محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي


منذ دخل الربيع العربي مرحلة الصراع بين الثورة والثورة المضادة بزغت دعوة جادة وحثيثة إلى توجيه العناية بتفكيك الخطاب الغربي من ناحية، وبتفكيك الخطاب العربي الموجه للغرب من ناحية أخرى.


وربما أن الأوان قد آن لأعترف أنني لم أنطلق في دعم وتأييد هذه الدعوة من اعتماد مجرد على مسلمات سابقة أو نظريات معروفة أو اقتناعات فكرية تنامت في ثقافة التعامل مع الآخر على مدى الأجيال، وإنما كانت هناك إفادات قصوى وحاسمة جاءت بالمصادفة من ظواهر ودلالات لا تخطئها عين كل من يريد البحث عن الحقيقة.

كنت -شأني شأن كثيرين في مثل هذه التجربة- أمتلك دافعا معرفيا قويا من هذا الطراز الكاشف للنوايا، وقد نشأ هذا الدافع من موقف مباشر (وإن كان وقتها غير متوقع) فوجئت به مع أني لم أكن أتخيله، بل ومع أنه يعز على كثيرين حتى هذه اللحظة تصور إمكانية حدوثه، لكنه أصبح الآن متاحا ومعروفا في أروقة العلاقات الدولية، التي لم تعد تجادل في أن هناك منظومة غير سرية (وإن لم تكن بالطبع علنية) تؤمن وتنجز ما يعرف سياسيا على أنه تحويل المواقف السياسية لحكومات دول كبيرة إلى نمط غير مسبوق من الصفقات الوقتية: الشبيهة شكلا بغسل الأموال السريع، والشبيهة مضمونا بعمليات الإقراض الخطر عالي الفائدة.

بلغت نقاشاتي مع الانقلابيين حدودا لا تسمح لهم بالتمادي في القول بأنهم على صواب، كان لا بد لهم من التلويح لي بحجم القوى السياسية والدولية المحتشدة "سرا" والجاهزة "فعلا" للتغطية على كل التصرفات غير الإنسانية وغير القانونية التي سيضطر إليها الانقلاب حتما

ومن الإنصاف للحقيقة أن أكرر أنني لم أكن صاحب الفضل في هذا الاكتشاف المعرفي الحاسم، وإنما جاءني الخيط الأول فيه من حيث لم أتوقع أثناء المناقشات واللقاءات التي حاولت من خلالها إقناع الانقلابيين بالتراجع عن نواياهم الانقلابية في الوقت الذين كانوا يحاولون فيه أن يكسبوني إلى صفهم.

فلما بلغت المناقشات حدودا لا تسمح لهم بالتمادي في القول بأنهم على صواب كان لا بد لهم من التلويح لي بحجم القوى السياسية والدولية المحتشدة "سرا" والجاهزة "فعلا" للتغطية على كل التصرفات غير الإنسانية وغير القانونية التي سيضطر إليها الانقلاب حتما إذا ما واجه ما توقعته من حجم الاستنكارات الدولية لحدوثه ثم لسلوكه.

وفي هذا الصدد اضطر هؤلاء الانقلابيون إلى أن يصرحوا لي بما يشبه بل بما يتضمن التهديد الصريح بأن الزعماء الأوروبيين الذين أتحدث عنهم (وذكروا اثنين منهم بالاسم) يعانون بصورة أو أخرى من مشكلات تمويلية حادة، وأن الانقلاب وحده، ولا شيء غيره، هو القادر على أن يحل هذه المشكلات من خلال فوائض الصناديق السيادية الإماراتية، وأن هذا الحل لن يكون عن طريق الإقراض ولا بطريقة التمويل، وإنما سيكون بشراء صفقات العمر من سلع راكدة أو شبه راكدة مع السداد النقدي الفوري بمجرد قيام قيادات هذه الدول بمواقف متواطئة وواضحة التواطؤ مع الانقلاب على حساب الشعب والشرعية.

على أن يكون ذلك مع حفظ ماء وجه هؤلاء الزعماء بإعطائهم الحق الكامل في استيفاء كل مظاهر الحرص القاطع على عدم تأييد مبدأ الانقلاب ولا فكرته، وذلك على النحو المراوغ واللعوب ثم المكشوف الذي سرعان ما أدته تباعا الخارجية الأميركية باحتراف مصطنع ضاربة المثل التطبيقي القابل للاحتذاء والذي تم احتذاؤه جزئيا في حالات محدودة.

وبالطبع فقد كنت في مناقشاتي أستبعد أن يحدث مثل هذا، ولا يزال كثيرون غير مصدقين لحدوثه رغم أن كل المعطيات أصبحت تصب بتآزر في إثبات حدوثه على هذا النحو المتآمر.

بيد أني من ناحية أخرى ظللت أيضا متمسكا بأن أنتصر للشعوب وللمجتمع المدني وأراهن عليهما في مناقشاتي، ولم يكن مفاجئا لي أن أسمع ممن يمثلون الكتلة الانقلابية بعض ما لا يزالون يجاهرون به من احتقار إرادة الشعوب مهما كانت عارمة أو صريحة مدللين على هذا بأن الإنتربول يتبع الدولة لا الشعب، وكذلك القنصليات التي تمنح وتمنع تأشيرات الدخول.. إلخ، وأن الولايات المتحدة وحدها ووحدها فقط هي القادرة على توجيه الجنائية الدولية وجهة الإدانة أو التسويف.

ثم تعاقبت الأحداث هنا وهناك وهنالك حتى أصبحت الولايات المتحدة الأميركية (رغم أنفها) وجها لوجه أمام حقيقة لم تتصور أنها ستواجهها على هذا النحو الواسع في وقت من الأوقات، وأصبحت أشبه ما يكون بجراح أقل من المتوسط لا يزال يمارس الجراحات الكبرى معتمدا على اسمه الكبير ونفوذه الواسع مع مهارة جراحية محدودة عفا عليها الزمن من ناحية، وكشف الزمن بمعطياته أيضا عن تورطاتها الأخلاقية الرهيبة في تحقيق أرباح ومدخولات غير قانونية من خلال ممارسات غير أخلاقية.

انكشفت اليوم المعاني الحقيقية للمفردات الأكثر شيوعا في القاموس الأميركي فأصبح معروفا بوضوح أن مصطلح الإرهاب ليس إلا كناية خبيثة عن الإسلام، وأن أي إرهاب يرتكبه من لا ينتمي للإسلام لا يوصف بهذا اللفظ مهما كان

هذه الممارسات من قبيل إجراء جراحات باهظة لا يستلزمها العلاج الجراحي الصائب، ومن قبيل إجراء جراحات معقدة في حالات يمكن الاكتفاء فيها بعلاج تدخلي أيسر وأهون، ومن قبيل إجراء جراحات لمن لا يحتاجونها أصلا، ومن قبيل استئصال أعضاء سليمة لبيعها مع إقناع المريض الفقير بضرورة هذ الاستئصال لاستمرار حياته بينما هي سرقة علنية لأعضاء سليمة تباع في الوقت نفسه لمن هو على استعداد لأن يدفع الملايين أو دفعها بالفعل منتظرا الضحية.

وببساطة شديدة، انكشف أمر هذا الجراح لسبب واحد ووحيد، وهو أنه لم يتصور ولم يدرك حدود المعلومات التي أصبحت متاحة للجميع عن كل التفصيلات المتعلقة بما ينجزه من شرور ومن جنايات ومن مكاسب.

ولا جدال في أن تجليات عصر المعلومات وما لحق بها من تجليات وسائل التواصل الاجتماعي كانت ولا تزال أكبر بكثير من تصورات الممارسين للسياسة العليا حتى في الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وهو ما دفع الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه إلى أن يتهرب بذكاء من إجابة سؤال شهير عن تناقض سياساته مع ما تجاهر به أميركا من مبادئ، وقد آثر أن ينافق الشباب وشباب التواصل الاجتماعي مقتديا في هذا بالأستاذ الذي يعجز عن إجابة سؤال تلميذه فيقول للتلميذ في مجاملة قريبة من النفاق الاضطراري إنه أي التلميذ يعرف الإجابة أفضل منه.

كانت محصلة هذا العصف الفكري أن انكشفت لأول مرة وبوضوح قاتل المعاني الحقيقية للمفردات الأكثر شيوعا في القاموس الأميركي في بيانات وتصريحات الدبلوماسية والبنتاغون والمخابرات والبيت الأبيض، فـأصبح معروفا بوضوح أن مصطلح الإرهاب ليس إلا كناية خبيثة عن الإسلام، وأن أي إرهاب يرتكبه من لا ينتمي للإسلام لا يوصف بهذا اللفظ حتى لو كان صاحبه مختلا عقليا ومعترفا أو مفاخرا بعنصر الإرهاب في عمله.

وبالتبعية لهذا فإن حقوق الإنسان تعني حقوق أي إنسان على وجه الأرض إلا الإنسان المسلم لأنه بمجرد إسلامه لا يحسب إنسانا، فإذا كان أميركيا مسلما قيل عنه أميركي فحسب مثله مثل السلاح أو الميكروسكوب أو اللودر الأميركي وبدون أن ترد كلمة إنسان في الوصف، أما القيم الأميركية فتعبير لا يقصد به ما هو منطقي من الحرية أو الديمقراطية، وإنما المقصود هو تقديس الصهيونية، ومن ثم فإن ما يتعارض مع القيم الأميركية هو فقط ما يتعارض مع ما يظن أنه مصالح "دولة إسرائيل".

وعلى صعيد مواز فإن حرية التعبير لا تعني إلا سب الدين الاسلامي والنبي -صلي الله عليه وسلم- ومن ثم فإن انتهاك الحق في حرية التعبير هو أن يتضمن النص الفني مجرد تلميح بتجاوز ما في حق جندي ما من جنود الصهيونية، أو يمس فهمها للأخلاق.

ويتصل بهذا أن تعبير حلفاء أميركا أصبح محجوزا تماما لعملاء أميركا المسجلين في المخابرات المركزية سواء أكانوا معروفين أو لم يعرفوا بعد. وفي مرتبة أعلى من هؤلاء يأتي تعبير أصدقاء أميركا للدلالة على حكومات الدول التي تحصل على شهادة اعتماد صلاحية خلقية من منظمة الإيباك.

تعبير حلفاء أميركا أصبح محجوزا لعملائها المسجلين في المخابرات المركزية سواء أكانوا معروفين أو لم يعرفوا بعد. وفي مرتبة أعلى من هؤلاء يأتي تعبير أصدقاء أميركا للدلالة على حكومات الدول التي تحصل على شهادة اعتماد صلاحية خلقية من منظمة الإيباك

وقد امتد الفهم الشبابي للجيل الحالي ليشمل مدلولات ألفاظ لغوية لم تكن تحتمل التأويل، لكنها بفضل السياسات الأميركية، تحولت تماما في السياسات السرية لتدلل على المعاني التي هي أبعد كثيرا عن المعنى اللغوي بل ربما تناقض المعنى الاصطلاحي أيضا.

وعلى سبيل المثال فإن لفظ الاستقرار وبقاء الدولة (المصنفة بكل المعايير فاسدة) والحفاظ عليها أصبح هو التعبير المراوغ عن كبت الإسلام والمسلمين وظلمهم، بما في ذلك ما يحدث من مذابح جماعية لأطفال المسلمين بلا أي مبرر، كما أن وصف التطرف أصبح تعبيرا مقصورا ومحجوزا لمجرد الالتزام بالحد الأدنى من شعائر الإسلام، فإذا أضفت للالتزام بالشعائر أي دليل على مجاهرة خفية باحترام الجهاد أصبحت بسرعة البرق إرهابيا وليس متطرفا فحسب.

وهذه بعض أمثل سريعة أخرى من هذا القاموس السري:
الشراكة الاستراتيجية = الحرب على الإسلام.
الحوار الاستراتيجي = أي حوار يهدف للقضاء على أفراد مسلمين في أي مكان.

علاقات تقليدية = علاقة ليس من عناصرها محاربة الإسلام.
الحرية المثلية = إحدى الصور المستحدثة لوضع الإسلام بدون مناسبة في مأزق الاتهام بتقييد الحريات.

الحرية الجنسية = إحدى الصور القديمة التي يسهل استدعاؤها لوضع الإسلام في مأزق الاتهام بتقييد الحريات.

مكافحة التمييز = مجموعة إجراءات مطاطة تستدعى من العدم للتنغيص على أي حاكم مسلم يبدأ في النجاح في تحقيق نمو اقتصادي أو اجتماعي.

مطالبة أطراف النزاع بضبط النفس = حث المعادين للإسلام على تكثيف المذابح وتسريع وتيرتها، مع العمل على تخدير المسلمين ريثما يتم القضاء عليهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك