عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

هذه المقالة تركز على مواقف الدول الكبرى من القضية الإسلامية ودور هذه المواقف في تفاقم المحنة. ونقصد بالدول الكبرى الدول الست: إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا ثم روسيا والصين.

العالم الإسلامي يعيش محنة خطيرة، بعد أن أصبح القاتل مسلما يزايد على المسلمين، والقتيل مسلما والمسرح إسلاميا وفي قلب دوله العريقة العراق والشام حيث خرج كبار الفقهاء وأئمة الفقه والعلوم الدينية.

للمحنة أسباب عديدة، لكن هذه المقالة تركز على مواقف الدول الكبرى من القضية الإسلامية ودور هذه المواقف في تفاقم المحنة. ونقصد بالدول الكبرى الدول الست: إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا ثم روسيا والصين.

الدول الأربع الأوروبية والغربية لها رصيد هائل من المعرفة الإسلامية من خلال الاحتكاك الطويل بالعالم الإسلامي ومراكز الدراسات الإسلامية والمستشرقين

أما الدول الأربع الأوروبية والغربية فلها رصيد هائل من المعرفة الإسلامية من خلال الاحتكاك الطويل بالعالم الإسلامي ومراكز الدراسات الإسلامية والمستشرقين خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

أما الولايات المتحدة فلها باع طويل في السياسات الإسلامية بحكم تأثيرها أكثر من بريطانيا وفرنسا، يضاف إلى ذلك أن جاليات إسلامية كبرى تعيش في هذه الدول، وتتذرع هذه الدول بمبدأ حرية الرأي وهي تسيء إلى الرموز الإسلامية، فتلهب الرأى العام في الدول الإسلامية.

أما الرموز والجاليات اليهودية فتحميها تشريعات أوروبية من أي عمل تعتبره مناهضا للسامية، واتسع نطاق تفسير هذه الجريمة بحيث صارت تشمل أي نقد أو هجوم على السياسات الإسرائيلية، مما أوجد تمييزا ينطوي على استخفاف بالرموز الإسلامية واستباحتها تحت ذريعة الحرية، واحترام مبالغ فيه لنظيراتها اليهودية.

فالتأثير الصهيوني الشعبي أو الرسمي ظاهر على سياسات هذه الدول تجاه العالم الإسلامي. بل إن الدعاية الصهيونية، وتدهور الواقع الإسلامي مكن هذه الدعاية من أن تكتسب مصداقية في الربط السهل بين المقاومة والإسلام عموما وبين الإرهاب، حيث أغفلت هذه الدعاية الجماعات اليهودية المتطرفة الإرهابية وقطعان المستوطنين ضد المدن والقرى الفلسطينية وزراعاتها ومنازلها.

بل تجاهل الإعلام الأوروبي أعمال الإرهاب التي قامت عليها إسرائيل، واستمرار إرهابها ضد الفلسطينيين وشبابهم وحصار غزة وسلسلة المجازر التي ارتكبتها.

تشترك الدول الأربع السابقة بدرجات مختلفة في أثر الصهيونية على تشكيل سياساتها الإسلامية. والسياسة الإسلامية تشتمل على درجتين، الأولى هي موقف الدولة من أقلياتها الإسلامية والتي تستفيد إلى حد كبير من دستور الدولة وقوانينها خاصة إذا حمل المسلمون جنسيتها.

أما الدرجة الثانية فهي موقف الدولة من القضايا الإسلامية. هذه الدول الأربع تشترك في الحذر من الإرهاب الذي تقوم به عناصر إسلامية من الخارج أو من أبناء هذه الدولة.

فقد شجعت واشنطن الشباب الإسلامي على الانتظام في القاعدة ثم طالبان لمحاربة السوفيات في أفغانستان ثم الدخول في حرب أهلية ثم كان الفصل الأخير حين شجعت شباب الأقليات الإسلامية فيها وغيرها للانضمام إلى داعش لمحاربة بشار الأسد وحزب الله وإيران في سوريا وتحويل الحرب إلى حرب طائفية، ثم لما استشعرت الخطر بين العائدين إلى مجتمعاتها حظرت عودتهم وقررت مطاردتهم وهي ترى الدول الإسلامية تحترق بأفعال داعش البربرية، بينما ظلت إسرائيل شاطئ الأمان.

عند هذا الحد تراجعت القدس والقضية الفلسطينية وانهمكت التيارات الإسلامية في حروب إسلامية – إسلامية وطائفية، تدمر المدن السورية سعيا إلى إسقاط النظام "العلوي المعادي".

بقيت روسيا والصين، فلم يعرف لهما سياسات إسلامية داخلية أو دولية. فالولايات المتحدة مثلا تأثرت سياستها الإسلامية بمصالحها البترولية والتجارية والصراع مع روسيا السوفياتية وبإسرائيل. ثم نسجت سياسة خاصة بتوظيف التيار الإسلامي في تحقيق أهداف سياساتها الدولية في أفغانستان عدة مرات، أبرزها ضد الغزو السوفياتي لأفغانستان، ومحاربة القاعدة وطالبان ودعم المسلمين في الشيشان لمناهضة موسكو ضمن السياسة الأميركية في تقويض الإمبراطورية السوفياتية ثم ملاحقة الوجود الروسي نفسه والإطار الإقليمي الذي يتحرك فيه.

وجدت واشنطن في الثورة الإسلامية الإيرانية مهددا لنفوذها في الخليج فشجعت الطائفية وأشعلت جبهات ورطت فيها إيران وحزب الله بعد إضعاف العراق لإضعاف الطرفين لصالح إسرائيل

ثم وجدت واشنطن في الثورة الإسلامية في إيران مهددا لنفوذها في الخليج فشجعت الطائفية وأشعلت جبهات ورطت فيها إيران وحزب الله بعد إضعاف العراق لإضعاف الطرفين لصالح إسرائيل بأن وظفت التيار الإسلامي مرة أخرى في سوريا ليحارب إيران وحزب الله بشكل مباشر وينال منهما أكثر مما يمكن أن تنال إسرائيل بأي تكلفة سياسية أو عسكرية من غريميها.

فالسياسة الإسلامية الأميركية سياسة متنوعة وفعالة في حماية إسرائيل وتمكينها في المنطقة ضد المقاومة الإسلامية، وكذلك استخدام هذا التيار للضغط على بعض الحكومات العربية لتحقيق مصالح أميركية في علاقاتها الثنائية مع هذه الحكومات.

وأخيرا حققت واشنطن أهدافها في إضعاف موسكو بالورقة الإسلامية. ولكن واشنطن عمدت إلى إحراق هذه الورقة الإسلامية بمسرحية 11 سبتمبر، عندما شعرت بتفاقم خطرها وخاصة دور ثورات الربيع العربي، وتصدر التيار الإسلامي للساحة السياسية واهتمت بإحراق هذه الورقة في الساحات الداخلية الإسلامية.

هذا مدخل هام لدراسة السياسة الإسلامية لروسيا والصين، ما دامت الأقليات أو المكونات الإسلامية فيها تمثل خطرا وقلقا. ويمكن القول إن السياسة الروسية والصينية هي سياسة دفاعية أو مواجهة السياسة الإسلامية الأميركية الهجومية.

ففي الصين جمهورية تركستان الشرقية التي تمثل بؤرة للقلق ضد نظامها الشيوعي الذي لا يتسامح مع الأديان، تأثرت بثورات الربيع العربي وخاصة صعود التيار الإسلامي سياسيا في مصر وتونس وغيرها وأثار ذلك قلق الصين خاصة وأن تركستان طالبت بالاستقلال أو الحكم الذاتي أو على الأقل الحرية الدينية، وإزاء قمع المسلمين بعد هزيمة التيار الإسلامي التي شجعتها الصين، قامت حركات انتقامية، فعززت عند الصين علاقة الإسلام بالإرهاب رغم إرهاب البوذيين ضد المسلمين في بورما القريبة منها.

ويبدو أن واشنطن تدعم معنويا الأقلية الإسلامية وتحاذر الصين من التدخل في شؤونها الداخلية تحت ستار حماية حقوق الإنسان منذ 1989 وميدان تيانانمين أو الربيع الصيني. وهذا هو سبب عداء الصين للربيع العربي وسعادتها لظهور القوى المضادة وهزيمة التيار الإسلامي. ولذلك لا تتعاطف الصين مع القضايا الإسلامية ولكنها ترى أن حادث 11 سبتمبر كان ذريعة لتعظيم القوة الأميركية.

أما حالة روسيا، فهي أقسى من حالة الصين، حيث عانت روسيا منذ تحلل الاتحاد السوفياتي عام 1990/1991 من انفصال الجمهوريات الصغرى والكبرى وتحلل روسيا نفسها بخلاف الوحدات السوفياتية السابقة، وأبرزها حرب روسيا ضد انفصال جمهوريات القوقاز خاصة الشيشان رغم أن بعض جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية مثل كازاخستان وأوزبكستان وتركمنستان وغيرها انفصلت برضى موسكو وتم تسوية مسائل التوارث بشكل ودي.

ولكن الشيشان حاربت روسيا على أساس أيديولوجي وأيدتها الدول الإسلامية ربما بسبب دعم واشنطن وإيعازها أكثر من أن يكون الدعم الإسلامي بسبب العاطفة الإسلامية. وكانت واشنطن تدعم بشكل ظاهر استقلال الشيشان، كما كانت دائمة الانتقاد لانتهاكات موسكو لحقوق الإنسان فيها، ضمن سياسة واشنطن في استخدام حقوق الإنسان في سياستها الخارجية.

وقد ظهرت سياسات موسكو وبكين بالمنظور الذي عرضناه بشكل خاص في المشهد السوري والمصري. ففي سوريا وقفت موسكو وبكين موقفا داعما لنظام الأسد، تارة كيدا في واشنطن، وتارة أخرى وبشكل أوضح ضد الجماعات التكفيرية خاصة داعش.

العامل الإسلامي هو واحد من أهم عوامل التقارب بين موسكو ونظام السيسي الذي جعل برنامجه الأساسي محاربة التيار الإسلامي واستئصال الإخوان المسلمين

ومعنى ذلك أن الخليج وإسرائيل وواشنطن في كفة بينما إيران وحزب الله والنظام السوري وموسكو وبكين في كفة أخرى في حرب حقيقية بالوكالة. وصار نجاح الأسد وحلفائه هزيمة للمعسكر الآخر جميعا، حتى لو ضاعت سوريا.

أما في مصر، فقد كان العامل الإسلامي هو واحد من أهم عوامل التقارب بين موسكو ونظام السيسي الذي جعل برنامجه الأساسي محاربة التيار الإسلامي واستئصال الإخوان المسلمين. وكانت موسكو أول من قرر أن التيار الإسلامي والإخوان منظمات إرهابية، ولذلك عندما أعلنت الحكومة المصرية الإخوان كمنظمة إرهابية كانت تلحق بموسكو ووجدت منها دعما كاملا ضد هذا العدو المشترك، وهذا العامل هو المسيطر على موقف مصر الحالي من الأزمة السورية، وهو من عوامل التقارب المصري الروسي فكلاهما قولا واحدا ضد كل التيارات الإسلامية دون تمييز.

على الجانب الآخر، تدرك واشنطن أن هذا الموقف دعم لموسكو وعرقلة لسياستها في العالم الإسلامي، فلم تعترف أن الإخوان منظمة إرهابية لكنها لعبت دورا ولا شك في إزاحتهم رغم ما يبدو على العكس في الإعلام المصري. هذا السبب هو أحد أسباب تحفظ بريطانيا وألمانيا وفرنسا إزاء اندفاع الحكومة المصرية لكي تقبل أن الإخوان جماعة إرهابية.

الخلاصة أن الدول الست تشترك في الكيد للمسلمين بدرجات مختلفة، ولكن ثلاثة منها تستخدم المسلمين -خاصة واشنطن- ضد روسيا والصين بينما تنزل الدولتان بمسلميها سوء العذاب بتهمة أنهم جزء من المؤامرة الأميركية. ولا شك أن محنة العالم الإسلامي الحالية تغري الدول الكبرى بالقضايا الإسلامية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك