زرواق نصير

زرواق نصير

كاتب جزائري

يأتي بيان الرئاسة الجزائرية الأخير عن اجتماع مصغر عقده بوتفليقة لدراسة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور، والذي تتكئ عليه الرئاسة مدخلا لإحداث التغيير، كخطوة من الرئيس ومحيطه لملء الفراغ في الساحة السياسية، بعد الشرخ العمودي الذي أصاب منظومة الحكم إثر استرجاع الرئيس كامل سلطاته من رئيس جهاز المخابرات السابق الجنرال توفيق، وتأكيد موافقة المؤسسة العسكرية على رؤية الرئيس للتغيير.

كما يأتي الاجتماع الذي حضره نائب وزير الدفاع قائد هيئة الأركان في إشارة إلى شراكة المؤسسة العسكرية، لإثبات قوة مؤسسة الرئاسة وتحكمها في إدارة الدولة، وضبط الفوضى التي طبعت المشهد السياسي، وما صحبها من هبوط في مستوى الجدل الإعلامي بين الموالين للرئيس وخصومه، بعد إقالة "الجنرال" توفيق مدير المخابرات (سبتمبر/أيلول الماضي)، وما أعقبها من محاكمات لرتب عسكرية كبيرة مقربة منه تولت مناصب حساسة، وتمرد سياسيين ووزراء سابقين بارزين من أبناء النظام على مؤسسة الرئاسة (ما عرف بمجموعة 19)، وتشكيكها في قدرات الرئيس الذهنية وطلبها مقابلته لإطلاعه على قرارات ترى أنها صدرت باسمه وصفته ولا يعلم عنها شيئا.

ولا ننسى معركة إجازة قانون المالية (موازنة 2016) في البرلمان بين الموالين للحكومة والمعارضة، وانتهاء بأول رسالة كتبها "الجنرال" نفسه ونشرها في الصحف بعد صيام متواصل عن الكلام العلني لمدة ربع قرن كامل، وحملت شكوى من "ظلم" العدالة، تعليقا على حكم للقضاء العسكري بالسجن على واحد من أشد المقربين منه (كما تتضمن رفضه التسليم بالأمر الواقع).

هذه الأحداث تؤكد أن إقالة "الجنرال" وإنهاء الرئيس حالة رأسين داخل الدولة الواحدة (الرئاسة والمخابرات) للإمساك بزمام المبادرة وإدارة عملية التغيير، لن تمر دون "تداعيات"، وستكون صعبة بالنظر إلى عمق "المتاهة" التي تتخبط فيها الجزائر.

الأحداث تؤكد أن إقالة الجنرال توفيق وإنهاء الرئيس حالة رأسين داخل الدولة الواحدة (الرئاسة والمخابرات) للإمساك بزمام المبادرة وإدارة عملية التغيير، لن تمر دون تداعيات، وستكون صعبة بالنظر إلى عمق المتاهة التي تتخبط فيها الجزائر

كما أن مؤسسة الرئاسة الجزائرية لا تستطيع بسهولة بناء واقع جديد بالتحكم التام في الوضع الذي صنعه "الجنرال" على امتداد ربع قرن كامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتفكيك روابطه وامتداداته، ذلك أن الآليات والقواعد التي صنع بها معادلة هذا الواقع الذي انتهت إليه الجزائر اليوم عبر مؤسسة المخابرات، كان هو محورها، بحيث تختل ولا يمكن أن تستمر بنفس السلاسة إذا غاب هو عن المشهد. فقد تسلًّمت المخابرات بقيادة "الجنرال" الجزائر كلها -بلا قيود ولا حدود- من مجموعة الجنرالات التي كانت تمثل النواة الصلبة لمؤسسة الجيش التي تحكم البلاد.

وتزامنت بدايات الجنرال الوظيفية على رأس جهاز المخابرات مع بداية تحولات كبيرة داخليا، وفي ظروف بالغة الحساسية والصعوبة، بعد قرار وزارة الدفاع وهيئة أركانها شطب المسار الانتخابي (1992) الذي جاء بالإسلاميين أغلبية، في ظل أول دستور يقر التعددية الحزبية (1989)، وإقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، وإعلان حالة الطوارئ، ونزول الجيش بدباباته إلى الشوارع في كل المدن لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة.

لقد تسلم "الجنرال" إدارة دولةٍ القانون الوحيد فيها هو قانون جهاز المخابرات، بعد تعطيل أهم مؤسستين دستوريتين في الدولة (الرئاسة والبرلمان)، وبالتالي فقد وُضعت الجزائر كلها حاضرا ومستقبلا بين يديه، لينتهي إليه القرار الأخير وكلمة الفصل، ويحدد هو آليات وقواعد إدارة الوضع وفق رؤيته.

واستطاع مع الوقت أن يؤسس "المشهد الوطني" ويصوغه، بعد وضع الدولة برمتها تحت عين ويد إدارة جهازه، فكان يقرر مَن الرئيس ومن الوزير ومن يتولى الوظائف العامة ويصنع الإعلاميين والصحف والأحزاب ورجال المال والأعمال، إلى جانب جيش من الإداريين الموالين في كل مفاصل الإدارة ومؤسسات الدولة.

لقد أنتجت هذه الإدارة الأحادية شبكة واسعة جدا من العلاقات وعلى كافة المستويات، يمتزج فيها المال والنفوذ بالنسب والقرابة والجهة، لتتعامل فيما بينها على أساس أنها "عصبة" تجمعها المصالح المشتركة. كما أن الرئيس قبل بقواعد اللعبة لأنها كانت تكفل له استمراره في الحكم ببقائه رئيسا، وهو ما أوصل الجزائر إلى وضع هش لا يمكن أن يستجيب لعملية التغيير بالترقيع، ومن أهم مظاهره:

سياسيا: تآكل الدولة بتحويلها من دولة مؤسسات إلى دولة عصابات، وغياب كلي لمشروع بناء الدولة.

اقتصاديا: فساد مالي وإداري مهول ضاعت معه فرص التنمية باعتماد نظام ريعي انتهى بالدولة إلى ما يشبه الانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي، بعد فشل النظام في تنويع مصادر الدخل الوطني، والاعتماد الكلي على قطاع النفط، حيث كان ارتفاع سعر النفط قبل هبوطه يغطي على مشكلات الاقتصاد المزمنة، وخيارات حكومات السلطة وسياساتها الخاطئة.

اجتماعيا: عزوف المواطن عن المشاركة في العملية السياسية بمقاطعة الغالبية للانتخابات، والقطيعة بين الشعب والسلطة، نتيجة مصادرة الإرادة الشعبية سياسيا، وإقصاء كل معارضة مستقلة من الساحة السياسية مع غياب الثقة في المؤسسات.

يضاف إلى هذا الواقع ثلاث عقبات أمام الرئيس تقف في وجه مشروعه للتغيي والذي لا تُعرف تفاصيله:

الأولى- تخلّف الشروط الموضوعية للنجاح من غياب الإجماع أو التوافق السياسي حول طبيعة التغيير وجدوله (آلياته وخطواته ومراحله).

من العقبات التي تعيق مشروع الرئيس للتغيير، الأزمة الاقتصادية الحادة واعتماد موازنة ستأتي على الحد الأدنى من معيشة أغلب الجزائريين، وتسحق الطبقة الوسطى، مع احتمال ظهور احتجاجات خبز قابلة للتحول إلى ثورة اجتماعية يمكن كبحها أمنيا إلى حين، ولكن سيكون لها ما بعدها

الثانية- مقاومة "الدولة الموازية" التي دفعت بوجوه معروفة (مجموعة 19) لتكون واجهة الصراع لتحمي مصالحها وتعلن عن نفسها في وجه "التغيير" المنتظر في قسمة السلطة والمال والنفوذ، خوفا من فقد مركزها الحالي، بعد ذهاب الجنرال وأركان سلطته، خاصة مع تصاعد حدة نبرة الخطاب بين الفريقين إعلاميا، واحتمالات استعمال وسائل أكثر قسوة مع ارتفاع الصراع إلى مستويات أعلى حساسية، وهو ما يعني ضراوة "حرب العصابات" بين أبناء النظام الواحد، خصوصا أن "منظومة الجنرال" حاضرة في زوايا الدولة، وهي منظومة قوية لها روابط وامتدادات وعلاقات، ولن تتساهل في ترك عملية التغيير تمر بسهولة وتنجح، بعد أن تحولت الجزائر من دولة مؤسسات نظريا إلى دولة عصابات ومصالح وجماعات عمليا.

الثالثة- الأزمة الاقتصادية الحادة واعتماد موازنة ستأتي على الحد الأدنى من معيشة أغلب الجزائريين، وتسحق الطبقة الوسطى مع احتمال ظهور "احتجاجات خبز" قابلة للتحول إلى ثورة اجتماعية يمكن كبحها أمنيا إلى حين، ولكن سيكون لها ما بعدها.

هذه العوامل -إلى جانب مفاجآت واردة قد تقلب المشهد برمته- تقلص من فرص الرئيس في نجاح مشروعه للتغيير من خلال الدستور، خصوصا أن الجزائر أقرب ما تكون إلى ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1986، التي أدت إلى سقوط أسعار النفط وأنتجت انتفاضة 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988 التي "فرضت" أحداثها تغييرا مفصليا وعميقا في المشهد السياسي، وهو تغيير انتكس سريعا، وترتب على انتكاسته تضييع الجزائر ربع قرن كامل من التنمية والنهضة والقوة والحضور الإقليمي.

لا جدال أن التاريخ يكتبه المؤرخون، وأن الشعوب هي من تحكم على تاريخ مَن حكَمها، ولا شك أن الجزائر كلها التي عاشت فصولا حقيقية من رواية "ماركيز" الخيالية "خريف البطريرك"، قد بدأت معركة الخروج من خريف جنرالها. فهل ستحظى أخيرا بنظام سياسي "محترم" كما حظيت به دول أميركا الجنوبية، بعد أن طوت آخر ورقة من صفحات كتاب خريف آخر بطريرك فيها؟.. حتما إنها النهاية، فكيف ستكون البداية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك