​جيفري د. ساكس

​جيفري د. ساكس

المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية.

الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، قدم دليلاً قوياً على قدرة مجلس الأمن على القيادة, وهو قادر على ذلك أيضا في سوريا.

إن سفك الدماء المتواصل في سوريا ليس فقط الكارثة الإنسانية الأعظم على الإطلاق في العالم اليوم، بل إنه يشكل أيضاً أحد أعظم المخاطر الجيوسياسية التي تواجهه.

ومن الواضح أن النهج الحالي الذي تتبناه الولايات المتحدة -خوض حرب على جبهتين ضد تنظيم الدولة الإسلامية ونظام الرئيس بشار الأسد- فشل فشلاً ذريعا. إن أي حل للأزمة السورية، بما في ذلك أزمة اللاجئين المتنامية في أوروبا، لا بد أن يمر عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

تمتد جذور إستراتيجية الولايات المتحدة في سوريا إلى ذلك الاتحاد الغريب بين مصدرين من مصادر السياسة الخارجية الأميركية, أحدهما يشمل المؤسسة الأمنية الأميركية، والثاني هو مجتمع حقوق الإنسان

تمتد جذور إستراتيجية الولايات المتحدة في سوريا إلى ذلك الاتحاد الغريب -وغير الناجح- بين مصدرين من مصادر السياسة الخارجية الأميركية. أحدهما يشمل المؤسسة الأمنية الأميركية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات، وأنصارها المخلصين في الكونغرس.

وينشأ المصدر الثاني من مجتمع حقوق الإنسان. وكان هذا الاندماج الغريب واضحاً في العديد من الحروب الأخيرة التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأفريقيا. ومن المؤسف أن النتائج كانت مدمرة على الدوام.

تأتي تحركات المؤسسة الأمنية مدفوعة باعتماد صناع السياسة في الولايات المتحدة منذ أمد بعيد على القوة العسكرية والعمليات السرية للإطاحة بالأنظمة التي تُعَد ضارة بالمصالح الأميركية.

فمن الإطاحة بحكومة محمد مصدق المنتخبة ديمقراطياً في إيران عام 1953، إلى يوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الآخر (الانقلاب العسكري الذي دعمته الولايات المتحدة عام 1973 ضد سلفادور الليندي المنتخب ديمقراطياً في تشيلي)، إلى أفغانستان، والعراق، وليبيا، والآن سوريا، كان تغيير الأنظمة بمثابة حجر الزاوية في عالم السياسة الأمنية في الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، دعمت أجزاء من مجتمع حقوق الإنسان التدخلات العسكرية الأميركية الأخيرة استناداً إلى مبدأ "المسؤولية عن الحماية". ينص هذا المبدأ الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع عام 2005 على أن المجتمع الدولي ملزم بالتدخل لحماية السكان المدنيين الذين يتعرضون لهجوم واسع النطاق من قِبَل حكوماتهم.

وفي مواجهة وحشية صدّام حسين، ومعمر القذافي، والأسد، قرر بعض المدافعين عن حقوق الإنسان توحيد قضيتهم مع المؤسسة الأمنية الأميركية، في حين زعمت الصين وروسيا وغيرهما أن مبدأ المسؤولية عن الحماية تحول إلى ذريعة لتغيير الأنظمة بقيادة الولايات المتحدة.

والمشكلة -كما كان من الواجب على المدافعين عن حقوق الإنسان أن يدركوا منذ زمن بعيد- هي أن نموذج تغيير الأنظمة الذي تتبناه المؤسسة الأمنية الأميركية غير ناجح. ذلك أن ما يبدو وكأنه "حل سريع" لحماية السكان المحليين ومصالح الولايات المتحدة يفضي غالباً إلى الفوضى وانعدام الشرعية، والحرب الأهلية، والأزمات الإنسانية المتنامية، كما حدث في أفغانستان، والعراق، وليبيا، والآن في سوريا. وتتضاعف مخاطر الفشل عندما لا يدعم مجلس الأمن الدولي ككل الجزء العسكري من التدخل.

بوسعنا أيضاً أن نتتبع جذور تدخل الولايات المتحدة في سوريا إلى القرارات التي اتخذتها المؤسسة الأمنية قبل ربع قرن من الزمن بإسقاط الأنظمة المدعومة من قِبَل السوفيات في الشرق الأوسط.

وكما أوضح وكيل وزارة الدفاع آنذاك بول وولفويتز للجنرال ويسلي كلارك في عام 1991: "لقد تعلمنا أننا قادرون على التدخل عسكرياً في المنطقة والإفلات من العقاب، فلن يحرك السوفيات ساكناً لمنعنا... والآن لدينا من خمس إلى عشر سنوات لاقتلاع هذه الأنظمة القديمة الوكيلة للسوفيات -في العراق وسوريا وغيرهما- قبل أن يتسنى للقوة العظمى القادمة (الصين) أن تتحدانا في المنطقة".

عندما اندلعت احتجاجات الربيع العربي, نظرت المؤسسة الأمنية الأميركية إلى الضعف المفاجئ الذي اعترى نظام القذافي ونظام الأسد باعتباره فرصة مماثلة لتثبيت أنظمة جديدة في ليبيا وسوريا

عندما ضرب تنظيم القاعدة الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، استخدمت المؤسسة الأمنية الهجوم كذريعة لشن حربها المرغوبة منذ فترة طويلة للإطاحة بصدّام حسين. وعندما اندلعت احتجاجات الربيع العربي بعد عشر سنوات تقريبا، نظرت المؤسسة الأمنية الأميركية إلى الضعف المفاجئ الذي اعترى نظام القذافي ونظام الأسد باعتباره فرصة مماثلة لتثبيت أنظمة جديدة في ليبيا وسوريا. كانت هذه هي النظرية على أية حال.

في حالة سوريا، كان حلفاء أميركا في المنطقة أيضاً هم الذين طلبوا من إدارة الرئيس باراك أوباما أن تتحرك ضد الأسد. فكانت المملكة العربية السعودية راغبة في رحيل الأسد لإضعاف الدولة العميلة لإيران، المنافس الرئيسي للمملكة على السيادة الإقليمية.

وكانت إسرائيل راغبة في رحيل الأسد لإضعاف خطوط الإمداد الإيرانية إلى حزب الله في جنوب لبنان. وكانت تركيا راغبة في رحيل الأسد لكي يتسنى لها توسيع نطاق نفوذها الإستراتيجي وتثبيت استقرار حدودها الجنوبية.

وقد انضم مجتمع حقوق الإنسان إلى جوقة تغيير النظام عندما رد الأسد على مطالبة احتجاجات الربيع العربي بالتحرر السياسي بإطلاق العنان للجيش والقوات شبه العسكرية. ومنذ مارس/آذار إلى أغسطس/آب 2011، قتلت قوات الأسد نحو ألفي شخص. وعند تلك النقطة، أعلن أوباما أن الأسد لابد أن "يتنحى".

الحق أننا لا نعلم المدى الكامل لتحركات الولايات المتحدة في سوريا بعد ذلك. ولكن على المستوى الدبلوماسي، قامت الولايات المتحدة بتشكيل ما يسمى تحالف "أصدقاء سوريا"، الذي تألف في الأساس من بلدان الغرب والشرق الأوسط الملتزمة بالإطاحة بالأسد.

وبدأت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية العمل سراً مع تركيا لتوجيه الأسلحة، والتمويل، وتقديم الدعم "غير القاتل" لما يسمى "الجيش السوري الحر" وغيره من الجماعات المتمردة التي تعمل لإسقاط الأسد.

وكانت النتيجة الكارثة التامة. ففي حين كانت أعداد القتلى تقترب من نحو خمسمئة شخص شهرياً في الفترة من مارس/آذار إلى أغسطس/آب 2011، توفي نحو مئة ألف مدني -نحو ثلاثة آلاف ومئتي شخص شهريا- في الفترة من سبتمبر/أيلول 2011 إلى أبريل/نيسان 2015، وبإضافة أعداد القتلى من المتحاربين ربما يصل الرقم الإجمال إلى 310 آلاف قتيل، أو نحو عشرة آلاف قتيل شهريا. ومع استغلال تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات المتطرفة الوحشية لحالة الفوضى التي خلفتها الحرب الأهلية، أصبحت احتمالات السلام أبعد من أي وقت مضى.

وقد أنتج التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة أو بدعم منها في أفغانستان والعراق وليبيا كوارث مماثلة. فالإطاحة بالأنظمة شيء، وتثبيت حكومات مستقرة وشرعية في محلها شيء آخر تماما.

وإذا كانت الولايات المتحدة راغبة في تحقيق نتائج أفضل، فيتعين عليها أن تكف عن اتخاذ القرارات والتحركات المنفردة. فالولايات المتحدة غير قادرة على فرض إرادتها عسكريا، ومحاولة القيام بهذا لم تسفر إلا عن اصطفاف دول أخرى قوية، بما في ذلك الصين وروسيا، ضدها.

الولايات المتحدة غير قادرة على فرض إرادتها عسكريا، ومحاولة القيام بهذا لم تسفر إلا عن اصطفاف دول أخرى قوية، بما في ذلك الصين وروسيا، ضدها

والواقع أن روسيا، مثلها في ذلك كمثل الولايات المتحدة، لديها مصلحة قوية في تثبيت الاستقرار في سوريا وإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، ولكن من المؤكد أن السماح للولايات المتحدة بتنصيب أنظمتها المختارة في سوريا أو أي مكان آخر في المنطقة ضد مصلحتها.

ولهذا السبب، كان مصير كل الجهود من قِبَل مجلس الأمن الدولي لصياغة موقف مشترك بشأن سوريا حتى الآن إلى التعثر والإخفاق.

ولكن تجربة مسار الأمم المتحدة مرة أخرى أمر ممكن وحتمي. والواقع أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة) بالإضافة إلى ألمانيا، قدم للتو دليلاً قوياً على قدرة مجلس الأمن على القيادة. وهو قادر على القيادة في سوريا أيضا، شريطة أن تنحي الولايات المتحدة جانباً مطالبتها المنفردة بتغيير النظام وأن تعمل بالتعاون مع بقية المجلس، بما في ذلك الصين وروسيا، على نهج مشترك.

في سوريا، لن يتسنى النجاح إلا من خلال الجهود المتعددة الأطراف. وتظل الأمم المتحدة الأمل الأفضل لدى العالم -بل أمله الوحيد- لوقف حمام الدم السوري ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات