زرواق نصير

زرواق نصير

كاتب جزائري

بإقالة بوتفليقة لرئيس جهاز الاستعلامات والأمن (المخابرات) الذي عمّر في المنصب لمدة ربع قرن كامل، تطوي الجزائر صفحة "تعايش الإكراه" بين مؤسستي الثقل: الرئاسة والمخابرات، وتنهي مرحلة "نظام بوجهين" وفوضى إصدار القرار في ظل "حكم برأسين".

وهي إقالة توّجت جملة من القرارات والإقالات التي باشرها الرئيس بوتفليقة منذ سنوات، وتصاعدت في الفترة الأخيرة، وبلغت ذروتها الأيام الماضية. وهي خطوات وإن اعتبرها فريق الرئيس "عادية" هدفها تطوير وتحديث المنظومة الأمنية، إلا أن وصولها أولا إلى قمة هرم الجهاز العصبي شديد الحساسية (المخابرات) وإلى رأس هذا الهرم تاليا (محمد مدين المدعو توفيق) يجعل المسألة برمتها رغبة في إحداث تغيير عميق في النفوذ وتحويل منظومة الحكم من معادلة "الثنائية الخفية" إلى صيغة "الطرف الواحد" في صناعة القرار.

الجهاز في الأصل أحد أفرع وزارة الدفاع إلا أنه تضخّم إلى الحد الذي ابتلع فيه هيئة أركانها وتغوّل إلى أن أصبح الحاكم الفعلي الخفي للجزائر وصانع حتى الرؤساء

مبدأ القوة
وبما أن إدارة الحكم في الدولة الجزائرية منذ الاستقلال تأسست على مبدأ القوة وقامت على المقاربة الأمنية، وبالتالي فبوتفليقة الذي طالما رفض في خطاباته منذ وصوله إلى الرئاسة بقاءه "ثلاثة أرباع رئيس" في إشارة إلى هيمنة جهاز الاستعلامات على القرار، ما كان له استعادة صلاحيات الرئاسة التي يقررها الدستور بنظامه الرئاسي ما لم يكن هو المتحكم في المنظومة الأمنية كلها وبخاصة جهاز الاستعلامات.

وهذا الجهاز في الأصل أحد أفرع وزارة الدفاع إلا أنه "تضخّم" إلى الحد الذي "ابتلع" فيه هيئة أركانها و"تغوّل" إلى أن أصبح الحاكم الفعلي الخفي للجزائر وصانع حتى الرؤساء، وتحويله مؤسسة الرئاسة إلى مجرد واجهة دستورية منذ تسلمه كل الصلاحيات من جنرالات "النواة الصلبة" في الجيش بعد وقف المسار الانتخابي (عام 1991) واستمراره بنفس القيادة والعقيدة والقوة والنفوذ والانسجام والتماسك.

وإدراكا من بوتفليقة لهذه الحقائق ورفضه لها بما يتمتع به من قوة الشخصية والتاريخ السياسي والطموح والدهاء وحب الزعامة، رفع شعار "تطوير مؤسسات الدولة" وباشر جملة من التغييرات، واستصدر مجموعة مراسيم هي من صميم صلاحياته الدستورية، عبر مسار طويل يمكن تقسيمه إلى مراحل ثلاث: مرحلة التأمين السياسي حيث أحاط نفسه بطاقم تنفيذي قوامه أهل ثقته بمعيار "مناطقي" ليحدث انسجاما بين أعضائه ويضمن ولاءه المطلق ويعمل بروح الفريق الواحد لتنفيذ رؤيته وسياسته.

وقد كان مصدر انتقاد من معارضيه كونها سببا في توسع دائرة الفساد المحمي وإحياء لروح منطق "العشيرة" وإذكاء لنزعة "الجهة". ويمكن اعتبارها بمثابة عامل توازن للقوة في وجه "عصبة" جهاز الاستعلامات. واتسمت هذه المرحلة بإسناد أغلبية الحقائب السيادية والمناصب الحساسة للجهة التي ينتمي إليها الرئيس.

في المرحلة الثالثة، وبعد ضمان ولاء مؤسسة الجيش، تفرغ لجهاز الاستعلامات ورئيسه، فبدأ بخطوات كبيرة لتجريد رئيسه من مصادر قوته المتمثلة في الأجهزة التي تقع تحت سلطته والمقربين منه القائمين على هذه الأجهزة، فقام بوتفليقة (في سبتمبر/أيلول 2013) بتجريد الجهاز من ثلاث مصالح أساسية

ثم مرحلة تغيير القيادات والولاءات عسكريا لعلمه أنه لن يستطيع مواجهة جهاز الاستعلامات "الإخطبوط " دون حماية ظهره بالمؤسسة العسكرية من خلال توطيد علاقته بالرجل القوي في المؤسسة العسكرية (رئيس الأركان) وتشكيل تحالف تعمّق وترسّخ وازداد وثوقا وصلابة، وهو ما سهل تمرير ترقيات بالجملة في الرتب العسكرية وإحداث تغييرات عميقة في المناصب المفتاحية والحسّاسة في الجيش على مستوى وزارة الدفاع وقيادات النواحي العسكرية لضمان الولاء في مقابل إقالة القيادات القوية التي لها ارتباطات وثيقة بجهاز الاستعلامات، إضافة إلى اعتماده المتصاعد على جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية.

وفي المرحلة الثالثة، وبعد ضمان ولاء مؤسسة الجيش، تفرغ لجهاز الاستعلامات ورئيسه فبدأ بخطوات كبيرة لتجريد رئيسه من مصادر قوته المتمثلة في الأجهزة التي تقع تحت سلطته والمقربين منه القائمين على هذه الأجهزة، فقام بوتفليقة (في سبتمبر/أيلول 2013) بتجريد الجهاز من ثلاث مصالح أساسية: أمن الجيش والصحافة والشرطة القضائية العسكرية. كما حل جهاز وحدات التدخل السريع "قوات النخبة" التي كان يشرف عليها رئيس الجهاز وإلحاقها جميعا بسلطة قيادة الأركان.

ثم جاءت تصريحات أمين حزب جبهة التحرير الوطني (فبراير/شباط 2014) غير المسبوقة عن الجهاز ورئيسه صادمة للرأي العام لشدة قسوتها وجرأتها من قبيل أن "المخابرات الجزائرية التي يترأسها الجنرال توفيق تسعى لتلطيخ سمعة المحيطين بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة لمنعه من الترشح لولاية رابعة" وأن "وجود المخابرات في كل مفاصل الدولة يعطي الانطباع بأن الحكم في الجزائر ليس مدنيا، إنهم في كل مكان في البلديات والرئاسة وفي الأحزاب السياسية، وهذا لا يمكن أن يؤدي إلى دولة مدنية" إضافة إلى "الفشل في حماية الرئيس بوضياف من الاغتيال عام 1992 وتعرض بوتفليقة لعملية اغتيال عام 2007".

وهي تصريحات من الواضح أنها بعلم الرئيس وفريقه، تبعتها سلسلة من القرارات التي عرفت منحى متسارعا (في يوليو/تموز 2014) عندما أقال الرئيس عددا من كبار الضباط في جهاز الاستعلامات والأمن طالت مديري الأمن الداخلي والأمن الخارجي وأمن الجيش ومسؤول التحقيقات الاقتصادية ومكافحة الفساد والمسؤول عن مكافحة الإرهاب (الموقوف والموجود رهن الحبس من قبل القضاء العسكري بتهم وصفت بالخطيرة ويعرف عنه قربه من رئيس الجهاز) ومسؤول مركز الاتصال والبث، وانتهاء بإحالة قائد قوات الدرك الوطني (جهاز شبه عسكري يتبع وزارة الدفاع) قبل الخطوة الأخيرة الأكثر إثارة وجدلا (إقالة توفيق) الذي وجد نفسه أخيرا مجردا من أسباب القوة وأدواتها، بلا مخالب ولا أنياب، وحيدا معزولا عن محيطه الحميمي، ليرحل في صمت كما كان يعمل في صمت، ويخلفه مستشار الرئيس للشؤون الأمنية (عثمان طرطاق ) أحد أبناء الجهاز لخبرته بزواياه وخباياه ومعرفته بتفاصيل بنائه وآليات عمله وذلك من أجل استمرار ديناميكية الجهاز، وفي الوقت نفسه لامتصاص أي هزات ارتدادية بعد زلزال قرار إقالة "الأب الروحي" للجهاز وتفكيك "عصبته" و"كسر" حلقات دائرته المغلقة.

المؤكد أن بوتفليقة لا يهدف من وراء هذه القرارات إلى إضعاف جهاز الاستعلامات الذي يعتبر دعامة أساسية للدولة والحكم، إنما إحكام قبضته عليه وتقليص ظله في الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية
إضعاف
والمؤكد أن بوتفليقة لا يهدف من وراء هذه القرارات إلى إضعاف جهاز الاستعلامات الذي يعتبر دعامة أساسية للدولة والحكم، إنما إحكام قبضته عليه وتقليص ظله في الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية فيما يتجاوز دوره ومهامه، فقد تحوّل هذا الجهاز في نظر الرئيس إلى ما يشبه "الإمبراطورية الحصينة" التي تقوم على مفهوم "العصبة" ولا تُسأل عن أفعالها وقراراتها ولا تستطيع أي مؤسسة أو جهة أو قوة أن تقف في وجهها، وبالتالي أصبح هذا الجهاز "دولة داخل الدولة" بتغلغله في المفاصل المدنية والعسكرية وتحكمه في كل شيء تقريبا وفق آلية تشكلت عبر تراكم السنوات منذ وقف المسار الانتخابي (عام 1991) وتفويض قيادات أركان الجيش الجهاز بلعب دور محوري في إدارة البلاد وفرض سياسة "الكل أمني" من خلال قانون الطوارئ، وهو ما جعله "كابحا" لإرادة فريق الرئيس عن اتخاذ قرارات منفردة وحاسمة تؤثر في المشهد السياسي ومستقبل الدولة.

ويبقى السؤال الأكبر ماذا بعد أن أصبح بوتفليقة رئيسا "كامل" الصلاحيات؟ وتحقق له وفريقه مطلب المسك بزمام المبادرة والانفراد بالحكم والسلطة والقرار بعد حسم المعركة مع جهاز الاستعلامات لصالحه؟ هل سيقود الجزائر نحو "ربيع سياسي" هادئ على طريقة الجار المغربي، أو أكثر سلاسة على الأقل من نموذج الانتقال التونسي لإعادة الحياة للعملية السياسية وتوحيد الجبهة الداخلية واستيعاب مخاطر الأزمة الاقتصادية وترميم العلاقة بين السلطة والشعب وبناء دولة القانون واحتواء الفساد المالي والإداري، لتتفادى الجزائر السيناريو الليبي، في ظل أوضاع أمنية إقليمية صعبة ومعقدة مفتوحة على كل الاحتمالات؟ أم أن المسألة لا تعدو أن تكون مجرد "تصحيح أوضاع" لا أكثر وأن مسلسل التغيير الصوري والشكلي سيستمر نهجا لإدارة الدولة وممارسة الحكم؟

إذا فشلت الجزائر في اغتنام هذه اللحظة المناسبة لصناعة انتقال سياسي مرن ومتوازن يعيد إنتاج الحياة السياسية في ظل وحدة القرار السياسي، كما فشلت في إحداث طفرة اقتصادية وتنموية في ظل الوفرة المالية، فحينها ستكون المصيبة أعظم

فهناك من يقول إن الرئيس ومحيطه القريب قد خاض معركة من أجل الشعب ويبشر بدولة "مدنية" لا مكان فيها للعسكر عن طريق الديمقراطية وآلياتها، وهناك بالمقابل من يقول إن الرئيس وفريقه إنما خاض معركته الخاصة به هو لاستعادة كامل السلطة من أجل النفوذ والثروة واستمرار خطه الرئاسي وحاشيته بعد تركه كرسي الحكم.

عنق الزجاجة
لقد توفر للجزائر الظرف المناسب للخروج من عنق الزجاجة ورسم نهج تحولاتها وحسم خيار بنائها السياسي خاصة في ظل استحالة تحسن الأوضاع أو تطورها وفق نموذج الحكم السابق قبل تفكيك دولة الاستعلامات الخفية، وضرورة "التغيير الآمن" مع ما يشهده محيطها العربي والأفريقي من تحولات وتغيرات، ولكن إذا فشلت الجزائر في اغتنام هذه اللحظة المناسبة لصناعة انتقال سياسي مرن ومتوازن يعيد إنتاج الحياة السياسية في ظل وحدة القرار السياسي، كما فشلت في إحداث طفرة اقتصادية وتنموية في ظل الوفرة المالية، فحينها ستكون مصيبة الجزائر أعظم وأطول، ولن تصنف على أنها "دولة فاشلة" فحسب بل دولة "غير قابلة للنمو السياسي". وهذا يعني أنها خارج التصنيف، وعليها انتظار معجزة أكدت وقائع التاريخ أن الشعوب هي من تصنعها.

لقد تفاخر الرئيس بوتفليقة يوما أمام صحفية فرنسية بأنه "أطول من نابليون بونابرت بثلاثة سنتيمترات" فهل سينجز للجزائر مجدا مدنيا كما أنجز نابليون مجدا عسكريا لوطنه يذكره التاريخ له أم أنه سيكتفي بنصره على غريمه (توفيق) لأن هذا في نظره هو وفريقه في حد ذاته إنجاز سيتوقف التاريخ طويلا عنده..؟

الأشهر القليلة القادمة ستتكفل وحدها بالرد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك