محمد الجوادي

محمد الجوادي

كاتب ومؤرخ وأستاذ طب مصري

درج بعض المثقفين والمفكرين على اعتبار الثنائيات أساسا للتفاعل والتعامل والصراع الاجتماعي والاقتصادي، بل ذهب بعضهم إلى اعتبارها مبدأ وسرّا من أسرار الحياة واستمرارها، وهي الحياة التي تقوم على التزاوج بين ذكر وأنثى، أو التقابل بين عدل وظلم، وشر وخير، ويمين ويسار، ومكسب وخسارة، أو التعاقب بين نهار وليل، وصيف وشتاء.

وهكذا كان من اليسير أن تحظى بالقبول بل بالذيوع فكرة الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بل كان من الطبيعي أن تظل مسيطرة تماما على القواعد الحاكمة لطرق التفكير السياسي حتى يومنا هذا بعد أكثر من ربع قرن على انهيار منظومة أحد القطبين، أي الاتحاد السوفياتي، ومن ثم انهيار ما يعتبر بمثابة البنية الهيكلية المعبرة عن فكرة الثنائية.

وقد كان من الملاحظ لأرباب العلوم التطبيقية وعشاقها أن السياسة من حيث هي ممارسة لعلم تبدو وكأنها قد حكم عليها عن عمد بالتخلف عن الزمن، أو الحبس الاحتياطي في كهوف النظريات القديمة، وربما كان هذا استنتاجا سريعا لكنه واضح ومحسوس.

وتتأكد هذه الاستنتاجات المحسوسة مرة بعد أخرى، وعيانا بيانا بالنظر إلى أن التفكير السياسي في الآليات لا يستطيع فرض نفسه بالسرعة التي تتحور بها تقنيات الجراحة، أو تقنيات البناء والتشكيل الهندسي، أو تكنولوجيا الزراعة؛ فعلى حين مارس جراح القلب أربعة تقنيات مختلفة في عمره المهني الذي استغرق أربعين عاما، فإن شقيقه التوأم أستاذ علم السياسة لا يزال يعيش على اقتناعاته المبكرة في التفسير والتأطير والتحليل، ولا يبدو في الأفق أنه مستعد لتغيير هذه الأصول العقدية أو تطويرها.

على هذا النحو من النظر المقارن بالعلوم الأخرى يمكن لنا بطريقتنا الاستكشافية أن نلخص مجمل التطور الذي أصاب تاريخ الثنائية، منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، منتبهين إلى دورين جوهريين تعاقبا بسرعة في بداية عصر التحولات التاريخية الذي لا نزال نعيشه:

• الأول، أو الأهم هو ما فعله المستشار الألماني فيلي برانت من خلال ما سمي بالسياسة الشرقية، ضاربا أول فأس مؤثر في الجدار الحديدي بين الشرق والغرب الأوربيين.

• والثاني، الذي لا يقل أهمية هو الدور الذي لعبه نيكسون وكسينجر بالاعتراف العملي والفعلي بالصين الشعبية، وما استتبعه من ترتيبات دولية.

منذ أكتوبر ١٩٧٣ فهمت مراكز البحوث الأميركية ما لم تصرح به بوضوح إلا في ٢٠١٣ وما بعدها، من أن الآخر هو الإسلام، وأن الإسلام هو الآخر، ومن المدهش أن العقل الباطن لهذه المراكز استلهم من أطروحات المفكر الفرنسي سارتر جوهر فكرته القائلة بأن الجحيم هو الآخرون 

كان هذان الدوران من وجهة نظر فسيولوجيا التاريخ بمثابة مقدمتين للحدث الأكبر الذي تلاهما ولم يلق حتى الآن ما يستحقه من الموضعة في تاريخ الانسانية، وهو حرب أكتوبر ١٩٧٣ التي أظهرت حقيقة لم تكن طبيعية في ذلك الوقت، وإن بدت الآن على أنها طبيعية جدا، وذلك حين استطاعت قوة إقليمية جديدة أن تنقل بؤرة الاهتمام الدولي إلى حيث تمارس هي دورها الذي لم تكن مستعدة له في ذلك اليوم. ومن الطريف أن هذه القوة بعد ٤٢ عاما لا تزال غير مستعدة للدور الطبيعي على الرغم من أن أعداءها أو الآخرين يعاملونها على أنها مستعدة له تمام الاستعداد.

من ذلك الحين أي منذ أكتوبر ١٩٧٣ فهمت مراكز البحوث الأميركية ما لم تصرح به بوضوح إلا في ٢٠١٣ وما بعدها، من أن الآخر هو الإسلام، وأن الإسلام هو الآخر، ومن المدهش أن العقل الباطن لهذه المراكز استلهم من أطروحات المفكر الفرنسي سارتر جوهر فكرته القائلة بأن الجحيم هو الآخرون.

توالت الأحداث العالمية لتثبت للأميركيين الممارسين للسياسة والباحثين في السياسة والاجتماع مدى جاذبية الفكرة القائلة بأن الإسلام هو الأولى بوراثة مقعد العدو التقليدي، الذي كان مخصصا للشيوعية أو محجوزا للاتحاد السوفياتي، حتى لو لم يحضر للجلوس فيه أو احتلاله.

وقد سارت الأحداث الدولية والإقليمية في مسارات متعددة بدا معها وكأن الميتافيزيقيا (بمعانيها المتعددة وربما المتناقضة) تلعب في صالح التوكيد على هذه الفكرة القائلة بالثنائية القطبية القابلة للاستعادة أو الإعادة، على أن يكون الإسلام هو أحد طرفيها، ثم يتعين أو يتشكل (ولا نقول يتحدد) الطرف الأول، الذي هو حلفاء الولايات المتحدة بأن تضم أميركا تحت جناحيها مجموعة أخرى من الدول، قد تكون بعض الدول الإسلامية التقليدية من ضمنها، من باب التضليل ثانيا، ومن باب التلبيس على البسطاء أولا، وهذا هو المهم، سواء ضمت هذه الدول بالاقتناع أو بالترهيب أو من باب المعاندة للأشقاء.

وفي هذا المقام أذكر قصة موجزها أنني استطردت في حديث تليفزيوني موسع، ما جعل كثيرا من الجماهير تضرب كفا بكف حين سمعوا ما لم يكونوا قد سمعوه من قبل، حيث ذكرت حقيقة تاريخية تتعلق بالحروب الصليبية، والطبيعة المتغيرة في معسكريها المتحاربين على مدى عقود متتالية، وهو ما تمثل في وجود مسيحيين يحاربون تحت قيادة معسكر المسلمين، ووجود مسلمين انضموا للصليبيين.

ومن الجدير بالذكر أن الأيام المعاصرة مضت سراعا حتى أصبحنا نرى اليوم أن أعدى أعداء الإسلام هم مسلمون يحملون من أوراق الهوية ما يؤكد على انتمائهم العرقي والشخصي للإسلام.
على أن هذا الواقع الذى نراه رأي العين في الأحداث المعاصرة لا يتعارض، ولم يتعارض، مع سلسلة المواجهات التي فرضتها قوى غير إسلامية على مجتمعات المسلمين في أفغانستان وبورما والصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان وكمبوديا والجزائر، وصولا إلى العراق وسوريا واليمن وليبيا.

في كل هذه المراحل حورب الإسلام حروبا إجهاضية، ولا نقول استباقية فحسب، وفي كل هذه الحروب صور الصراع المعتدي والمفتري على غير حقيقته، حتى جاءت أحداث ومعقبات الانقلاب العسكري في مصر ليصرح منفذوه مضطرين (بحكم انعدام خبرتهم التعبيرية وضعف أفقهم السياسي) بأن الانقلاب الذي ينفذونه (تحت اسم آخر)، يستند في المقام الأول إلى القوة المغذاة من أعداء للإسلام، ومن ثم بدؤوا يبحثون عن كل المقولات اللقيطة في حرب المعتقدات الإسلامية، حتى وصلوا إلى محاولة نفي المسجد الأقصى.

وقد بات من المتيقن الآن أنه لم يكن في وسع الانقلاب أن ينكر مثل هذه الحقيقة، أو أن يؤجل إعلانها، فقد كان سفور الحقيقة مطلوبا بشدة من أجل إرهاب الشرعيين وتخويفهم أولا، وثانيا، كما كان ذلك الاجتراء والسفور مطلوبا بشدة من أجل إضفاء المعنويات المطلوبة، حتى وإن كانت زائفة على سلوكيات جنود الباطل في مواجهة جماهير غفيرة انتفضت في العالم كله للدفاع عن آلية الديمقراطية، ومبدأ الشرعية وقد تضفرت الشرعية والديمقراطية على نحو قوي بما مثلته انتخابات نزيهة جاءت بمرشح طبيعي إلى موقع يفترض أنه باختيار الشعب لا الدبابة، وأن شعب مصر لا مندوب البنتاغون هو الذي يحدد من يشغله.

قادت معقبات الانقلاب المصري إلى ثورة وطفرة غير متوقعتين في الوعي السياسي لجماهير المسلمين، وهي طفرة لا أبالغ إذا قلت إنها توازي حجم التطور الطبيعي في الفكر السياسي الجمعي الذي يتطلب ما لا يقل عن قرنين من الزمان

قادت معقبات الانقلاب المصري إلى ثورة وطفرة غير متوقعتين في الوعي السياسي لجماهير المسلمين، وهي طفرة لا أبالغ إذا قلت إنها توازي حجم التطور الطبيعي في الفكر السياسي الجمعي الذي يتطلب ما لا يقل عن قرنين من الزمان.

ثم وصل العالم الآن إلى مرحلة من مراحل العجز عن إقناع الممثل المرشح لدور إحدى البطولتين بقبول الدور المرسوم، وباستثناء كاتب هذه السطور فإنه لا يكاد أحد في العالم الإسلامي كله يقتنع بأن أميركا ترنو للإسلام على هذا النحو، الذي دفعها إلى كل ما نراه وما رأيناه، من سياسات تبدو حائرة بينما هي مستكشفة ومناورة. 


وفي الوقت ذاته فإن المؤمنين بضرورة وجود بطلين في المسرحية آثروا اللجوء إلى بديل عملي يحقق لهم تنفيذ منهجهم في العمل، وبعد دراسة معملية منضبطة فضل هؤلاء العودة إلى الماضي واستدعاء الممثل القديم الذي قام بدور البطل الثاني حتى ١٩٨٩، ليقوم بهذا الدور في ٢٠١٥/٢٠١٦، حتى وإن كان قد فقد بالفعل جزءا كبيرا من لياقاته البدنية والتمثيلية، ولم يخطر في بال الممثل المحترف العجوز أن يرفض دورا ظل يؤديه أربعين عاما، كان آخر يوم فيها منذ ربع قرن.

لكن الجمهور يرى المسرحية الآن باردة الملمس فاقدة للحماس على الرغم من كل الإبهار التقني والمسرحي، أما المثل الذي كان جديرا بالدور فلا يزال مترددا في جدوى فكرة التمثيل من الأساس، ولهذا يصفه المتعاطفون مع تاريخه بأنه كالأيتام على مائدة اللئام، بينما يناشده أبناؤه المتحمسون أن يفوضهم الأمر، ليقوم أحدهم بالدور عن قريب، وذلك بعد أن يلفظ الممثل القديم المستدعى من مخزن التاريخ أنفاسه، وحينئذ يقول المراقبون إن قوة إسلامية جديدة قد أزاحت الاتحاد الروسي عن المكانة المستحقة للمسلمين في النظام العالمي المستقبلي، ذلك أن ما تجري وقائعه الآن ليست حربا حول سوريا فحسب، وإنما هي إزاحة تركية لروسيا عن أوروبا من ناحية، وعن العرب من ناحية أخرى، حتى وإن تآمر الأميركان بما لا يفهمه إلا الدهر.. والدهر صبور.

المصدر : الجزيرة

التعليقات