محمد أرزقي فراد

محمد أرزقي فراد

أكاديمي جزائري

يعتبر قرار ترسيم اللغة الأمازيغية إنجازا ثقافيا تاريخيا عظيما يحمل دلالات إيجابية ستعود بالنفع والخير على الجزائر وشمال أفريقيا, أهمها عودة الأمازيغي الذي حاول الاستعمار الفرنسي تشويهه.

التكامل التاريخي بين الأمازيغية والعربية
الوحدة في إطار التنوع الثقافي ميزة الجزائر
رواد المدرسة الجزائرية للتاريخ والبعد الأمازيغي   
مثقفون دافعوا من أجل الأمازيغية
ترقية الأمازيغية في سياقها التاريخي
 
  تتميّز احتفالات رأس السنة الأمازيغية (12يناير/كانون الثاني) لهذه السنة (2016/2966) بطعم خاص، كيف لا ونحن نعيش إنجازا ثقافيا تاريخيا عظيما يتمثل في ترسيم اللغة الأمازيغية، لغة الأجداد التي تشكل مكوّنا أساسيا في هويتنا الجزائرية والمغاربية أسوة بالمكوّن الإسلاميّ العربيّ.

مرحبا بعودة الوعي الأمازيغي الذي حاول الاستعمار الفرنسي تشويهه، وحاول خصوم الديمقراطية قبره، لكن هيهات أن يضيع حق وراءه طالب.

لا شك أن اختيار سياسة ترسيم الأمازيغية لها دلالات إيجابية عديدة ستعود بالنفع والخير على الجزائر وشمال أفريقيا على المديين المتوسط والبعيد. فهي تعبر عن انتصار العقل على الانفعال، تعبر عن المصالحة مع الذات الثقافية، تضع ضمادة على جرح ثقافيّ ظل مفتوحا غائرا لعقود طويلة.

ومن شأن هذا القرار أن يجعل شريحة هامة من الجزائريين يعيشون اكتمال "مواطنتهم" التي ظلت مبتورة بحكم تغييب لغة أمومتهم من الحياة العامة، كما يمكن اعتبار قرار ترسيم الأمازيغية الشجاع بمثابة تتويج لنضال أجيال عديدة قبل وبعد الاستقلال.

تحية إجلال للمناضلين الذين لم تثنهم المعوّقات، وتحية تقدير للرئيس الشجاع الذي تناغى مع النضال، فتجرّأ على اتخاذ قرار سياسيّ حاسم وحكيم، سيسجّل في الذاكرة الجمعية على أنه بمثابة الجوهرة التي ترصّع ذكره في التاريخ.

قد أعجبتني صياغة الترسيم التي جاءت هادئة، مطمئنة للرأي العام على أن الترسيم لن يكون على حساب اللغة العربية صاحبة الريادة باعتبارها لغة القرآن، ولغة حضارة ذات رصيد علمي كبير، ولغة موّحدة ولغة الدولة.

كما أخذت هذه الصياغة بعين الاعتبار واقع اللغة الأمازيغية الضعيف، فربطت ترسيمها بتأسيس أكاديمية تُعنى بشأن ترقيتها، عن طريق استقطاب الخبراء والباحثين والمؤرخين والمثقفين، لأن وضعها الحالي لا يؤهلها للدخول إلى مجال العمل.

أنجبت الأمة الأمازيغية أقلاما وألسنة ساهمت في إثراء الحضارة العربية الإسلامية، خاصة في المدن والحواضر التي قامت فيها الممالك الأمازيغية, والقرى التي تأسست فيها الزوايا التعليمية في الجبال والهضاب والصحراء

التكامل التاريخي بين الأمازيغية والعربية 
إن الرصيد التاريخي الطويل للجزائر قد أكدّ تعايش اللغتين الأمازيغية والعربية في إطار الحضارة العربية الإسلامية ، طيلة عهود الدول الأمازيغية، التي اتخذ ملوكها العربية لغة علم ودولة، دون التفريط في الأمازيغية كوسيلة للتواصل في الحياة اليومية.

وبفضل هذه السياسة الحكيمة أنجبت الأمة الأمازيغية أقلاما وألسنة ساهمت في إثراء الحضارة العربية الإسلامية، خاصة في المدن التي قامت فيها الممالك الأمازيغية كتيارت وبجاية وتلمسان، وكذا الحواضر الأخرى كـ قسنطينة ووهران، والقرى التي تأسست فيها الزوايا التعليمية في الجبال والهضاب والصحراء.

وإذا أخذنا منطقة القبائل (الزواوة) كمثال، فإننا سنجد العشرات من العلماء تخرجوا من مدارس مدينة بجاية ثم رحلوا إلى الحواضر المشرقية للدراسة والتدريس، وتركوا هناك بصماتهم الثقافية بارزة، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: العلامة ابن المعطي الزواوي المتوفى سنة 1231م في مصر، صاحب المؤلفات الكثيرة، لعل أشهرها كتاب "الدرة الألفية في علم العربية" المعروفة باسم ألفية ابن المعطي الزواوي السابقة لألفية ابن مالك.

كما أن نسب الشاعر البوصيري المتوفى سنة 1295م، صاحب قصيدة البردة الشهيرة في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) ينتهي إلى أحد فروع قبيلة صنهاجة بمنطقة دلس الجزائرية.

وهناك العشرات من علماء الأمازيغ المشذاليين والمنقلاتيين الذين فرضوا أنفسهم في الحواضر العلمية المغربية والمشرقية على حد سواء، منهم ناصر الدين المشذالي الذي مكث في مصر أكثر من عشرين سنة، وهو الذي أدخل كتاب مختصر ابن الحاجب في الفقه المالكي إلى المغرب الأوسط(الجزائر) في القرن 14م.

وهناك أيضا أبو روح عيسى المنقلاتي الذي تولى القضاء في دمشق والقاهرة. وبرز في القرن الـ19م الميلادي العالم الشيخ الطاهر الجزائري الوغليسي (من بجاية) الذي ساهم في بعث النهضة العربية بالشام. أما في القرن العشرين فقد اشتهر العالم فضيل الورتيلاني المتوفى في تركيا سنة 1959م.

الوحدة في إطار التنوع الثقافي ميزة الجزائر
  أشار العديد من المؤرخين والكتاب العرب، قديما وحديثا، إلى التعايش القائم بين اللغتين العربية والأمازيغية عبر التاريخ، وفي هذا السياق ذكر الدكتور يحيى هويدي في الجزء الأول من كتابه الموسوم "تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية" أن المهدي بن تومرت (مؤسس دولة الموحدين بشمال أفريقيا في القرن 12م) قد كتب كتابيه "العقيدة" و"المرشد في التوحيد" باللغة الأمازيغية ثم ترجمهما إلى العربية، وذكر أيضا أنه ترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية.

أمّا العلامة الأندلسي عبد الله بن البيطار المتوفى بدمشق سنة 1248م، فقد ذكر في مؤلفه الخاص بالأعشاب الطبية "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" بعض النباتات بأسمائها الأمازيغية، مثل تيلفاس (الملوخية)، وتاكوت.

أمّا عالم الأعشاب الجزائري عبد الرزاق بن أحمدوش الذي عاش في مدينة جزائر بني مزغنة خلال القرن 18م، فقد أكد في كتابه "كشف الرموز في شرح العقاقير والأعشاب" رواج اللغة الأمازيغية في هذه المدينة، من خلال ذكره أسماء الأعشاب الطبية بالأمازيغية أيضا على النحو التالي "أشقاق وهي حبيقة الصدر، بالبربرية تلساس". هذه صورة من واقع تاريخنا، معبّرة بصدق عن الوئام الذي ساد بين اللغتين الأمازيغية والعربية في شمال أفريقيا في الماضي البعيد.

رواد المدرسة الجزائرية للتاريخ والبعد الأمازيغي 
 ومما يؤكد صواب قرار ترسيم اللغة الأمازيغية، هو احتضان الجيل الرائد في تأسيس المدرسة الجزائرية للتاريخ للبعد الأمازيغي في ماضينا العريق، فقد تحدث الشيخ المصلح أبو يعلى الزواوي عن المكوّن الأمازيغي في الهوية الجزائرية في كتابه الموسوم "تاريخ الزواوة" الذي ألفه في مطلع القرن20م أثناء إقامته بمدينة دمشق.

كما تحدث أيضا الشيخ مبارك الميلي (من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بإسهاب عن الحضارة الأمازيغية في كتابه الموسوم "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" الصادر سنة 1928م. وسار الأستاذ أحمد توفيق المدني على النهج نفسه في كتابه "كتاب الجزائر" الصادر سنة 1931م.

هذا ولم يقصّر الشيخ عبد الرحمن الجيلالي في البعد الأمازيغي في كتابه الموسوم "تاريخ الجزائر العام" الصادر في عقد الخمسينيات من القرن العشرين. وسار على أثره أيضا المؤرخ محمد علي دبوز في كتابه "تاريخ المغرب الكبير".

هناك العديد من المثقفين الشرفاء في المشرق العربي والمغرب الكبير، أنصفوا الأمازيغية بالحديث عن إبداعاتها بكل موضوعية ونزاهة علمية, مثل الدكتورة نور سلمان والدكتورة سعاد محمد خضر

مثقفون دافعوا من أجل الأمازيغية
من دواعي السرور أن هناك العديد من المثقفين الشرفاء في المشرق العربي والمغرب الكبير، أنصفوا اللغة الأمازيغية بالحديث عن إبداعاتها بكل موضوعية ونزاهة علمية.

ونذكر على سبيل المثال من المشرق، الدكتورة نور سلمان التي تحدثت منذ عقود في كتابها "الأدب الجزائري في رحاب الرفض والتحرير" بإعجاب عن الشعر الشعبي الجزائري بقولها "يستحق الشعر الشعبي بالعامية والبربرية دراسة مستقلة. وقد حاولنا في هذه الرسالة أن نجمع النماذج منه، وهي متفرقة في المراجع المختلفة، معتبرين ما قمنا به خطوة متواضعة بانتظار أبحاث شاملة تفي هذا الشعر حقه، فلا يبقى أدبا مغمورا يطويه الإهمال والنسيان. ص193-194".

كما تحدثت أيضا الدكتورة سعاد محمد خضر بنفس الاهتمام عن الأدب الأمازيغي الذي اعتبرته في كتابها الموسوم "الأدب الجزائري المعاصر" الصادر ببيروت سنة 1967م بقولها "صفحة رائعة من صفحات الأدب الجزائري الحديث. ص 64". وجاء في سياق حديثها عن الأشكال التعبيرية الفنية قولها "فالأشكال التعبيرية الفنية والأدوات التعبيرية تختلف بدورها وتتنوّع، فاللغة البربرية واللغة العربية وكذلك اللغة الفرنسية استخدمت أدوات تعبير فنية لهذه الفئات. ص 54".

أمّا الكتاب الجزائريون الذين احتضنوا اللغة الأمازيغية فهم كثر ومن كل التيارات الفكرية. وفي مقدمة هؤلاء مولود قاسم نايت بلقاسم (وزير سابق للشؤون الدينية) الذي تندرج مقاربته في إطار الرؤية الإسلامية المكرّسة  لتعدد الألسن، ومن مواقفه المفعمة بالشحنة الرمزية، وضع صورة الملك الأمازيغي "يوغرطة" الثائر في وجه الاستعمار الروماني، على غلاف أوّل عدد من مجلة الأصالة التي كانت تصدرها وزارته.

وهناك أيضا الروائي الطاهر وطار الذي تحدى بشجاعة كبيرة الذهنية الأحادية، حين أعلن أن الأمازيغية عريقة في الجزائر عراقة الإنسان القديم، وأنها ليست قضية جهوية، بل هي قضية مغاربية تعايشت مع اللغة العربية دون مشاكل تذكر.

وبرز أيضا الروائي واسيني لعرج بموقفه الجريء معلنا أنه لا داعي للخوف من الأمازيغية، لأن المجتمع الجزائري يتسع لها وللعربية كلغتين وطنيتين.

وعلى نهج هؤلاء سارت أيضا الأديبة الروائية زهور ونيسي معلنة أهمية المكوّن الأمازيغي في الشخصية الجزائرية. وكذلك فعل الروائي أمين الزاوي الذي أفصح عن إعجابه بروائع اللغة الأمازيغية.

وهنا لا بد أن أشير إلى شجاعة شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله الذي راجع موقفه من اللغة الأمازيغية بالإيجاب، فدعا سنة 1994م إلى تأسيس هيئة علمية عليا مغاربية تتكفل بالأمازيغية، بكيفية منسجمة مع الشخصية الجزائرية، حتى لا يترك جانب هام من ثقافتنا يعبث به الآخرون.

ترقية الأمازيغية في سياقها التاريخي     
 تؤكد الدراسات التاريخية الموضوعية أن الحضارة الأمازيغية هي حضارة مشرقية في الأساس، وأكد هذه الحقيقة العلمية الباحث الفرنسي الشهير غبرييل كامب في كتابه الموسوم "البربر ذاكرة وهوية".

فبعد الفتح الإسلامي استفادت الأمازيغية من رصيد اللغة العربية الحضاري، عن طريق ما يسمى "الاقتراض اللغوي". وأكّد هذه الحقيقة التاريخية الكاتب الفرنسي فانتير دي بارادي الذي ألف أوّل قاموس للغة الأمازيغية سنة 1788م.

أما الباحث الفرنسي هنري باصي المتوفى سنة 1926م، فقد أكد في كتابه الموسوم "البربري ولغته" أن الأمازيغ قد هاجروا حروفهم الأصلية (تيفيناغ) منذ وقت مبكر، لتبني الحروف العربية في كتابة لغتهم الأمازيغية.

أكدت التجربة التاريخية العميقة أن وحدة الجزائر ووحدة شمال أفريقيا، كانت دائما في إطار التنوع اللغوي، الذي أنجب السكينة والوئام والتآخي، لذلك فإن فكرة "وطن واحد لغة واحدة" لا تعدو أن تكون أيديولوجية وافدة

وفي نفس السياق أشار الكاتب الفرنسي أوجين دوماس في كتابه "الجزائر عادات وتقاليد" الصادر سنة 1853م، أن مكتبة زاوية شلاطة التعليمية(ولاية بجاية حاليا) كانت تحتوي على كتب دينية باللغة الأمازيغية المكتوبة بالحروف العربية. ومن جهة أخرى فإن الشعر الأمازيغي في منطقة القبائل(الزواوة) قد ارتبط شكلا بالحرف العربي ومضمونا بالعقيدة الإسلامية وتاريخ المسلمين والعرب، ولعل الشاعر سي مُحَند اُو مْحند المتوفى سنة 1906م، والشاعر الصوفي الحاج أسعيذ المتوفى سنة 1946م، والشاعر الزاهد محمد سعيد تزروت المتوفى سنة 1963م، خير من جسّد هذه الفكرة.

والحاصل أن المثاقفة القوية بين اللغتين العربية والأمازيغية عبر التاريخ، توجب كتابة الأمازيغية بالحروف العربية، ومن العوامل الأخرى المشجّعة على ذلك عامل نفسيّ قويّ يتمثل في استئناس الجزائريين بهذا الطرح الذي يشكل لحمة قوية بين اللغتين.

وفي الأخير.. أكدت التجربة التاريخية العميقة أن وحدة الجزائر ووحدة شمال أفريقيا، كانت دائما في إطار التنوع اللغوي، الذي أنجب السكينة والوئام والتآخي، لذلك فإن فكرة "وطن واحد لغة واحدة" لا تعدو أن تكون أيديولوجية وافدة لا يمكن استنباتها في تربة شمال أفريقيا، ولا يمكن أن تنتج -في حالة فرضها- إلا حنظلا.

ومن جهة أخرى، فإن هذا المنطلق التاريخي يفرض علينا أن نرقّي اللغة الأمازيغية في إطارها التاريخي المتمثل في وعاء الحضارة العربية الإسلامية.

فاللغة هوية قبل كلّ شيء تتشكل عبر قرون عديدة. أما مسألة الانحطاط والتطور فهي ليست مقرونة بحروف الكتابة، بل مرهونة بالعقول، فاللغة بأهلها تشبّ بشبابهم وتهرم بهرمهم حسب رأي الكاتب إبراهيم اليازجي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك