ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

منذ زمن أضحت حركة "فتح" التي أسّست للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأطلقت الكفاح المسلح (1/1/1965)، وقادت مسيرة النضال الفلسطيني -بما لها وما عليها- طوال نصف قرن.. تواجه أزمة كبيرة في البنية والسياسة والقيادة.

تتمثل أزمة حركة فتح في إخفاق الخيارات التي انتهجتها طوال مسيرتها، ومن ضمنها أفول خيار المقاومة المسلحة، وإخفاق حل الدولتين، وانسداد أفق التسوية والمفاوضات، والتحوّل إلى مجرد سلطة، مع ترهل بناها التنظيمية، وتهميش منظمة التحرير، وانحسار موقعها في القيادة، مع تراجع مكانة الكيانات السياسية (المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات الشعبية) التي طبعتها بطابعها أو تأثرت بها.

لا نتوخّى من هذا الإيجاز لتجربة "فتح" وتحولاتها، تحميل مسؤولية كل ما حصل على عاتق هذه الحركة، فالحركات السياسية -كما هو معلوم- قد تنجح وقد لا تنجح، وربما تنجح جزئياً، وهي فوق كل ذلك تشيخ وتترهّل وتستنزف، كما أنها تستهلك وتتعب وتتقادم، بأفكارها وصيغها التنظيمية وأشكال عملها. وما يصحّ على غير "فتح"، يصحّ عليها أيضاً.

وفي ذات الإطار فإننا لا نقصد أن "فتح" انتهت، فهذه الحركة بوضعها الراهن ستستمر، لأسباب ذاتية وموضوعية، رغم ابتعادها عن طبيعتها كحركة تحرر وطني، وكحركة شعبية تعددية، إنْ بحكم قوة الاستمرارية في طبقتها السياسية، أو بحكم الدوافع الخارجية الدولية والعربية التي ما زالت ترى أن ثمة حاجة إليها.

لا نتوخّى من هذا الإيجاز لتجربة حركة فتح وتحولاتها، تحميل مسؤولية كل ما حصل على عاتق هذه الحركة، فالحركات السياسية قد تنجح وقد لا تنجح، وربما تنجح جزئياً، وهي فوق كل ذلك تشيخ وتترهّل وتستنزف

كذلك ليس الغرض القول بأنه لم يعد ثمة حاجة إلى "فتح"، إذ على العكس من ذلك فإن أوضاع الساحة الفلسطينية تؤكد أنها بحاجة ماسة إلى حركة وطنية تعدّدية، تعيد الاعتبار إلى المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، سواء أكان اسمها "فتح" أو غير ذلك، وبديهي فإن هذا الأمر برسم التاريخ، أو برسم التفاعلات السياسية والمجتمعية.

خلاصة الفكرة هنا أن هذه الحركة تقف اليوم إزاء مسارين، يبدو أنه لا ثالث لهما، فإما النهوض أو الأفول، علما بأن الذهاب إلى أي من هذين المسارين يتوقف على ما تفعله أو ما لا تفعله قيادة هذه الحركة، التي احتفت مطلع العام الجاري (2016) بمرور 51 عاما على انطلاقتها.

ولعله كان من الأجدى تحويل هذه المناسبة من كونها مجرد مناسبة احتفالية إلى مناسبة لإطلاق ورشات نقاشية بين قيادات هذه الحركة وكوادرها وجمهورها، وإجراء مراجعة نقدية للتجارب السابقة، من الأردن إلى لبنان ثم الضفة وغزة، وللخيارات من الكفاح المسلح والانتفاضة إلى التسوية والتفاوض، وللكيانات السياسية من المنظمة إلى السلطة، مرورا بالفصائل.

نعم كان حريّ بقيادة "فتح" طرح الأسئلة المناسبة بخصوص أين كنا؟ وأين أصبحنا؟ ولماذا لم تنجح هذه الحركة في المهام التي أخذتها على عاتقها -طوال نصف قرن- ولم تستطع حتى الحفاظ على الإنجازات التي حققتها في مرحلة ما، رغم أن الفلسطينيين لم يقصّروا في بذل التضحيات واجتراح البطولات في ظروف صعبة ومعقدة؟

المشكلة أن "فتح" -وغيرها من الفصائل- لم تتعوّد طرح مثل هذه الأسئلة على نفسها، ولا في أي مرحلة، لأن المراجعة النقدية تؤدي إلى تحديد المسؤوليات، كما تفترض بداهة حالة سياسية تتأسّس على الديمقراطية والتداول والتمثيل، وهو ما تفتقده الحركات الفلسطينية التي تشكلت طبقتها القيادية منذ نصف قرن تقريبا!

ما زالت ثمة مشروعية فلسطينية لحركة سياسية كالتي مثلتها "فتح" في بداياتها، بعد الاستفادة من عِبر ودروس التجربة الماضية، لكن مع الإدراك بأن هذه المشروعية ليست "شيكاً" على بياض، وإنما هي مشروطة باستنهاض هذه الحركة لأوضاعها، وتغليب طابعها كحركة تحرر وطني على طابعها كسلطة، وتجديد أفكارها السياسية وبناها وعلاقاتها الداخلية وأشكال عملها.

وهذا -ربما- ما ينبغي أن يكون في مركز إدراكات قيادة الحركة وكوادرها وأعضائها، لأن هذه هي الوظيفة الملحة أو المفترضة للمؤتمر القادم (السابع) للحركة. والفكرة هنا أنه لا بد من امتلاك رؤى وطرق عمل جديدة ومغايرة عن السابقة، فهذا أقل ما يمكن عمله للخروج من حالة التدهور، واستنهاض وضع "فتح".

على ذلك، ربما هذه المناسبة هي الفرصة التي يجدر اغتنامها لتقديم مقترحات واضحة، أو تصورات محددة، بغرض الإسهام في استنهاض حال هذه الحركة، وإحداث تغيير في الواقع الفلسطيني. وعندي، فإن هذا يستلزم من "فتح"، العمل باتجاه الخطوات الآتية:

أولاً- على الصعيد الفتحاوي الداخلي:
1- طرح مشروع البرنامج السياسي الذي سيقدم للمؤتمر العام السابع في النقاش العام، لإغنائه أوّلا، ولمعرفة اتجاهات الرأي العام بشأنه ثانيا. وثالثا، لإشراك أوسع قطاع من الناس في بلورة أفكار هذه الحركة وتحديد خياراتها، لكونهم أصحاب حق، سيما أن هذه الحركة وخياراتها أثرت وما زالت تؤثر عليهم.

ما زالت ثمة مشروعية فلسطينية لحركة سياسية كالتي مثلتها حركة فتح في بداياتها، بعد الاستفادة من عِبر ودروس التجربة الماضية، لكن مع الإدراك بأن هذه المشروعية ليست شيكاً على بياض، وإنما هي مشروطة باستنهاض هذه الحركة لأوضاعها، وتغليب طابعها كحركة تحرر وطني على طابعها كسلطة، وتجديد أفكارها السياسية وبناها وعلاقاتها الداخلية وأشكال عملها

2- الانتهاء من النظام الذي تأسس على التماهي بين المنظمة والسلطة لمصلحة الأخيرة، والفصل بين الرئاسات الثلاث: المنظمة والسلطة و"فتح"، فهذا أفضل من ناحية العمل، كما أنه يخفف الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها أحد هذه الكيانات، ناهيك أنه يمكن أن يعيد تأهيل هذه الحركة لأخذ مكانتها وفقا لدورها النضالي.

3- انتخاب "اللجنة المركزية" من "المجلس الثوري" للحركة، الأمر الذي يسهم في تعزيز الطابع المؤسسي والديمقراطي في بنيتها، ويوسع دائرة المسؤولية بين أطرها، كما يحدّ من تفرد اللجنة المركزية.

4- إنهاء الوضع الذي تسيطر فيه "فتح" على المؤسسات الوطنية، من دون أن تُخضع ممثليها لمساءلة أو محاسبة، وهذا ينطبق على ممثليها في المنظمة والسلطة والمنظمات الشعبية، وفي السفارات.

ثانيا- على صعيد كياني المنظمة والسلطة:
1- التخلص من نظام المحاصّة (الكوتا)، والعمل على تعزيز البعد التمثيلي في الكيانات السياسية، على أسس وطنية، وعلى قاعدة الانتخابات، وفق القوائم النسبية التي تتيح تمثيلا ومشاركة أوسع، والتي تتيح تجاوز الأطر العشائرية والمناطقية. فالتمثيل، والاحتكام إلى صناديق الانتخابات في كافة أماكن الفلسطينيين، يعيدان الاعتبار إلى البعد الشعبي، فضلا عن الإسهام في تعيين التوازنات الداخلية بين الفصائل، وجسر الفجوة بين مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج.

2- إعادة بناء المنظمة وتفعيل دورها، ومن ضمن ذلك إعادة تشكيل المجلس الوطني على أسس الكفاءة والتمثيل والروح النضالية، بدلا من المحاصة، مع إيجاد المعادلات التي تكفل إشراك الفصائل الفاعلة وضمنها "حماس" في هذه العملية.

3- بعد كل ما جرى لا بد من تغيير المعادلات، وهذا لا يتطلب حل السلطة، ولا تسليم "المفاتيح" للاحتلال، وإنما وقف التنسيق الأمني، وتنمية الاعتماد على الذات في المجال الاقتصادي، واحتضان أشكال الكفاح الشعبي، وتدعيم مسارات نزع الشرعية عن إسرائيل ومقاطعتها. وهذا يتطلب أيضا، توطيد كيان السلطة في الضفة والقطاع، ككيان سياسي لفلسطينيي الأراضي المحتلة، مهمته إدارة أحوال مجتمعهم في كافة المجالات، وتنمية مؤسساتهم السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية.

ثالثا- على الصعيد السياسي:
1- تكريس ثقافة مفادها أن الكفاح الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني له بعدان: أحدهما مواجهة إسرائيل ومقاومة سياساتها، والثاني بناء مجتمع الفلسطينيين وتنمية كياناتهم السياسية، علما بأن العملية الثانية هي الأساس في تحسين مكانة الفلسطينيين في صراعهم ضد إسرائيل، بل وتمكينهم من استثمار تضحياتهم ومقاومتهم.

2- مع سعي "فتح" لانتزاع الحق في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، لا بد من ربط هذا الهدف برؤية مستقبلية تنبني على المعايير الدولية والقيم الإنسانية النبيلة، وتتعلق بالسعي لإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة، دولة المواطنين الأحرار والمتساوين، وهو خطاب لا يتعارض مع الشرعية الدولية، ويلقى تعاطفا في الرأي العام العالمي، ناهيك عن كونه الجواب الأنسب على المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية.

3- ما تقدَّم يعني إضفاء قيم عالمية وإنسانية على فكرة "التحرير"، وتوسيعها من فكرة الصراع على الأرض، إلى الصراع على الحقوق الفردية والجمعية، باعتبار الأمر لا يتعلق بغزوة عسكرية، ولا بحرب إفنائية، ولا بشعب يحل محل شعب آخر. ويأتي ضمن ذلك استعادة فكرتي "تحرير اليهود من الصهيونية"، وإقامة دولة ديمقراطية في فلسطين، كما طرحتهما "فتح" في أدبياتها الأولية (في المادتين 13 و14).

رابعاً- على الصعيد الكفاحي:
1- تركيز الجهود بشكل أكبر في المرحلة المقبلة، وفي ظل هذه الأوضاع الدولية والعربية غير المواتية، نحو بناء البيت الداخلي، أي بناء المجتمع وتنمية إمكانياته الذاتية، وتوطيد كياناته الجمعية (المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات الشعبية)، على قواعد مؤسسية ونضالية ووطنية وديمقراطية وتمثيلية، باعتبار أن هذا هو البعد الذي يمكن أن نعمل عليه في هذه الظروف المعقدة والصعبة، وإلى حين تبين مآلات التحولات الكبيرة والخطيرة الجارية في المشرق العربي.

لا يمكن لحركة فتح أن تستنهض أحوالها دون أن تطور بناها، ودون امتلاك رؤية سياسية ملهمة تتأسس على مشروع وطني، يجيب على مختلف الأسئلة التي تطرحها قضية الفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم، بما يعني ذلك ضرورة استعادة المطابقة بين قضية فلسطين وأرض فلسطين، وشعب فلسطين وحركته الوطنية

2- العمل في إطار المجتمع الإسرائيلي وتياراته السياسية والثقافية، لتعزيز التعاطف مع حقوق شعبنا وقضيته، ضد إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والدينية، وتوضيح فكرة الدولة الواحدة باعتبارها الحل الأمثل لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مع تعزيز مسارات مقاطعة إسرائيل بمؤسساتها الرسمية السياسية والاقتصادية والأمنية، في إطار السعي لنزع شرعيتها.

3- دعم المجتمعات الفلسطينية في بلدان اللجوء، وتعزيز استقرارها في مواجهة التحديات والمشكلات التي تتعرض لها، والعمل على تنظيم صفوفها، وإيجاد الوسائل التي تعزز دورها في العملية الوطنية الفلسطينية، وضمن ذلك تفعيل إطارات منظمة التحرير، والتأكيد على الحق المشروع للاجئين في العودة وتقرير المصير.

4- صوغ إستراتيجية كفاحية تتأسس على تعزيز فكرة الصمود وكل أشكال المقاومة الشعبية، والصراع ضد كل تجليات الاحتلال والعنصرية. إستراتيجية تمكّن الفلسطينيين من تطوير مجتمعهم وكياناتهم السياسية وإمكانياتهم الذاتية وصمودهم في أرضهم، وتعزز التعاطف الدولي معهم، وتستثمر في التناقضات الإسرائيلية، لأن المقاومة المجتمعية هي الأساس، وهي التي تمكّن أوسع قطاع من الشعب من المشاركة أو الإسهام فيها بطرق مختلفة.

5- التوضيح للفلسطينيين أنه لا يوجد شكل كفاحي مقدس، وأن كل الأشكال تخضع للظروف والإمكانيات، وللقدرة على تحويل التضحيات والبطولات إلى إنجازات، مع التأكيد أنهم بحاجة إلى انتهاج أشكال مقاومة تتمتع بميزتين: أولاهما تحييد الآلة العسكرية الإسرائيلية، أو كبح إمكان استخدامها أقصى قدر من العنف ضدهم، ما أمكن ذلك. والثانية، أن تمكن هذه المقاومة من تقوية المجتمع الفلسطيني، ومنها تقوية كياناته السياسية لا إضعافها، أي أن الفلسطينيين بحاجة إلى مقاومة توجع إسرائيل أكثر مما توجعهم، وتعزز الانشقاقات وتنمي التناقضات في مجتمع عدوهم، ولا تعزز تماسكه وتقوي وحدته.

باختصار.. لا يمكن لفتح أن تستنهض أحوالها دون أن تطور بناها، ودون امتلاك رؤية سياسية ملهمة تتأسس على مشروع وطني، يجيب على مختلف الأسئلة التي تطرحها قضية الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، بما يعني ذلك ضرورة استعادة المطابقة بين قضية فلسطين، وأرض فلسطين، وشعب فلسطين، وحركته الوطنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك