مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

لا تُبقي صعوبة وتعقيدات الواقع الفلسطيني أمام طرفي الانقسام (فتح وحماس) هامشا واسعا من الخيارات الوطنية، وتفرض عليهما موازين المراجعة والتقييم لتلمّس سيناريو الوفاق، بعيدا عن المخاطر الكبرى.

الواقع والتطورات
الخيارات والسيناريوهات
عوائق الانتفاضة الثالثة
أوان المراجعات

لا تُبقي صعوبة وتعقيدات الواقع الفلسطيني أمام طرفي الانقسام هامشا واسعا من الخيارات الوطنية، وتفرض عليهما موازين المراجعة والتقييم لتلمّس سيناريو الوفاق، بعيدا عن المخاطر الكبرى التي يحملها سيناريو القطيعة والانفصال.

الواقع والتطورات
كادت الساحة الفلسطينية تهوي إلى واد سحيق خلال الأيام القليلة الماضية، في ضوء دعوة الرئيس عباس المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة بمعزل عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبعيدا عن تطبيق اتفاقات المصالحة التي يشكل إصلاح منظمة التحرير وإشراك حماس والجهاد فيها أحد أهم بنودها.

التغير الدراماتيكي الذي أصاب المشهد السياسي الفلسطيني عقب تأجيل جلسة المجلس الوطني بفعل الضغوط التي مارستها حماس والجهاد وغيرهما، قد يفضي إلى إعادة تموضع مهم على المستوى الفلسطيني الداخلي

غير أن التغير الدراماتيكي الذي أصاب المشهد السياسي الفلسطيني عقب تأجيل جلسة المجلس الوطني بفعل الضغوط التي مارستها حماس والجهاد والجبهة الشعبية وقوى وشخصيات فلسطينية كثيرة، وفشل جهود التهدئة بين حماس وإسرائيل؛ قد يفضي إلى إعادة تموضع مهم على المستوى الفلسطيني الداخلي، ويهيئ المناخ الفلسطيني نحو عقد حوار وطني تتمخض عنه توافقات محددة تكسر حدة الأزمة الفلسطينية الداخلية، وتعمل على تفكيك بعض الملفات الملغومة التي أرقت الفلسطينيين خلال المرحلة الماضية من جهة، وتمنع تجاوز مساحات اللعب السياسي التقليدية إلى المنطقة المحرمة التي يشكل الحسم سمتها الرئيس من جهة أخرى.

منذ أحداث الانقسام الكارثي في حياة الفلسطينيين راوح الحراك الفلسطيني الداخلي ضمن إطار مساحة العمل التقليدية التي تدور في فلك قواعد لعبة معروفة، وذلك ضمن صراع فصائلي ذي أدوات مختلفة، دون أي اختراق حقيقي وتجاوز نوعي يخلّ بعناصر المعادلة القائمة، في ظل عجز بائن عن نقل اتفاقات المصالحة الفلسطينية التي تم إبرامها من طور الشعار إلى حيز التطبيق، وترجمة نظريات الشراكة والوفاق إلى برامج عملية واقعة.

لذا، رأى كثيرون في الجهد الحثيث الذي قاده الرئيس عباس لإعادة تشكيل اللجنة التنفيذية للمنظمة كسرا للمعادلة الراهنة، وانتقالا إلى المربعات الحمراء ذات الأثر المقرّر في بنية المشهد الداخلي، وهو ما يعني -بكلمة مختصرة- أن الرئيس عباس قرر خوض معركة كسر عظم مع حركة حماس بكل معنى الكلمة.

ولا شك أن حماس شعرت بالارتياح عقب تأجيل جلسة المجلس الوطني، وما تلا ذلك من جهود لدعوة الإطار القيادي المؤقت للمنظمة للانعقاد، كونها تدرك مدى أهمية منظمة التحرير كوعاء سياسي معنوي جامع للفلسطينيين في الداخل والخارج، وتسعى جاهدة لإعادة بنائها وتفعيلها ومن ثم الانخراط فيها وفق اتفاقات المصالحة، بهدف الخروج من أسر الحصار الإقليمي والدولي المفروض على الحركة، والتحرك المتسربل برداء الشرعية التي يوفرها دخول المنظمة على المستوى الخارجي، وبالتالي تدرك مدى خطورة وتداعيات أية خطوة تستهدف فرض وقائع نهائية حاسمة ضمن ملف منظمة التحرير، وإلقاء حماس خارجها.

يتزامن ذلك كله مع اقتراب ميقات الكلمة التي سيلقيها الرئيس عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الجاري، والتي روجت مصادر السلطة أنها ستكون بمثابة "قنبلة"، وأنها ستحمل إعلانا لفلسطين دولة تحت الاحتلال.

الخيارات والسيناريوهات
يراوح الوضع الفلسطيني بين ثلاثة خيارات:
الخيار الأول، ويقضي بإعلان الرئيس عباس التحلل من اتفاق أوسلو أو بعض بنوده، وإيقاف التنسيق الأمني، كليا أو جزئيا.

فيما يتمثل الخيار الثاني في إعلان الرئيس عباس فلسطين دولة تحت الاحتلال، وعدم التعرض لاتفاق أوسلو أو التنسيق الأمني بأي حال من الأحوال.

أما الخيار الثالث، فيكمن في إبقاء الأوضاع الراهنة على ما هي عليه، واجترار النمط التقليدي من الخطابات السابقة التي تحمّل حكومة الاحتلال المسؤولية دون أي خطوات عملية.

لا تخرج الأمور عن سيناريوهين اثنين حول مآلات الوضع الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة: الأول استمرار القطيعة والانقسام بين حماس وفتح، والثاني انتصاب فرص التوافق من جديد في مزاحمة لسيناريو القطيعة والانقسام

ومما يبدو، فإن الخيار الثاني يشكل أرجح الخيارات، لأن استدعاء الخيار الأول قد يدفع بالأوضاع في الضفة إلى انتفاضة ثالثة تحرص السلطة والاحتلال على تفاديها، وخصوصا في ظل الهجمة الإسرائيلية على الأقصى والمقدسات، ناهيك عن أن الاقتراب من اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني يعني الاقتراب من منطقة محرمة وعناصر ملغومة يُمنع العبث بها إقليميا ودوليا، وهو ما يُفقد السلطة الفلسطينية مبرر وجودها حال تخليها عن وظائفها السياسية والأمنية المعروفة.

في ذات الوقت، فإن الخيار الثالث الذي يقضي بإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، من شأنه أن يثير نقمة واستياء الفلسطينيين في ظل انسداد الأفق السياسي وتصاعد وتيرة العدوان والتهويد والاستيطان بحق الشعب والأرض والمقدسات، مما يتطلب موقفا سياسيا جديدا يمكن من خلاله إحداث حراك سياسي ما، أيا كان، على المستوى الدولي، وتهدئة خواطر الفلسطينيين، ولو جزئيا، خلال الفترة المقبلة.

وقد تلعب الأوضاع الميدانية في غزة دورا متداخلا ضمن الخيارات السابقة، وخصوصا فيما يخص احتمال اندلاع مواجهة مسلحة جديدة بين حماس وإسرائيل، وهو احتمال ضعيف، على المدى المنظور على الأقل، حسب العديد من التقديرات الموضوعية لأسباب واعتبارات مختلفة. 

بموازاة ذلك، لا تخرج الأمور عن سيناريوهين اثنين حول مآلات الوضع الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة. ويتمثل السيناريو الأول في استمرار القطيعة والانقسام بين حماس وفتح، وفشل جهود التوافق الوطني بين الطرفين. أما السيناريو الآخر فيكمن في انتصاب فرص التوافق من جديد في مزاحمة لسيناريو القطيعة والانقسام. ويبدو حظ هذا السيناريو أفضل وأكثر رجحانا من سابقه بحكم عديد المتغيرات والمعطيات التي تلفّ الساحة الفلسطينية هذه الأيام.

فلا يخفى أن الرئيس عباس يواجه اليوم فشلا على المستوى السياسي في إطار العلاقة مع الاحتلال، فضلا عن معارضة فتحاوية داخلية لنهجه المعروف إزاء ملف منظمة التحرير والعلاقة مع قطاع غزة.
في المقابل، تعيش حماس فشلا في قدرتها على انتشال غزة من أزماتها وأوضاعها الكارثية، وتمضي بلا رؤية في إطار مواجهتها للأحداث وتطورات الواقع.

كل ذلك يجعل طرفي الانقسام أكثر قربا من بعضهما البعض من أي وقت مضى، وأشد مصلحة في تجاوز وعثاء المرحلة الراهنة بأقل قدر ممكن من الخسائر على مختلف الأصعدة والمستويات، وتلافي المحن والتحديات الكبرى التي تلف القضية الفلسطينية هذه الأيام.

ومع ذلك، فإن سيناريو الوفاق -إذا ما تحقق- لن يتجاوز -من حيث المدى والعمق والفعالية- التوافق المحدود الذي قد يطال تشكيل حكومة وحدة وطنية وحل مشكلة الموظفين والمعابر، فيما يبقى ملف منظمة التحرير -الذي يشكل عقدة العقد- محفوفا بالغموض، وخاضعا لقوى الشد والجذب والعديد من الاعتبارات السياسية والحزبية والمصلحية، فضلا عن ملف المصالحة المجتمعية المغيّب عن الحسابات الفصائلية.

عوائق الانتفاضة الثالثة
يشغل سؤال الانتفاضة الثالثة بال الكثيرين هذه الأيام على وقع المخططات الصهيونية ضد المسجد الأقصى التي تصاعدت وتائر تنفيذها بشكل غير مسبوق مؤخرا، فلا ريب أن الوضع الفلسطيني الراهن يختزن كل مبررات التفجير والاشتعال، وأن المساس بالأقصى وتهويد القدس والاجتياح الاستيطاني الرهيب يشكل أرضية خصبة وقاعدة انطلاق موضوعية لانتفاضة ثالثة تخلط الأوراق وتقلب الموازين.

والحقيقة أن من الصعوبة بمكان وضع تصور قطعي حول مآلات الأحداث والتطورات الراهنة التي تعصف بالأقصى والمدينة المقدسة، إذ تبدو كل الخيارات مفتوحة على مصراعيها، وقد يحمل كل يوم جديدا ذا بال يعزز أو ينسف ما حملته سابق الأيام.

الاتجاه العام لتقديرات الموقف السياسي والميداني يشير إلى صعوبة تطور الأحداث إلى انتفاضة ثالثة، بحكم الاصطدام بالعديد من العوائق والاعتبارات السياسية والميدانية المضادة

ومع ذلك فإن الاتجاه العام لتقديرات الموقف السياسي والميداني يشير إلى صعوبة تطور الأحداث إلى انتفاضة ثالثة، بحكم الاصطدام بالعديد من العوائق والاعتبارات السياسية والميدانية المضادة.

العائق الأول سياسي وأمني بامتياز، إذ إن قيادة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية لا يتوفر لديها أية نية لمجاراة الأوضاع وغض الطرف عن أي مواجهات قد تفضي إلى انتفاضة ثالثة.

ولعل المتابع للخطاب السياسي والإعلامي للسلطة يلحظ بوضوح درجة الحرص في السياسة والموقف في إطار التعاطي مع أي أحداث واحتجاجات جماهيرية، فبالرغم من أن السلطة رفعت سقف خطابها الإعلامي خلال الفترة الأخيرة لجهة الحديث عن تحديد العلاقة مع الاحتلال وإحداث تغييرات جوهرية في سياق الموقف من اتفاقية أوسلو، فإن منظومة التنسيق الأمني لم يطرأ عليها أي تغيير، بل إن السلطة لم تبادر إلى تخفيف مداه وحجمه ومستواه تدريجيا.

وفي كل الأحوال فإن السلطة لم تغفل يوما أن وجودها كسلطة وكيان إداري مرتبط بمدى التزامها وتقيدها بالوظائف السياسية والأمنية الواردة ضمن اتفاقات أوسلو وملحقاتها الأمنية، وأن الإخلال بهذه المعادلة كفيل بتعريض مستقبل السلطة للخطر وزجها في فم التنين كما يقولون.

ومن هنا، فإن السلطة -ومن ورائها حركة فتح- ليست في وارد منح الضوء الأخضر لأي هبّة شعبية أو أحداث جماهيرية بالتواصل والاستمرار خشية دخول الفصائل الأخرى -وبالأخص حماس- على خط المواجهات والاحتجاجات بشكل واسع، مما ينبئ بفقدان السيطرة وتغيّر المعادلة واختلاط الأوراق، وبالتالي عودة حماس والفصائل الأخرى إلى مركز الفعل والمبادرة على أرض الضفة من جديد.

العائق الآخر أمام اندلاع انتفاضة ثالثة نفسي ومعنوي، إذ لا زال موروث الانقسام طاغيا على بنية ومحددات السلوك الشعبي الفلسطيني، ويترك أسوأ الأثر، نفسيا ومعنويا، على حجم ودرجة ومستوى التفاعل الجماهيري الفلسطيني مع القضايا الوطنية الكبرى.

وهكذا، فإن القدرة على استنهاض الشرائح والقطاعات الشعبية الفلسطينية الخاملة تبدو ضعيفة نسبيا في ظل أجواء الانقسام الحالية، مما يجعل الفعل الجماهيري الراهن قاصرا على ردات الفعل وحبيس الموجات الارتدادية التالية للممارسات والسلوكيات الإسرائيلية المتعاقبة.

ومن هنا، فإن بيئة الانقسام التي يغلب عليها المحدد الأمني في الضفة لا تشكل المناخ الأمثل لاندلاع الانتفاضة الثالثة، فيما تشكل بيئة المصالحة والتوافق الوطني -أيا كانت درجتها- المحفز الأهم وعنصر الدفع الأبرز لإنضاج مواجهة شعبية حقيقية قابلة للاستمرار وتحدي إجراءات ومخططات الاحتلال دون تردد أو انكسار.

أوان المراجعات
لعلها تكون الفرصة الأهم التي تلتقي فيها المصالح الفصائلية الفلسطينية هذه الأيام، وخصوصا بين الحركتين الكبيرتين: فتح وحماس، على إنفاذ اتفاق وطني لترتيب أوضاع وملفات البيت الفلسطيني الداخلي.

ما تواجهه الحركتان من تغيرات وتقلبات وأزمات في غمار المرحلة الراهنة يستلزم الاضطلاع بمسؤولية عالية تراعي حجم الأزمة التي تضرب في عمق الواقع والقضية، وإعلاء المشتركات الوطنية الجامعة على حساب المصالح الفصائلية الضيقة، والانتقال من مربع الحيرة والتخبط والارتباك الوطني إلى مربع المراجعة الجادة والتقييم السليم على طريق تصحيح الحال والمسار.

هل هناك مرحلة، في قسوتها وشدتها ومِحنها وخطورتها، تماثل المرحلة الراهنة التي يكتوي بنارها الفلسطينيون جميعا، كي تترفع حركتا فتح وحماس عن موجبات المراجعة والتقييم، وتستخلصا العبر والدروس من المرحلة الماضية بما جرّته على الشعب الفلسطيني من مصائب وويلات؟!

التلاحم مع الحقوق والثوابت الوطنية، ومعايشة هموم الناس ونبض المجتمع بصدق وإخلاص؛ يشكل المعيار الأساس لقياس مدى النجاح في مسيرة المراجعة الفصائلية والتصحيح الوطني

أما آن الأوان أمام حماس كي تستجيب لنبض الشارع، وتنزل عن برجها العاجي، وتتحسس آلام وهموم الناس، وتتعامل مع الأوضاع الكارثية التي تعيشها غزة بمسؤولية عالية بعيدا عن المصلحة الحزبية البحتة؟!

وأما آن الأوان -أيضا- أمام فتح كي تراجع خياراتها السياسية والوطنية في إطار العلاقة الآثمة مع الاحتلال، وتتعامل مع غزة بمسؤولية عالية كونها جزءا أساسيا من الوطن دون تفضيل لجزء على حساب الجزء الآخر؟!  

وعلى أية حال، فإن التلاحم مع الحقوق والثوابت الوطنية، ومعايشة هموم الناس ونبض المجتمع بصدق وإخلاص، يشكل المعيار الأساس لقياس مدى النجاح في مسيرة المراجعة الفصائلية والتصحيح الوطني.

باختصار.. دقت ساعة المراجعة والتقييم، ولا مفر أمام طرفي الانقسام الفلسطيني من حسن الاستجابة للتحديات الراهنة والنزول عند مقتضيات المصلحة والوفاق، ولو بحدها الأدنى، قبل أن يصبح سيناريو القطيعة والانفصال قدرا لا رادّ له مستقبلا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك