مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


يجب إيجاد توازن دقيق يسمح بمحاربة العنف الذي يُرتكب باسم الدين أو باسم إيديولوجية معينة أو نظام اقتصادي ما، والمحافظة في الوقت عينه على الحرية الدينية، والحرية الفكرية وغيرهما من الحريات الفردية.

نحن نعلم أنه في محاولتنا التحرر من العدو الخارجي، قد نقع في تجربة تغذية العدو الداخلي، فالتمثل بحقد وعنف الطغاة والقتلة هو أفضل وسيلة لأخذ مكانهم. وهذا أمر ترفضونه أنتم، كشعب.

النص أعلاه هو ما يمكن استخلاصه بصعوبة كإشارات ضمنية مبهمة تشمل قضية الإساءة للإسلام، من الخطاب الذي وصف بالتاريخي للبابا فرانسيس، أمام الكونغرس الأميركي، بعد رفض سَلَفيه المثول أمام الكونغرس لأسباب لا تعرف كلها، لكن منها استقلال الكنيسة عن سياسات واشنطن العنيفة، ضد العالم الثالث وحروبها الواسعة، لاغتصاب ثرواته.

ويبدو الأمر هنا محرجا للغاية، في ظل عدم تطرق البابا لهذه الحروب، خاصة المعاصرة جدا والتي يعيش العالم الجنوبي خاصة الشرق بما فيه مسيحيوه آثارها المكلفة والدموية على الإنسانية، فمن ذات المنصة ألقى الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خطاب الحرب والإبادة التي استهدفت أفغانستان والعراق.

ثناء البابا على القس الأميركي العظيم مارتن لوثر كينغ لا يتفق مع بعض مضامين الخطاب التي تُفسر بأنها مباركة روحية ضمنية لقرارات حرب وتشريعات سياسية عززت انتشار السلاح بين الأطفال في أميركا، وعبر القارات لصالح حروب ظالمة

وهي بالقطع ولدت أكثر بيئات التطرف، فضلا عن أنها كانت حروب إبادة جماعية شملت 2.5 مليونين عراقي وأفغاني، وفتحت حروبا فرعية، تنقض اليوم عرى علاقات إنسانية تاريخية رعاها الشرق الإسلامي، بين طوائف القبلة مع إخوتهم من مسيحيي أهل الشرق وأهل الكتاب والديانات المختلفة، عبر مئات السنين.

وانهارت كلها إثر تدخل الغرب الكاثوليكي أو البروتستانتي بقيادة واشنطن، في حين تورطت الكنيسة الأرثوذكسية في حروب أخرى، ودُمرت وشائج التواصل التي كرسها الشرق ورسختها القيم التي جاء بها الأنبياء، خاصة مع أهل الكتاب، وهي قضية تفيض بها نصوص الوحي والسيرة النبوية، حيث تؤكد حرص الإسلام على تأكيد هذه الروابط القائمة على الديانات الأصلية وحفظ السلام.

وهي زاوية لا يمكن أن تُغفل في مراجعة خطاب البابا فرانسيس الأخير، فثناؤه على القس الأميركي العظيم مارتن لوثر كينغ لا يتفق مع بعض مضامين الخطاب المتكررة، التي تُفسر بأنها مباركة روحية ضمنية، لقرارات حرب وتشريعات سياسية عززت انتشار السلاح بين الأطفال في أميركا، وعبر القارات لصالح حروب ظالمة.

وإن سجل البابا معارضته لبيع السلاح للطغاة الخارجيين في كلمته، لكن بقي الفاصل الأخلاقي كبير جدا بين انتقائيته القيمية لثقافة المجتمع الأميركي، وبين حقيقة الواقع السياسي التي يُسيرها، والسكوت عنه، وهو ما قد يُقرأ بأنه نوع من الاعتذار يقدمه البابا للرأسمالية التي انتقدها بشدة قديما، ولكنه ليس يساريا كما قال للصحفيين في الطائرة.

وهناك الكثير من حلقات الجدل والحوار الموضوعي حول هذه الرؤية، وخاصة بين إطار الفلسفة الحقوقية الإنسانية، التي تُبنى عليها الدعوات والتفاعل التنفيذي لقيم الحياة الفاضلة والعادلة بين الناس، وبين هندسة الخطاب الدقيقة لفريق ثقافي متخصص، يسعى أن يَعبر خطاب البابا، بين وحشية التغول الأميركي ونتائج ممارساته المشهودة على الأرض، وبين مصطلحات وإعلانات أطلقها مصلحون قيميون نفذوها على الأرض، لم يكن منهم الرئيس أوباما ولا دهاقنة الحزبين الكبيرين الذي صفقوا للبابا طويلا.

ولا يُمكن لوم البابا على رسالة أخلاقية، يوجهها لمصلحة اللاجئين المكسيكيين أو القادمين من الشرق كلاجئي سوريا وغيرها، بل هي موقف أخلاقي جيد يمثل تحريضا للنفس على العدل أمام الآخر، والدعوة لتطبيق نصوص السيد المسيح عليه السلام في أرض الألفية الثالثة.

لكن القضية العميقة، التي نجح في تحريرها اليسار المؤمن الجديد هي توازن الموقف والسلوك، والشهادة الدقيقة الرسالية على كل مرتكبي الحروب، بحجم مسؤوليتهم لا بحجم تقدير العلاقات العامة، للكنيسة البابوية ولا بحسب مسار التسليط الإعلامي على توحش بشري عشوائي، وترك التوحش المركزي الأعنف الذي صنع أرضه وخلق بيئته.

لقد راجعتُ كامل خطاب البابا، بمنظار إيجابي لحاجة المجتمع الإنساني اليوم لوقف دوامات من العنف المتوحش بأيدي جيوش أو جماعات أو أنظمة، والخلاص من أكبر قدر ممكن منهم عبر تسويق خطاب موضوعي بين شخصيات الأديان السماوية ومثقفيها، يُحيد كل ظلم مدان باسم هذه الأديان وتشريعاتها، وهو أمر لن يخلق تقاربا عقائديا إلا في الأصول التي بقيت مصونة لدى الحنيفيين، منذ إبراهيم إلى الرسل الكرام موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة السلام.

لكني لم أجد في الخطاب الحد الأدنى لتشكيل قاعدة للانطلاق، وليس ذلك لعدم فهم مهمات الرحلات البابوية وبرتوكولاتها السياسية، لكن الحقوق والقيم التي تصنع الفارق هي تلك التي لا تمنعها منصات الظلم للأمم من مصارحة الظالمين في سياساتهم، لأن أرضية المكان تخفي نصب ملايين من الضحايا طمرتهم سياسة الرأسمالية، المخالطة لنفس ديني متعصب، فأصبحوا يعظون الناس وسياساتهم تقتلهم.

في كل الأحوال فإن البابا يخاطب الأميركيين في مؤتمر تشريعهم المركزي، وبرر ذلك بأن الشعب قد انتخبهم، وهو أمر فيه كثير من الأخذ والرد، ويثير تساؤلات بشأن مستوى تحقيق آلية الديمقراطية الأميركية لحق الفرد بكل مستوياته، أم أنها أضحت أداة للرأسماليين دون غيرهم فنقضت ركن الديمقراطية الأول، وهذا لا يعني كما يظن البعض تزكية لواقع الاستبداد العاصف في العالم الثالث، لكن قاعدة القياس هنا هي المعيار الإنساني المطلق.

العالم اليوم بحاجة إلى تحالف إنساني لحماية الأسرة والعلاقات الأساسية التي تحدث عنها البابا، في ظل نقض آدمية البشر وفطرة الحب الفطري بين الجنسين التي باتت المثلية الجنسية تهددها كوباء عالمي وحالة مرضية مرفوضة عقلا وشرعا

لكن يبقى هذا الأمر متعلقا بقرار البعثة الإرسالية وشأنها، أما ما يهمنا في الشرق ويهمهم بصورة عاجلة فهو خروج البابا فرانسيس عن صورة البابا بنديكت السادس عشر في طعنه الضمني الواضح في الإسلام ورسوله واتهامه بالعنف، وضرورة خلق هدنة فكرية، ثم جِسر تواصل مختلف، لتحقيق ميثاق ينقذ الإنسانية خاصة موطن الرسالات السماوية (الشرق) من عهد الحروب، واستدعاء قيم التسامح وتخفيض أكبر قدر من التطرف، بوسائط واقعية لا تتناقض مع المنابر، وإن بقيت لكل رسالة فكرتها في التبشير الديني وخطاب الإلهيات.

وهو ما نحتاج تفصيله في خطاب مفتوح، ليس هذا مكانه، عن مهمة البابوية في الشرق، وإشكالية تورط كنائس مسيحية في الصراع الطائفي بين المسلمين، أو تورطها في دعم الحرب على حريات الربيع في الشرق ومآلها الكارثي، والقضايا المشتركة المهمة جدا التي تهدد مستقبل العلاقات بين أهل الكتاب، وبالتالي بين البشرية كلها، وأطراف قاراتها.

كما أن العالم بحاجة إلى تحالف إنساني لحماية الأسرة والعلاقات الأساسية التي تحدث عنها البابا، في ظل نقض آدمية البشر وفطرة الحب الفطري بين الجنسين التي باتت المثلية الجنسية تهددها كوباء عالمي، وهي حالة مرضية ترفضها العقول فضلا عن شرائع السماء، إن المثلية وباء ينتشر ويحارب المرأة في حق أنوثتها، ويحول الغريزة إلى شذوذ علني باسم القانون.

من المهم أيضا، أن يعتني البابا الآن بمقاصد النصين المذكورين في صدر المقال، إن كان ما فهم من تفسيرها صحيح، بأنهما إشارة إلى الهجوم المتتالي على الإسلام والمسلمين، وبالتالي من المهم ألا تطغى النزوات والكراهية باسم الحرية الفردية، فتعتدي على مشاعر أمم وشعوب، وتخلق أرضيات لتطرف مسلح ولحروب وتعزز أيديولوجيات، سيعاني منها المدنيون المسلمون والمسيحيون في الشرق، وستصل الى بلدان الغرب جراء عدم تطويقها.

فيما الخطاب التصحيحي البابوي والرد على التطرف المسيحي الفكري كما السياسي يخلق أرضا مهمة جدا تطوق رياح انتشار العنف والاستباحة الشاملة، بين أتباع الأديان السماوية وتمنع إسقاط كل عرف نبيل عاشته الإنسانية برداء الرسالات السماوية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك