مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

لا يُمكن أن تعبُر دول الخليج المضيق الصعب الذي يتمثل في التوافق الغربي مع الرؤية الإيرانية للمنطقة دون إعادة تقييم للمشهد ومعرفة ما الذي حققته طهران من نجاحات، ومستقبل التوافق الغربي معها، في الملفات الداخلية لدول الخليج.

كان لافتا للغاية الحديث الصريح لزعيم الذراع الإيراني في لبنان حسن نصر الله، عن مستوى التوافق مع رؤية الغرب لمستقبل المنطقة، وإعلانه الصريح عن الموقف من فصل المنطقة الشرقية وأنه جرى عرض أميركي للشيعة الحركيين عنه وأنهم لم يقبلوا، وهم اليوم بحسب خطابه في مرحلة مواجهة جديدة مع الحكم السعودي، لا تراجع عنها، والقبول بقواعد اللعبة الجديدة مع الغرب، باعتبار المشتركات الشيعية مع الغرب تجاه الإرهاب السُّنّي.

ولنا عودة أكثر تفصيلا لملف التقسيم، لكننا اليوم سنتحدث عن التساؤل عن إمكانية مواجهة هذا التوافق الذي يزحف على الخليج العربي، إذا كانت هناك إرادة حقيقية للردع، لا مواسم تصعيد مرحلي.

انتهجت إيران برنامجا متوازيا في تحركها وخطابها الإعلامي، فاعتمدت دعم خطوط المواجهة في مواقع نفوذها مركزيا، في حين باشرت خطابا دينيا منفتحا على المسلمين والغرب

لا يمكن حصر ملفات الصراع مع المشروع الإيراني بالمنطقة في مقالة، فكل منها يحتاج إلى كتاب لا مقال، من حيث تقديم رؤية ثم توصيات إستراتيجية، لمواجهة هذا التمدد العدائي، وخاصة في تقاطعه الحيوي مع الغرب، وهنا أحد أهم الإشكالات الكبيرة في الواقع العربي، والخليجي على الخصوص.

وتتمركز هذه الإشكالية في غياب مراكز الدراسات المتخصصة، التي تنطلق من البعد القومي للدولة وهويتها العربية، ومصالحها السياسية الكبرى، خلافا للشخصيات والمراكز المرتزقة التي تطرح البعد المنافق الذي يضمن تدفق المال لا صحة الرأي.

وهنا لا يُمكن أن تعبُر المنطقة الخليجية هذا المضيق الصعب، دون إعادة تقييم ذكية للمشهد ومعرفة ما الذي حققته طهران من نجاحات، وما هو مستقبل التوافق الغربي معها، في الملفات الداخلية لدول الخليج، وفي الموقف من صناعة العمق الإقليمي الجديد للمنطقة، الذي ينسجم اليوم بين الغرب وبين موسكو وتحالفها القوي الجديد مع طهران.

لقد انتهجت إيران برنامجا متوازيا في تحركها وخطابها الإعلامي، فاعتمدت دعم خطوط المواجهة في مواقع نفوذها مركزيا، في حين باشرت خطابا دينيا منفتحا على المسلمين والغرب، وخاصة في الآونة الأخيرة، في ذات الوقت الذي يتدفق عمقها الطائفي، في كل بنية التربية الدينية الجديدة لمشروع تصدير الثورة، ومع وجود أدلة قوية للغاية لإدانتها.

لكن إيران تخلصت من ربط الخطاب الطائفي المليشياوي بها، وهذا لا يعني غباء الغرب وعدم إدراكه ذلك، لكن الصورة التي بُنيت للطرف المقابل وغياب الرؤية الإعلامية الإستراتيجية، سهلَا ربط خطاب التحريض الطائفي الواسع في منابر المجتمع بعمليات الإرهاب لداعش وهو ما وافق هوى الغرب، في حين غاب هذا الرابط مع مليشيات إيران المتعددة من اليمن إلى سوريا.

وبات الغرب ينظر إلى هذا التفويج العام -الذي ينتشر في الميدان الاجتماعي المواجه لإيران، والذي ظنه البعض رادعًا مذهبيًّا سُنّيًّا مقابلا- على أنه دليل لصعوبة تفاهم واشنطن مع هذا الضخ الذي يزداد يوميا، في حين تُقدّم طهران رغم كل جرائمها وجرائم الراعي الروسي الجديد، وجبات من خطاب إعلامي يبدو عقلانيا لاحتواء الانفجار الطائفي، وتُظهر أنها وريثة الحضارة الفارسية الأقرب إلى الغرب من همجية العرب.

وهنا يرصد الغرب معادلتين مهمتين، الأولى ما يراه من ثبات أكثر في منظومة التفكير الإيرانية ومصالحها معها، وهو ما خاطبت به طهران ورجلها نصر الله مباشرة الأميركيين والغرب، في إعلامها وفرص التعاون معهم في تشكيل جغرافيا سياسية جديدة للخليج، وبالتالي ضمان انتقال الخليج إلى وضع توافقي للمصالح المشتركة، حتى مع ميلاد خريطته الجديدة، فالتفاهم هنا يؤكده نصر الله لواشنطن مباشرة، فضلا عن خطاب طهران المكثف مع ممثلي البيت الأبيض.

المشروع العربي المقابل لإيران الذي يقوده محور خليجي محدود، لا يملك قواعد كافية للتغيير وصناعة بطاقة توازن يضطر معها الغرب للتعامل البراغماتي

أما المعادلة الثانية فهي أن المشروع العربي المقابل لإيران الذي يقوده محور خليجي محدود، لا يملك قواعد كافية للتغيير وصناعة بطاقة توازن، يضطر معها الغرب للتعامل البراغماتي، فمعركة اليمن لم تحسم لإبعاد هادي القوى الشمالية وخاصة القيادات العشائرية والسياسية المركزية.

ودعم ثوار سوريا كان محدودا، ثم تحول إلى التفكير في مستقبل مفاوضات، قطعت موسكو الطريق عليها، ولم يُنفّذ مشروع التغيير الممكن في سوريا عبر الأبعاد الثلاثة، المنطقة الآمنة، والتسليح النوعي، ووحدة الثوار كقيادة ميدانية لا وفد تفاوض، بل نُقض متطلبه الأصلي بقرار روسي.

وهذا يعزّز قوة الطرف الآخر لدى الغرب، فضلا عن أن الغرب ليس راغبا أصلا في استقلال سوريا بنظام ديمقراطي نسبي، لأن هذا قد يُغير قواعد اللعبة خارج مصالحه ومصالح إسرائيل، ولم يتمكن المحور الخليجي من إحراز تقدم بيد الثوار بسبب قلة الدعم، وضعف التنسيق مع تركيا، وهو التقدم الذي ستضطر واشنطن للقبول بقواعد لعبة مختلفة فيه.

هنا بدا للغرب أن أي موقف يحرك الملف الطائفي وإن كان ينظر إليه بنظر أعور، هو تهديد لأمن مصالحه في المنطقة وسلامتها الاجتماعية، والحقيقة أن الملف الطائفي خطير جدا على المنطقة، لكن إيران تتلاعب به بصورة ذكية، مقابل أخطاء إستراتيجية في الإعلام العربي.

إن قواعد الاشتباك الذكي مع تصعيد إيران يمر عبر الآتي:
1- الضرورة القصوى لتدشين مشروع إصلاح مركزي حقوقي وتشريعي، كتحول وطني فعلي لدول الخليج، بإطلاق المعتقلين السياسيين وموقوفي الرأي في جميع هذه الدول.

2- تدشين خطاب ينبذ كليا أي لغة طائفية ويُعيد جدولة الحياة الاجتماعية والخطاب الإعلامي، ضمن المسار الإسلامي الإنساني الحقيقي، وليس أي منبر غلو، ويضبط بمنظومة قضائية بناء على القواعد الإسلامية العدلية لا توجهات دينية حادة، فقوة الداخل المتحد بعقد شراكة اجتماعي هي أول وأهم أسوار الأمن القومي.

3- تعزيز العلاقات الاجتماعية والشراكة الوطنية، بمشاريع وملتقيات حوار تواجه خطاب التدويل المتصاعد، وأقلمة الواقع الجغرافي، الذي يتقاطع فيه الغرب وإيران عند منطقة محددة، تسعى موسكو بتفويض إيراني وغربي، لوضعها تحت وصاية دولية، وتركيز الصراع مع إيران بعيدا عن القالب المذهبي.

الصراع مع نفوذ إيران ومشروعها المتصاعد يحتاج إلى جدية وحسم ومباشرة لدعم حقوق الشعوب ومنظمات المقاومة أمام مشروعها، بلغة وطنية وعربية لا مذهبية

4- ومنذ 1998 ونحن نكرر أن الصراع مع نفوذ إيران ومشروعها المتصاعد، يحتاج إلى جدية وحسم ومباشرة لدعم حقوق الشعوب ومنظمات المقاومة أمام مشروعها، بلغة وطنية وعربية لا مذهبية، وأول ذلك الملف السوري كما أشرنا إليه، وإغلاق الملف اليمني بنصر سياسي، وبدء مسيرة مصالحة وطنية بعد تحقيق اختراق عسكري ضروري نوعي للجبهة وخاصة في تعز.

5-  قضية الموصل، تعتبر ذراعا يُلوى به التمدد الإيراني حين ينسق مع الأتراك ومع العشائر، لتأمين إخراج داعش منها، وهذا ممكن بعيدا عن سلطات العبادي والقوات الإيرانية، ولا يسمح لهم بدخولها، وهو ما يضمن سلامة أهلها، وسحب فتيل انفجار طائفي، وهو كذلك مدخل لمشروع وطني عراقي ينسق فيه مع البرزاني وتياره، وسيتعامل معه الغرب براغماتيا، حين يشعر بقوته.

ولا يوجد تدشين لمشاريع إستراتيجية دون صعوبات أو تحديات، فهذه الضريبة لا بد منها، لتحقيق التوازن الأخير قبل وصول الخصم لحدودك، وهي فلسفة لا تعتمد الحرب الطائفية الكلامية، بل تنبذها لأنها مشروع حريق تَسقُط فيه المنطقة كلها، ولكن تُنفذ شبكة من المواجهات النوعية وتعزيز الحلفاء، قبل أن يتسرب ما تبقى منهم إلى الحياد أو الطرف الآخر، وقبل أن يصل المشهد الأخير إلى مسرحك ويُسقط وطنك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك