداء مبادرات تحظى بقدر من الجدية، إذ إن رئاسة المؤتمر الوطني عولت كثيرا على ما أسمته الحوار الليبي الليبي، بعد اللقاءين بين رئيس المؤتمر نوري أبوسهمين ورئيس البرلمان عقيلة صالح في مالطا وسلطنة عمان، اللذين جاءا بعد توقيع اتفاق مبادئ في تونس في سبتمبر/أيلول من العام الماضي. كل هذه الجهود انهارت بفعل ضغط مارسته قبائل في شرق ليبيا على رئيس البرلمان عقيلة صالح للقبول بالاتفاق السياسي برعاية أممية.

اللجنة السياسية بالمؤتمر وعلى لسان عضوها عبد القادر حويلي أعلنت عن مبادرة جديدة، سرعان ما تغيرت بمبادرة أخرى أعلنها ملتقى للوفاق الوطني بالعاصمة الليبية طرابلس، وصفق لها حويلي نفسه تصفيقا حارا. هذا التخبط وما يمكن وصفه بإسهال المبادرات يقوي من الرأي القائل إن المؤتمر، أو بمعنى أدق: المنحازون من الأعضاء لتيار رئيسه أبوسهمين، يعارضون ليس من أجل محاولة إدخال تعديلات على الاتفاق السياسي أو الحصول على مكاسب سياسية، بل من أجل خنق الاتفاق الأممي، لأسباب أغلبها يتعلق بضمانات شخصية.

أزمة البرلمان في طبرق
رغم أن المبعوث الأممي مارتن كوبلر أعلن في يناير/كانون الثاني الجاري من العاصمة طرابلس أن رئيس البرلمان في طبرق المستشار عقيلة صالح رضي بالسير في الطريق السياسي الذي اختطه اتفاق الصخيرات الموقع في 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ورغم أن أكثر من تسعين عضوا من البرلمان شاركوا في حفل توقيع الاتفاق السياسي، وهو ما يعني أن غالبية البرلمان راضية عن الاتفاق، ورغم إعلان رئيس البرلمان عقيلة صالح عن قبوله للاتفاق السياسي وعدم الاكتراث بالحوار الليبي الليبي؛ فإن سلوك الرئاسة الأخير -خاصة في جدول الأعمال الذي طرحته- ينبئ بعدم القدرة على تفسير سلوك رئاسة البرلمان.

حضور أكثر من تسعين نائبا لحفل توقيع الاتفاق السياسي بالصخيرات يغني تماما عن التصويت على الاتفاق، باعتبارهم أغلبية، إضافة إلى أنه في حالة حدوث أي لغط في جلسة التصويت، فهذا من شأنه أن يبعث برسائل سلبية

فقد تحدثت إلى أكثر من عضو بالبرلمان، أفادوا بأن جدول الأعمال المطروح من قبل الرئاسة لا يمكن عقد جلسة بشأنه، خاصة في البندين المتعلقين بالتصويت على الاتفاق السياسي، والتصويت على عودة النواب المقاطعين للبرلمان من عدمه.

فالأعضاء الذين تحدثت إليهم يرون أن حضور أكثر من تسعين نائبا لحفل توقيع الاتفاق السياسي بالصخيرات يغني تماما عن التصويت على الاتفاق، باعتبارهم أغلبية، إضافة إلى أنه في حالة حدوث أي لغط في جلسة التصويت وفشلها، فهذا من شأنه أن يبعث برسائل سلبية.

أيضا يرون أنه لا مجال للتصويت على عودة النواب المقاطعين للبرلمان، فهذا حق أصيل ضمنه لهم الاتفاق السياسي، ويدعون في ذات الوقت إلى أن تكون الجلسة لتصويت منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني بعد تشكيلها، وإجراء تعديل دستوري بتضمين الاتفاق السياسي للإعلان الدستوري.

تمدد تنظيم الدولة الإسلامية
ينتشر تنظيم الدولة الإسلامية -الذي يدين بالولاء للمركز الأم في العراق- في عدة مدن ليبية، ففي درنة في أقصى الشرق رغم محاصرته من قبل مقاتلين إسلاميين وثوار وعسكريين في جيوب صغيرة شرقي المدينة، فإن المعارك لم تحسم بعد رغم مرور أشهر عليها.

في بنغازي شرق ليبيا ستندلع الاشتباكات بين تنظيم الدولة الإسلامية مع الثوار المعتدلين في أي لحظة، إذ بدأت الأعمال الاستفزازية بينهما، وما قد يمنع اندلاعها بشكل شامل هو تربص مسلحي الكرامة بهما، ووضعهما في سلة واحدة تحت عنوان الإرهاب. وهو سيناريو ينطبق أيضا على مدينة أجدابيا التي اندلعت فيها مؤخرا اشتباكات بين موالين لحفتر ومجلس شورى تحالف ثوار أجدابيا.

يمكن القول إن قتال حفتر وحّد بين المتشددين والمعتدلين، سواء أكانت وجهة النظر سياسية باعتبار أن حركة حفتر هي عودة للنظام السابق ومحاولة من بقايا عسكر نظام القذافي السيطرة على مقاليد الحكم، أو كانت عقائدية كما يحلو لتنظيم الدولة أن يصورها.

في وسط ليبيا يستحوذ تنظيم الدولة بالكامل على المدينة بعد خروج كتيبة تابعة لرئاسة أركان غرب ليبيا أواخر مايو/أيار من العام الماضي، إلا أن تجربة القذافي الذي تحصن بالمدينة ومن ثم قتل بها أثناء محاولة فراره، أعطت مؤشرا لعناصر التنظيم -الذي يضم في صفوفه مقاتلين سابقين بكتائب القذافي- بأن الاستحواذ على سرت وحدها قد يعرضه للهزيمة المؤكدة.

يحاول تنظيم الدولة التحصن بالمرافئ والحقول النفطية والتمدد بالهلال النفطي بشرق ليبيا وجنوبها، معتقدا أنه بهذا التحصن لن تستطيع أي قوة محلية أو غربية ضرب مسلحيه

في محاولة لقراءة أفكار قادة تنظيم الدولة، فإن توقيع الاتفاق السياسي برعاية أممية والإعلان في وقت لاحق عن تشكيل حكومة وفاق وطني، قد يعني توحيد المجهود الحربي في شرق وغرب ليبيا ضد عناصر التنظيم -وهي تجربة مماثلة لحصار القذافي من شرق وغرب ليبيا- خاصة أن ملامح توحيد المجهود العسكري لاحت بعد اشتباك حرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى مع عناصر التنظيم، بعد محاولة الأخير الدخول إلى مينائي السدرة وراس لانوف بالهلال النفطي الليبي، وقيام طائرات حربية من قاعدة مصراتة الجوية بتوجيه ضربات مؤثرة لتحركات التنظيم ومواقعه. إضافة إلى إمكانية طلب حكومة الوفاق الوطني من دول تابعة لحلف الناتو توجيه ضربات جوية لعناصر التنظيم.

وفق هذه القراءة يحاول تنظيم الدولة التحصن بالمرافئ والحقول النفطية والتمدد بالهلال النفطي بشرق ليبيا وجنوبها، معتقدا أنه بهذا التحصن لن تستطيع أي قوة محلية أو غربية ضرب مسلحيه، حيث السلعة الإستراتيجية الليبية الوحيدة.

في نهاية هذه الجولة، ثمة تحديات كبيرة سياسية وأمنية واقتصادية تواجه حكومة الوفاق الوطني، في ظل تردي الأوضاع بليبيا على جميع الصعد، وانهيار أسعار النفط عالميا، وإغلاق حقول نفط ليبية؛ قد لا تكفي سنة أو سنتان لحلها، إلا أنه -وكما يقول المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد- لا بد للحكاية أن تبدأ من مكان وزمان ما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك