محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

كاتب ووزير فلسطيني سابق

مشروع تهدئة بلير، بين حماس وإسرائيل، يكتنفه الغموض ويلفه التوجس، ويذهب باتجاه السراب ما لم يكن مشروعاً متكاملاً واضحاً ومحدداً، ويبدأ بخطوات إنسانية على الأرض تشي بالأمل الذي يتسرب بين ظلام الإحباط والعداء الذي يلف غزة.

تواترت الروايات في الأسابيع المنصرمة عن لقاءات متعددة منعقدة بين حماس وبلير، غايتها الوصول إلى تهدئة محدودة زمنياً مقابل رفع الحصار بشكل كامل عن غزة.

تهدئة بين حماس وإسرائيل ليس بدعاً من القول ولا مستجداً في الشأن الفلسطيني، ولو عادت بنا الذاكرة السياسية فقد كان الشيخ أحمد ياسين قد أكد أن حماس توافق على هدنة مقابل الانسحاب الكامل من حدود 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. وفي ولاية أبي مازن كرئيس وزراء عام 2003 تم الاتفاق على تهدئة، وبعد فوز حماس في انتخابات 2006 خاض السويسريون محاولات جادة ومعمقة وطويلة في تجربة الوصول إلى هدنة بين حماس و(إسرائيل)، ولم ينضج هذا الملف لاعتبارات فلسطينية وإقليمية ودولية، وبعد الحروب الثلاث 2009، 2012، 2014 دخلت حماس في اتفاقات تهدئة مع الاحتلال.

بلير سيئ الصيت والتاريخ والمنحاز بالكامل إلى الرؤية والرواية الصهيونية بعد أن خرج من الرباعية يريد أن يعود إلى المشهد بشكل دراماتيكي يتفوق على نفسه ممثلاً للرباعية

بلير سيئ الصيت والتاريخ والمنحاز بالكامل إلى الرؤية والرواية الصهيونية بعد أن خرج من الرباعية (ولا نعرف الآن باسم من يتحدث) يريد أن يعود إلى المشهد بشكل دراماتيكي يتفوق على نفسه ممثلاً للرباعية، وذلك بأن يطرق باب حماس، حيث يمثل ذلك أكثر حضوراً وأعظم تأثيراً خاصة وقد اجتازت حماس مرحلة الاستئصال وشبت على طوق اللاعب الرقم في معادلة إقليم مضطرب يموج بالفوضى والمتغيرات والصراعات.

وحماس اليوم بالتأكيد في أمسّ الحاجة إلى أن يُطرق بابها بعد أن رماها إقليم يموج بالفتن عن قوس واحدة، حيث لم تُطبق عملياً المصالحة (اتفاق الشاطئ 2014)، والسلطة تأبى متابعة التزام (إسرائيل) اتفاق الهدنة (أغسطس/آب 2014)، وذهبت قرارات مؤتمر إعادة إعمار غزة في القاهرة (أكتوبر/تشرين الأول 2014) أدراج الرياح، ولذا تجد حماس نفسها مضطرة إلى قرع الخزان لتهدئة غليان شعب أرهقه الظلم والحصار وانسداد الأفق.

وانفجار غزة المتوقع الذي أكدته مجموعة الأزمات الدولية في تقريرها الذي قالت فيه "إن احتمالية الحرب والانفجار مع غزة أعلى من احتمالية التهدئة " سيطال (إسرائيل) ومصر، ومن هنا تتقاطع الدوافع في الذهاب باتجاه مشروع تهدئة، حيث ترى (إسرائيل) أن حماس لم تسقط وخرجت أقوى، وأنها أي (إسرائيل) ليست بصدد احتلال غزة للكلفة العالية والمسؤولية المباشرة عن السكان وعدم ضمان النتائج.

وفي ظل حمَّى التنظيمات المتطرفة التي تقرع حدود (إسرائيل) الشمالية والجنوبية، فليس في المصلحة فراغ قيادي في غزة، عدا نجاح تجاربها للتهدئة المؤقتة مع حماس سابقاً، ورغم أن حماس تمثل رأس حربة المقاومة ومشروعها في فلسطين إلا أن (إسرائيل) تدرك عقلانية حماس وقدرتها على إدارة مشروع المقاومة وفق حدود اللعبة، وبما يضمن سلامة مصير مليوني فلسطيني، وما زالت عين (إسرائيل) على جنودها الأسرى لدى حماس.

على الجانب الآخر فإن حماس قوية ومسيطرة في غزة في هذه المرحلة قد يمثل مصلحة كذلك لمصر في ظل هجمات "ولاية سيناء"، ورغبة في عدم فقدان ورقة القطاع المهمة، ولذا فإن رغبة مصر تتمحور حول تحرك حماس من قناتها وولادة للتهدئة من رحمها وليس رفضاً مطلقاً لمشروع التهدئة.

وأميركياً وأوروبياً، فإن مشروع تهدئة مع حماس يجد مباركة رغبة في صيانة التحالف الدولي ضد "الدولة الإسلامية " وعدم اندلاع حرب جديدة في غزة، وما قد يترتب على ذلك من تفكيك التحالف ودفع مهاجرين جدد يركبون البحر إلى أوروبا.

لقد ألقت حوارات مشعل–بلير حجراً ثقيلاً في بركة غزة الداخلية والمليئة بالجراحات والهموم والأوجاع، فقائل إلى سقر، وقائل لقد كفر، وقائل امنحوه فرصة أخيرة، وقائل لا مناص.

حاول مشعل في لقاء مطول تبسيط مشروع "تهدئة بلير" بالتأكيد على أنه حديث لمعالجة أزمات غزة في مشاكل خمس (الإعمار، رفع الحصار وفتح المعابر، رواتب الموظفين، بناء ميناء ومطار لغزة، البنى التحتية والكهرباء)، مؤكداً أن حل هذه المشاكل سيوفر بيئة لـ (تثبيت وقف إطلاق النار)، وهو المصطلح الذي اعتمدته حماس مؤخراً في روايتها لمفاوضات بلير–مشعل.

وقد أكد مشعل هذه الاتصالات نافياً أن تكون قد وصلت إلى شيء محدد أو حتى ملامح أولية لمشروع اتفاق، بينما بلير ما زال يطوف العواصم عارضاً طبخة تقول حماس إنها لم تنضج بعد، مؤكداً أن بلير أطلع الإسرائيليين والأميركان والأوروبيين والسعودية ومصر والأردن بذلك، وذهب بعيداً داعياً مشعل إلى لندن لإتمام التفاوض، فيما أكد الزهار أن حماس رفضت تلبية الدعوة.

فحركة فتح أطلقت العنان لكل الألسنة والناطقين والكتاب والمحللين في هجوم غير مسبوق على حماس، عناوينه الرئيسية وفق القراءة الفتحاوية وحدانية التمثيل السياسي، وأنه لا يمكن تجاوز الرئيس عباس، وأنه خروج عن الإجماع الوطني، محذرة من مشروع انفصال القطاع عن الضفة مقابل التنمية، وتفرد حماس بالقرار الفلسطيني، وإخراج القطاع من دائرة الصراع، ومنع قيام دولة في حدود 1967، وفي أقسى التعليقات أن حماس ستصبح وكيلاً أمنياً للاحتلال في قطاع غزة، وأن ذلك يؤسس لإنشاء مليشيات روابط جديدة للقرى (في إشارة إلى روابط القرى سيئة الصيت إبان الاحتلال)، وتعهدت فتح بالعمل على إحباط الاتفاق وإفشاله مطالبة بالدعوة إلى التوقف عن هذه الحوارات بشكل عاجل.

حماس تؤكد أنها لا تقبل بقيام دولة في غزة ولا دولة بدون غزة، وأن إستراتيجيتها هي التحرير، وأنه رغم الآلام لن تنسى القدس والضفة

فيما بدت حماس في موقع دفاعي، مؤكدة على لسان هنية أنها لا تقبل بقيام دولة في غزة ولا دولة بدون غزة، وأن إستراتيجية حماس هي التحرير، مؤكداً أنه ورغم آلام غزة "لن ننسى القدس والضفة". فيما أكدت حماس أنها مجرد حوارات غير ناضجة، وما خرج منه غير دقيق (لتثبيت وقف إطلاق النار) المتفق عليه في القاهرة دون أن يكون ذلك له علاقة بتسوية سياسية، وأن أي تفاهم لن يخرج إلا عبر وفاق وطني فلسطيني للفصائل ومنها حركة فتح، متهمة السلطة وعباس بعدم تحمل مسؤولياته الوطنية والأخلاقية تجاه غزة.

 (إسرائيل) أخرجت لسانها عبر (يعلون) الذي نفى وجود أي تفاوض بشكل غير مباشر مع حماس، بينما هاجمت ليفني مشروع بلير معتبرة أن ذلك مؤشر ضعف أمام حماس ويمنحها شرعية لم تستطع نيلها منذ 2006، بينما عبّر البعض عن رضاه معتبراً ذلك مدخلاً لإعادة العلاقة مع تركيا والتوحد في مواجهة إيران خاصة أن المشروع لا يُلزم (إسرائيل) بوقف الاستيطان والانسحاب من الضفة، وهذا يحرر (إسرائيل) من الضغوط الدولية لرفع الحصار عن غزة، فضلاً عن أن الممر المائي منفذ بحري تحت عين (إسرائيل).

في قراءة موضوعية عميقة ورغم جملة المحاذير والمخاطر التي تحيط بسلوك هذا الطريق فإن حماس في سعيها لتثبيت وقف إطلاق النار ورفع الحصار بشكل حقيقي عن غزة المكلومة، والتخفيف من المعاناة الإنسانية، الجاثمة على صدور أهلها، وربما كذلك رغبة في البحث عن موطئ قدم في إقليم مضطرب وعالم يموج بالمتغيرات، ومحيط يناصب حماس العداء، فإن حماس -كما يبدو- أقدمت على الدخول في طريق فيه شوك وقد شمرت واجتهدت وكانت حريصة على بقاء مباحثاتها مع بلير في السياق الإنساني، من هنا فقد وافقت على عرض بلير بتشكيل لجنة دولية لتنفيذ مشاريع الإعمار في غزة وفتح مكتب على غرار المكتب القطري، متجنبة قدر المستطاع المستنقع السياسي الذي غرق فيه آخرون سلكوا ذات الطريق، فبدأ الأمر بنبذ الإرهاب وانتهى بالتنسيق الأمني، خاصة أن حماس ما زالت تمتلك صورة الطهارة الثورية عبر أجيال من الشهداء وملاحم قتال خالدة خاضتها في مواجهة الاحتلال.

من الواضح أن الثعلب بلير يذهب بهذه المباحثات إلى المنحى السياسي، ويؤكد أن الخطوة الأولى تتمثل في الإعلان عن وقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر قبل الشروع في خطوات رفع الحصار، مكرراً أنه تلقى موافقات إيجابية من الأطراف ذات الصلة (إسرائيل) رغم نفي يعلون الرسمي. في القراءة الميدانية لا شيء تغير، ورسالة يعلون، وخطف الشبان الأربعة في مصر، والهجوم الإعلامي المستعر من السلطة ينفي ما يردده بلير في الغرف المغلقة.

ومن هنا فإن القراءة السياسية لمشروع "تهدئة بلير" تحذر من المنحى السياسي لتهدئة تخلخل النسيج الوطني الهش، وتسمح بتدشين خطة انفصال غزة القائمة حقاً في العقلية الصهيونية والتي دفع الشعب الفلسطيني وعلى رأسه حماس ثمناً باهظاً من أجل الحفاظ على هذه اللحمة رغم شرخ الانقسام المتزايد، خاصة وأن الرئيس عباس يقدم على إعادة تشكيل اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني بشكل منفرد باتجاه برنامجه التفاوضي تحت عين الاحتلال بمباركة عربية واحتضان دولي، وهذا يستدعي إعادة النظر في منهجية الأداء الوطني الفلسطيني، بحيث يراعي الإجماع الوطني والتفرغ لاستحقاق إدارة المرحلة الخطرة بجسم وطني جامع قدر المستطاع في ظل تفرد وهيمنة غير مسبوقة من الرئيس عباس.

وعلى قاعدة "لست بالخب ولا الخب يخدعني " فإن على حماس الحذر من أن ما يريده بلير فقط هو التفاوض وليس مخرجاته للضغط على الرئيس عباس لمزيد من التنازل، أو تثبيت موقعه الشخصي فقط في المشهد الشرق أوسطي.

إذا ما تضمنت شروط التهدئة بين حماس وإسرائيل ميناءً بحرياً، فإن هذا سيحرر حماس وقطاع غزة جزئياً من الحصار والابتزاز السياسي وسيوفر ممراً آمناً, وسيتيح لإسرائيل هدوءاً مرغوباً

وتحتاج حماس التحقق من توفر ضمانات دولية ملزمة للاحتلال بالاستحقاقات المطلوبة، وخاصة ما تم الاتفاق عليه في تهدئة ما بعد ملحمة 2014، مع الحذر من معادلة "الإعمار مقابل السلام"، وأن يأتي الاتفاق ضمن توافق وطني مع الانتباه الشديد لعدم فصل غزة عن الضفة وعدم التورط في خطوة أولى في مشروع غيورا آيلاند والمتمثل بدولة في غزة تتسع جغرافياً إما بالتفاهم مع مصر في سيناء أو إلى الشرق في صحراء النقب.

تمثل التهدئة المقترحة مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، بخاصة حماس و(إسرائيل)، فإن تمّت التهدئة فإن حماس لن تضطر إلى الاعتراف بـ (إسرائيل) والتخلي عن سلاحها، وهي ترفض تحويل التهدئة إلى تفاوض سياسي، وإذا ما تضمنت شروط التهدئة ميناءً بحرياً، فإن هذا سيحرر حماس وقطاع غزة جزئياً من الحصار والابتزاز السياسي الذي يرافقه وسيوفر لغزة ممراً آمناً. وبالنسبة إلى (إسرائيل) تتيح التهدئة هدوءاً مرغوباً، وتقلص إمكانية انفجار غزة.

إن مشروع تهدئة بلير يكتنفه الغموض ويلفه التوجس ويذهب باتجاه السراب ما لم يكن مشروعاً متكاملاً واضحاً ومحدداً، ويبدأ بخطوات إنسانية على الأرض تشي بالأمل الذي يتسرب بين ظلام الإحباط والعداء الذي يلف غزة بما اقترفت أيدي المعتدين والمتواطئين. ومن هنا فإن على حماس النظر في مشروع جاهز بسقفه النهائي وليس إلى قصاصات ورقية تمثل كلمات متقاطعة، وهذا إلى الآن غير متحقق ولا أرى له أفقاً.

كل ما سبق لا يعني أن "تهدئة بلير" تلوح في الأفق، فمبادئ الأطراف المتناقضة ومصالحها المتقاطعة قد تجعل التهدئة بمثابة "سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً".

المصدر : الجزيرة

التعليقات