كانت بنغازي مستهدفة في ذاتها، وبدا أن مشروع إعادة منظومة علاقات السلطة السابقة من مصر إلى تونس، لا يمكن أن يتم وبنغازي مستقرة تؤسس لعصر الإرادة والحرية، ودليل ذلك أن بنغازي منذ منتصف مايو/أيار 2014 يباد فيها العمران والإنسان.

كانت بنغازي بؤرة الاهتمام العالمي في فبراير/شباط 2011، في حينها وقف العالم حائرا ومعجبا أمام ذلك الوهج الثوري لأبناء المدينة، وهم يواجهون مضادات الطائرات والرصاص الحي بصدور عارية.. كان التغيير مفاجئا للجميع فأخذهم على حين غفلة.

فالمراصد العالمية تعلم جيدا كفاءة حكم القذافي في السيطرة على ليبيا، ويكاد المزاج العام لليبيين متفقا في الداخل والخارج على أن حلم التغيير من خارج منظومة القذافي صار مستحيلا، وانتهى أمل التغيير الثوري بظهور مشروع ليبيا الغد، الذي يستبطن فرضية أساسية وهي لا مناص من استمرار الاستبداد، ولا سبيل للتعايش معه إلا بمحاولة إصلاحه!

وعلى قول الشاعر محمد الجواهري:
يا دجلة الخير: قد هانت مطامحُنا     حتى لأدنى طِماح غيرُ مضمون

شهدت ليبيا منذ عقد السبعينيات فراغا كبيرا في التوجيه والتثقيف، وكانت المساجد تشكو من قلة البرامج التوجيهية والتثقيفية، فلم يكن هناك دروس علمية وبرامج تحصن وعي الشباب، وتمنعهم من الانزلاق في الإفراط أو التفريط

واستطاعت هذه المعادلة المستحيلة بين حتمية الاستبداد وطموح إصلاحه استيعاب حالة الرفض الداخلي والخارجي، السلمي منها والثوري، ودخل الرافضون في دين طاعة ولي أمر الواقع، وهو الدخول الذي سحب من رصيدهم التاريخي في قيادة التغيير والتأثير بعد ثورة فبراير/شباط 2011.

عاشت بنغازي منذ أبريل/نيسان 2011 فترة استقرار وأمان لم تعرفها أيام حكم القذافي، وكانت حالات القتل المحدودة داخل المدينة بين الفينة والأخرى معظمها نتيجة الاستعمال الخاطئ للسلاح، وتوافدت مراصد الرصد الفكري والاستخباراتي على بنغازي تحت عناوين مختلفة لدراسة هذه الظاهرة الثورية، والتعرف عليها عن قرب بواسطة دراسات ميدانية تبحث في كل صغيرة وكبيرة، وتحرص على معرفة كل شاردة وواردة.

شهدت ليبيا منذ عقد السبعينيات فراغا كبيرا في التوجيه والتثقيف، وكانت المساجد تشكو من قلة البرامج التوجيهية والتثقيفية، فما عدا خطبة الجمعة، لم يكن هناك دروس علمية، وبرامج تحصن وعي الشباب، وتمنعهم من الانزلاق في الإفراط أو التفريط.

حالة الجفاف المعرفي التي كانت تعانيها ليبيا لم تكن في المساجد فقط، بل هي حالة عامة نتيجة سياسة تجفيف ينابيع الوعي التي انتهجتها سلطة سبتمبر منذ بداية السبعينيات، فأغلقت الجامعة الإسلامية والمعاهد الدينية، وحاربت التعليم بجميع أنواعه إلى أن صار تعليما صوريا، ومنع العلماء والمشايخ من تدريس العلوم الشرعية، وعندما سمح بإنشاء مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، كانت هذه المراكز يحظر عليها أي نشاط غير التحفيظ عدا بعض الاستثناءات المحدودة، وهو ما أسهم في إخراج عدد كبير من حفظة القرآن الكريم، ينقصهم التكوين الشرعي والوعي الفكري، مما قلل من فاعليتهم في استيعاب الطاقة الحيوية للشباب، وتوجيهها في المسار الصحيح، وصارت الساحة تعاني فراغا نتيجة التضييق الشديد، وما بقي من طلبة العلم كان نشاطهم محصورا.

هذا الوضع دفع كثيرا من الشباب إلى الهجرة لطلب العلم الشرعي، وملء الفراغ الذي تعانيه البلد، وكان المؤمل من أبناء مدينة بنغازي الذين طلبوا العلم، وتهيأت لهم فرص لم تتأت لغيرهم أن يرجعوا إلى مدينتهم، ويؤسسوا محاضن علمية وتربوية، ويساهموا في سد ثغرة في الفراغ الخطير الذي تعانيه المدينة.

انفتح الباب على مصراعيه بعد ثورة فبراير أمام كل من يسعى للتغيير، وكان المسجد هو التحدي الحقيقي في اختبار كفاءة التيار الإسلامي المعتدل في قدرته على التغيير، لكن حضور هذا التيار في المسجد كان محدودا، وفاعليته لا تكاد تذكر.. تمدد المداخلة في الفراغ الذي تركه المعتدلون، واستطاعوا السيطرة على كثير من مساجد بنغازي. تزامن ذلك مع ارتباك في العمل السياسي، وإخفاق في العمل الأمني، وفاعلية محدودة للتأثير الإعلامي.

استدرج الإسلاميون إلى فخ العمل السياسي مبكرا، فدخلوا في أول استحقاق انتخابي مثقلين بتجاربهم السابقة، وتعنونت مسمياتهم القديمة تحت أسماء جديدة، وصار كل فريق منهم فريقا من الفرقاء، بدلا من أن يكونوا طريقا لسائر الفرقاء، فما الذي فرقهم إذا كانت مرجعيتهم وأهدافهم واحدة؟ لكنهم تداركوا الأمر نسبيا بعد فوز بعضهم في الانتخابات.

لم تكن أجهزة السلطة العميقة وشبكة نفوذها الكثيفة نائمة عن تغيير ما بعد فبراير/شباط 2011، وكانت تعدّ عدتها الإعلامية والعسكرية والأمنية والسياسية لاسترجاع قواها وتحصين مواقعها، فأعادت تأسيس مؤسساتها الإعلامية ورتبت كتائبها العسكرية والأمنية، وغيرت مواقعها في واجهاتها السياسية، واستطاعت أجهزة السلطة العميقة ورجال المال العام توحيد قدر كبير من صفوفهم في أول استحقاق انتخابي تحت لافتة واحدة، وحققوا نصرا استعادوا به تثبيت بعض أركانهم التي اهتزت في فبراير/شباط 2011، وبقيت تركة شبكة علاقات مشروع ليبيا الغد موزعة بين بعض الفرقاء.
 
لم تكن أجهزة السلطة العميقة وشبكة نفوذها الكثيفة نائمة عن تغيير ما بعد فبراير/شباط 2011، وكانت تعدّ عدتها الإعلامية والعسكرية والأمنية والسياسية لاسترجاع قواها وتحصين مواقعها
تعاملت أجهزة السلطة العميقة ورجال المال العام وحلفاؤهم مع العمل السياسي بالمنطق الثوري للحفاظ على ما تبقى من مواقعهم بعد زلزال فبراير، ومنع قوى التغيير الجديدة من اختراق صفوفها، فأعدوا للأمر عدته، وتعامل أغلب الإسلاميين مع الحراك الثوري والعمل السياسي بأسلوب المواءمة والملاءمة، القائم على طريقة تصور المشتغلين بالشأن السياسي  لمفاهيم أصولية دقيقة كمفهوم الضرورة والمصلحة والمفسدة، وتحقيق المناط الخاص، ومراعاة المآلات دون قراءة محيطة بالمرحلة، وطبيعة تكوين السلطة العميقة ووسائلها في إدارة الصراع وفي حماية نفسها، وفي استيعاب الخصوم أو النيل منهم، والانتباه إلى الخيط الناظم بينها وبين شبكة المصالح العربية والدولية.

أدركت جيدا حركة الردة الثورية أن أي تغيير في ليبيا لا بد أن تكون بنغازي قطب رحاه، فمكروا لها بالليل والنهار في وقت مبكر ليعيدوها إلى الرضوخ الذليل.

بدأت مراحل المكر الأولى بعد ثورة فبراير مباشرة باستخدامهم الوسائل الثورية للكيد للتغيير الثوري، ثم بمحاولات الاغتيال المعنوي لرموز الثورة، وعلى رأسهم الشيخ الصادق الغرياني، تلتها مرحلة الاغتيال الجسدي منذ سبتمبر/أيلول 2013 تقريبا، وهي الفترة التي بدأت فيها عمليات الاغتيال المنظمة في بنغازي دون غيرها من المدن الليبية، وطالت شرائح متنوعة رافقتها حملة الإعلام المسيلمي (نسبة إلى مسيلمة الكذاب) الشرسة لتوجيه مسار الاغتيالات في اتجاه واحد.. ويكاد لا يمر يوم في بنغازي دون أن نسمع عن عملية اغتيال، وفي بعض الأحيان يكون الخبر غير صحيح، وبعض من اغتيلوا هم من الضباط الذين شاركوا في ثورة فبراير.

كان واضحا أن مسار الاغتيالات بهذا "الأداء المهني" يسير وفق هدف محدد، كان إعلام حركة الردة الثورية يوجه مسار الاغتيالات نحو كتائب الثوار وأنصار الشريعة، وأنهم وحدهم المسؤولون عن هذه الاغتيالات، لكن أنصار الشريعة وكتائب الثوار موجودون في عدة مدن، وفي ذلك الوقت كان أنصار الشريعة يسيطرون على مدينة سرت، وسرت هي أحد أهم معاقل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لسلطة القذافي، فلماذا يغتال أنصار الشريعة القيادات الأمنية والعسكرية في بنغازي ويتركونهم في سرت؟ وصار موضوع الاغتيالات لغزا يتبارى الليبيون في حله، بحسب وجهة الإعلام التي توجههم.

اختلطت الأوراق بشكل منظم في شأن الاغتيالات، ويتحمل كتائب الثوار في بنغازي، وكذلك الثوار الذين شاركوا في الحكومات المختلفة جزءا من المسؤولية، وذلك بعدم قدرتهم على تأمين مدينتهم، وكشفهم عن هذه الجرائم، سواء فشلوا أم أُفشلوا -أو كان الأمران معا- في تحقيق هذا الواجب الأخلاقي.

كان واضحا أن كثيرا من هذه الاغتيالات خلفها عمل استخباراتي كبير، يسعى لتهيئة الرأي العام لمشروع عودة المنطقة إلى حظيرة العبودية السياسية، وهذا ما اتضحت معالمه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2014.

كانت بنغازي مستهدفة في ذاتها، وبدا أن مشروع إعادة منظومة علاقات السلطة السابقة من مصر إلى تونس، لا يمكن أن يتم وبنغازي مستقرة تؤسس لعصر الإرادة والحرية، ودليل ذلك أن بنغازي منذ منتصف مايو/أيار 2014 يباد فيها العمران والإنسان، وتفقد المدينة شبابها، وتباد أحياؤها العتيقة بالقنابل العنقودية وبراميل الموت المتفجرة، والطائرات المجهولة، ولا بواكي لها، فبنغازي تُصلب على منارة الحرية ويقدم دمها قربانا لمذبحة المصالح الإقليمية والدولية، في صمت متعالٍ وماكر من المجتمع الدولي والعربي، وصمت محلي غافل ومغفل ومتواطئ، وكأن هناك اتفاقا على عقوبة المدينة ودمارها، وتغيير بنيتها السكانية وروحها الثورية.

انتهت عمليات الاغتيالات المنظمة في بنغازي، وبدأت عمليات القتل والخطف المعلنة مع بدايات الغزو الهلالي في منتصف مايو/أيار 2014. ولحاجة ربما ستتكشف معالمها في قابلات الأيام، انقسمت ليبيا بعد هذا الغزو إلى فريقين، وخرجت سرت فجأة "متدعوشة" بين الفريقين.

أدرك المدركون أن العاصفة الهلالية الفرعونية بأذرعها العسكرية والأمنية والإعلامية لا تبقي ولا تذر، فحزموا حقائبهم، لتواجه بنغازي مصيرها المجهول.

بعد هذا الغزو تباينت المواقف في الصف الثوري، فبعضهم تواطأ مع الغزاة، وبعضهم اختفى من المشهد، ولم يكن لهم موقف واضح من الظلم الذي تتعرض له بنغازي، فهل استزلهم المغنم الشخصي وحال بينهم وبين اتخاذ المواقف المنسجمة مع القيم الثورية؟

ربما سيكتب التاريخ أنه فتح أبوابه لكل الذين يريدون تغيير ليبيا نحو الأفضل، لكنهم أضاعوا فرصة قلما يجود الزمان بمثلها، والتيار الإسلامي جزء من هذا الكل، ويتحمل قدرا من مسؤولية نكبة بنغازي

هناك عدة أسباب تتعلق بالتحولات التي تحدث لبعض الثوار بعد الثورة، والتي تصل أحيانا إلى النكوص على الثورة، وهي ليست ظاهرة غريبة في  مسار الثورات، بل هي معروفة وجديرة بالدراسة، لأن جدل العلاقة بين مراكز القوة القديمة والقوة الصاعدة الجديدة يحتاج إلى فك بعض غموضه.

مع اشتداد الغزو الهلالي، وبداية الرياح العاتية الفتاكة التي عصفت بمدينة بنغازي منذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2014 وعودة ما يسمى بالأمن الداخلي، وهو أحد أجهزة القذافي الأمنية، واستخدامه لأصحاب السوابق من داخل المدينة في شل الحركة وهدم البيوت ونشر القتل والخطف والرعب تحت مرأى ومسمع الجميع، ووصل الأمر إلى تدنيس المسجد والدخول عليه بالأحذية والسلاح، واختطاف اثنين من حفظة القرآن الكريم، أحدهما أثناء إمامته للناس وانتزاعه من المحراب، والآخر كان مأموما، وتعذيبهما وقتلهما بطريقة بشعة!

ربما سيكتب التاريخ أنه فتح أبوابه لكل الذين يريدون تغيير ليبيا نحو الأفضل، لكنهم أضاعوا فرصة قلما يجود الزمان بمثلها، والتيار الإسلامي جزء من هذا الكل، وهو بتوجهاته المختلفة، الرسمي منها وغير الرسمي، المنظم وغير المنظم، يتحمل قدرا من مسؤولية نكبة بنغازي لعدم قدرته على حسن استثمار الفرص، واستيعاب المرحلة، وسد الفراغ القديم المتجدد.

"أوَلمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم" (آل عمران: 165).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك