غازي التوبة

غازي التوبة

أكاديمي وكاتب فلسطيني

إذا رأينا أن "الجهاد" هو الجانب القتالي من الدين الذي يستخدم فيه المسلم بدنه وسلاحه، ويكون جندياً ضمن تشكيلات قتالية، فإننا نقر بأنه لم يكن غائباً عن الأمة في العصر الحديث.

 لقد شرع الله الجهاد في الدين الإسلامي، وعدّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- "ذروة سنام الإسلام"، وقد أبرزت كثير من الحركات الجهادية هذا الفرض، وأعطته حجماً أكبر من حجمه الذي أعطاه إياه الدين، ونحن سنرى كيف تضخم هذا الفرض عند الحركات الجهادية، وكيف تم استخدامه، ومدى صوابية هذا الاستخدام.

لقد تحدث عبدالسلام فرج المنظّر الأول للحركات الجهادية عن الجهاد، فعدّه "الفريضة الغائبة"، مع أن فرض الجهاد لم يكن غائباً عن الأمة في أية مرحلة من مراحل حياتها، حين كانت تستدعي هذه المرحلة الجهاد، فإذا رأينا أن "الجهاد" هو الجانب القتالي من الدين الذي يستخدم فيه المسلم بدنه وسلاحه، ويكون جندياً ضمن تشكيلات قتالية، فإننا نقر بأنه لم يكن غائباً عن الأمة في العصر الحديث.

إذا رأينا أن "الجهاد" هو الجانب القتالي من الدين الذي يستخدم فيه المسلم بدنه وسلاحه، ويكون جندياً ضمن تشكيلات قتالية، فإننا نقر بأنه لم يكن غائباً عن الأمة في العصر الحديث

فلو ألقينا نظرة على العالم العربي -وحده- بعد سقوط الخلافة الإسلامية لوجدناه يموج بالثورات، ففي فلسطين ثورات لم تهدأ منذ احتلال الإنجليز لها عام 1920، إلى ثورة عام 1936 التي فجّرها عز الدين القسّام مع الحاج أمين الحسيني، إلى دخول الجيوش العربية عام 1948، وفي العراق هناك ثورة العشرين، وفي سوريا هناك ثورات الغوطة وجبل العرب وجبل الأكراد، وفي ليبيا هناك ثورات عمر المختار، وفي الجزائر هناك ثورات عبد القادر الجزائري وثورة عام 1954 التي أنهت الاحتلال الفرنسي للجزائر، وفي المغرب هناك ثورة عبد الكريم الخطابي، إلخ.

ورأى عبد السلام فرج أن الجهاد هو "السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الإسلام من جديد"، وهذا الكلام مبالغ فيه أصلاً، وفيه تسطيح لمسألة عودة الإسلام إلى القيادة والتأثير، فما كان الجهاد إلا وسيلة من الوسائل التي نحتاج إليها من أجل إعادة صرح الإسلام مرة ثانية.

ومما يؤكد أن قضية الجهاد مضخمة عند عبد السلام فرج هو أنه أفرد نصف كتابه للحديث عن أحكام تتعلق بالجهاد، فردّ على من قال إن الجهاد هو للدفاع فقط، وإننا نعيش في مجتمع مكي لذلك فلا جهاد علينا، وبيّن أن القتال فرض عين على كل مسلم، ثم بيّن نماذج من بيعة بعض الصحابة للرسول -صلى الله عليه وسلم- على الموت، وذكر نماذج من تحريض الرسول -صلى الله عليه وسلم- صحابته على القتال في سبيل الله، ووضح عقوبة ترك الجهاد.

وأورد أنه إذا تمترس جيش العدو بمن عندهم من الأسرى، فإن المسلمين يقاتلون جيش العدو، وإن أفضى ذلك إلى قتل الأسرى، ثم نقل من السيرة بعض فنون القتال التي وردت في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي بعض سرايا الرسول كسرية كعب بن الأشرف في السنة الثالثة للهجرة، وسرية عبد الله إلى أبي سفيان في السنة الرابعة للهجرة، وقصة نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب.

ثم نرى عبد السلام فرج مال إلى الآراء التي تبرز الجهاد والقتل والسيف في كل الأمور التي تحدث فيها، فهو عدّ أن آية السيف، وهي قول الله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد"، نسخت 114 آية في 48 سورة، مع أن كثيراً من المفسرين والأصوليين لا يوافقون على هذا الرأي.

ورد عبد السلام فرج على القول الذي يرى أن الجهاد واجب في فلسطين، وعدّ هذا القول خاطئاً ومضيعة للوقت، وأن علينا أن نركز على قضيتنا وهي إقامة شرع الله، ثم تأتي قضية مقاتلة إسرائيل والاستعمار، وليس من شك في أنه أخطأ في ذلك، وجاء خطؤه من خطئه في تشخيص الوضع بعد مجيء اليهود والاستعمار.

فصحيح أن الدولة الإسلامية سقطت بعد سقوط الخلافة عام 1924، لكن الأمة ما زالت موجودة وقائمة، وحتى في ظل الحكام الذين لا يطبقون شريعة الله، وأن المحافظة على قوة الأمة وغناها وشوكتها ووحدتها وأرضها لهو أمر شرعي يتطلبه الدين، لأن هذه الأمة هي الرصيد الذي يستند إليه الدعاة في عملهم، ويبنون عليه حركاتهم، ويستمدون منه جمهورهم، عدا عن أن دفاع المسلم عن أرضه وعرضه وماله مما شرعه الدين، فهذا الخطأ في التشخيص هو الذي جعله يقع في الحكم الخاطئ.

لو أن هناك مراجعات لما كتبه عبد السلام فرج وغيره من المنظرين الجهاديين، لما تكررت الأخطاء والتعثرات كما هو واضح من مسيرة الحركة الجهادية الآن

لذلك، فإننا نعتقد أن الرأي الأصوب هو تحميل المسلم واجبين: الأول هو السعي إلى إعادة تطبيق شرع الله، والثاني مقاتلة المعتدين المحتلين لأرضه من مستعمرين وصهاينة، وعليه أن يقوم بهذين الواجبين في الوقت نفسه.

إن مشكلة الحركة الإسلامية هو ضعف المراجعات بشكل عام، وأشدها عند الحركات الجهادية، فلو أن هناك مراجعات لما كتبه عبد السلام فرج وغيره من المنظرين الجهاديين، لما تكررت الأخطاء والتعثرات كما هو واضح من مسيرة الحركة الجهادية الآن.

ومما يؤكد تكرار الأخطاء العودة إلى كتاب "إدارة التوحش"، وهو الكتاب الثاني الذي صحت نسبته إلى "القاعدة" بعد كتاب "الفريضة الغائبة" لعبد السلام فرج.

وعند دراستنا كتاب "الفريضة الغائبة" وجدنا أن الخطأ الأبرز هو تضخيم "حكم الجهاد"، وعند دراستنا كتاب "إدارة التوحش" سنجد أنه وقع في الخطأ نفسه، وهو تضخيم "حكم الجهاد"، وسنوضّح ذلك في السطور التالية.

لقد تم تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" بين حركتي "القاعدة" و"الجهاد" اللتين يرأسهما أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في 23/2/1998، ثم جاءت بعد ذلك العملية المزدوجة في تفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام في 7/8/1998، والتي كانت ثمرة لتشكيل "قاعدة الجهاد" وخطوة في تحقيق أهداف التنظيم الجديد.

وذكر كتاب "إدارة التوحش" أن القاعدة أقدمت على هذه العملية من أجل تحقيق عدة أهداف، هي:
إسقاط جزء من هيبة أميركا وبث الثقة في نفوس المسلمين أولا، وتعويض الخسائر البشرية التي منيت بها حركة التجديد في الثلاثين عاماً الماضية عن طريق مد بشري ثانيا.

وأمام هذه الأهداف نتساءل: لماذا ذهبت قيادة القاعدة إلى تحقيق هذه الأهداف من خلال عمليتي نيروبي ودار السلام عام 1998، وفيما بعد من خلال عمليتي نيويورك وواشنطن عام 2001؟

لماذا لم تتجه إلى تحقيق تلك الأهداف من خلال تدعيم دولة طالبان، وإنجاحها وتقديمها كنموذج فعال وحيوي في أعين المسلمين؟ خاصة أن قيادة القاعدة جاءت بإرادتها إلى أفغانستان مؤمنة بصوابية حركة طالبان، مبايعة لقائدها الملاّ محمد عمر، وقامت بكل أعمالها من الإعلان عن انبثاق "قاعدة الجهاد"، مروراً بتفجيري نيروبي ودار السلام وانتهاءً بتفجيرات نيويورك وواشنطن في ظلال وحماية دولة طالبان.

ولنناقش كل هدف من الأهداف التي رسمتها القاعدة لعملية نيروبي ودار السلام، وكيف كان يمكن أن يتحقق بشكل أفضل من خلال تدعيم دولة طالبان، والوقوف إلى جانب قيادتها. من المؤكد أن نجاح دولة طالبان كنموذج في أرض الواقع يجسد قيم الإسلام التي تتمثل في فرد ذي بناء نفسي متوازن فعّال وحيوي، ومجتمع مزدهر اقتصادياً وزراعياً وصناعياً، ويجسّد -أيضاً- هذا المجتمع قيم العدالة والمساواة، كما جسدها مجتمع الصحابة، ويحقق العلاقة السليمة بين القيادة وجمهور الشعب التي تقوم على الشورى وعلى محاسبة الحاكم، وعلى حرص الحاكم على مصالح الأمة، وعلى الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم كما جسدها الخلفاء الراشدون.

أليس تحقيق هذا النموذج على أرض الواقع هو الذي يسقط هيبة أميركا من قلوب المسلمين؟ ليست أميركا فحسب بل كل الحضارة الغربية، وهي الحضارة التي تفتن رهطاً كبيراً من المسلمين في الوقت الحاضر.

في كتابة "الفريضة الغائبة ضخّم عبد السلام فرج حكم الجهاد وظنّ أنه -وحده- هو الذي يعيد صرح الإسلام، وهذا فهم قاصر ورأي خاطئ، وهو ما وقعت فيه القاعدة في كتاب "إدارة التوحّش"

أليس إحياء هذا النموذج وتقديمه بشكل مشرق في مجال الفرد المسلم، والدولة المسلمة، والمجتمع المسلم الذي يتحلى بأروع صفات الحب والتلاحم والطهر والعفاف والغنى والاستقامة هو الذي يجعل الشباب المسلم يهرع إلى هذه الدولة بالمئات بل بالآلاف؟

لماذا لم تنتبه القاعدة إلى مثل هذه المعاني، وتتجه إلى تدعيم النموذج في طالبان بدلاً من أن تذهب إلى تفجيري نيروبي ودار السلام، أو تفجيرات نيويورك وواشنطن؟

أعتقد أن السبب في ذلك واضح وهو تضخيم حكم الجهاد عند القاعدة، واحتلاله مساحة أوسع من المساحة التي يجب أن يأخذها في العملية البنائية، وهو الذي جعلها تخطئ الطريق.

الخلاصة: عند استعراضنا كتاب "الفريضة الغائبة" لمنظّر الجهاديين الأول عبد السلام فرج وجدنا أن الكتاب ضخّم حكم الجهاد، وظنّ أن الجهاد -وحده- هو الذي يعيد صرح الإسلام، وهذا فهم قاصر ورأي خاطئ.

ثم رأينا الخطأ يتكرر مع "القاعدة" في كتاب "إدارة التوحّش"، فإن تضخّم حكم الجهاد عندهم هو الذي جعلهم يذهبون إلى تفجيري نيروبي ودار السلام من أجل تحقيق أهداف كان بالإمكان تحقيقها من خلال تدعيم دولة طالبان التي جاؤوا إليها مختارين مبايعين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك