محمد أبو رمان

محمد أبو رمان

باحث مساعد في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية

الإصلاح الديني أسّ أي عملية نهوض وتنمية وتطوير لقدرات الناس والمجتمعات، لكن الإصلاح الديني صنو الإصلاح السياسي، فلا يجوز تجاهل دور الاستبداد السياسي أو التقليل من شأنه في مسألة بروز تيار التطرف والإرهاب وصعوده اليوم!

منذ صعود تنظيم "داعش" عام 2014، وانتشار روايته الإعلامية والسياسية كهشيم النار، مع مقاطع الفيديو المرعبة في قطع الرؤوس والحرق والإغراق، بدأت هناك حملة إعلامية وفكرية -في خلفيتها أجندة سياسية- تدعو إلى التنوير ونقد الموروث الفقهي والديني أو تمحيصه، وإصلاح الخطاب الإسلامي، وهي أفكار ضرورية ومهمة في العثور على طريق النهضة والتنمية المطلوبة للخروج من عهدة التخلف الحضاري الذي تعيش فيه المجتمعات العربية.

لكن "كارثية" تلك الدعوات وما يرافقها من مؤتمرات أنها تتجاوز الدعوة إلى الإصلاح الديني -وهو في ظني شرط مهم للعبور الديمقراطي- إلى الوقوع في خطيئتين كبيرتين، لا يمكن تبريرهما أو التغاضي عنهما.

تنحرف الدعوة إلى الإصلاح الديني تحت وطأة أجندة سياسية مفضوحة مرتبطة بالمعسكر المحافظ العربي، إلى مهاجمة حركات الإسلام السياسي جميعاً ووصفها بالإرهاب والتطرف دون أي تمييز

1- الخطيئة الأولى أن تلك الدعوات تنحرف بسرعة -تحت وطأة أجندة سياسية مفضوحة مرتبطة بالمعسكر المحافظ العربي وبما يقدمه من تمويل في هذا المجال- إلى مهاجمة حركات الإسلام السياسي جميعاً، ووصفها بالإرهاب والتطرف، وشنّ حملة شعواء عليها من دون التمييز بين ما هو أقرب إلى الاعتدال والقبول بالعمل السلمي والسياسي، مع وجود علامات استفهام على قبوله بالديمقراطية والتعددية الدينية والثقافية والسياسية والحزبية، وبين الحركات الراديكالية التي تكفّر الجميع وتتمسك بمواقف عقائدية صارمة.

بالطبع لا يخفى عليكم تماهي هذه الأجندة الفكرية مع المصالح السياسية لبعض الدول العربية التي تأخذ موقفاً حاداً عدائياً من أطياف الإسلام السياسي كافة، وتريد إقصاء هذا التيار بالكلية من المشهد السياسي والثقافي وتجريمه!

بطبيعة الحال مثل هذه الأجندة السياسية هي أحد المفاتيح الذهبية لصناعة الإرهاب والتطرف في العالم العربي، ومن المعروف أن الفكر الراديكالي المتشدد خرج من السجون والمعتقلات. فبعدما أغلق الأفق السياسي أمام التيارات الإسلامية البرغماتية، وجدت الجماعات المتشددة فرصتها في تجنيد الشباب واجتذابهم لدعايتها السياسية والإعلامية بدعوى أن الديمقراطية كذبة غريبة، وأنه غير مسموح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة عبر هذه اللعبة.

ما حدث من انقلاب عسكري في مصر مترافقاً مع ماكينة الثورة المضادة العربية في ممانعة الربيع العربي والثورات الديمقراطية، والعمل على ترميم النظام السلطوي العربي، كان له أثر كبير في تعزيز قوة داعش ودعايتها السياسية والإعلامية. وليس صادماً أن أغلب القادمين الجدد إلى التنظيم عام 2014 كانوا من المصريين، وهو الأمر -أي الانقلاب العسكري- الذي استغله قادة داعش والقاعدة أفضل استغلال، فخرج زعيم القاعدة أيمن الظواهري بخطاب مطول بعنوان "صنم العجوة الديمقراطي" ينتقد فيه الإخوان لقبولهم بالديمقراطية، ويؤكد على نجاعة منهج القاعدة، بينما تكفل بالخطاب الآخر الناطق باسم تنظيم داعش أبو محمد العدناني بخطاب أكثر حدة وقسوة بعنوان "السلمية دين من؟"، يعلن فيه بصراحة ووضوح تكفير الإخوان المسلمين لقبولهم باللعبة الديمقراطية!

المعضلة الكبرى التي تواجه هذه الأجندة فكرياً وسياسياً تتمثل في أنه من غير الممكن واقعياً ومنطقياً استئصال التيار الإسلامي العام وتهميشه أو إلغاؤه بقرارات سياسية أو بمؤتمرات نخبوية، إذ هناك مزاج اجتماعي محافظ متنامٍ يقف في رصيد هذا التيار بألوانه المختلفة والمتعددة، وهناك اليوم نسبة كبيرة من الشباب العربي تنتمي إليه، فتجاهل ذلك والتعامي عنه أو محاولة تغيير هذا الواقع من دون قراءة عميقة وذكية له لن يجدي، وستكون النتيجة الرئيسية المترتبة على هذه الجهود تقوية التيارات المتشددة والمتطرفة على حساب البرغماتية.

بالطبع هناك من يتحفظ ويشكك في مدى قبول التيار البرغماتي بالديمقراطية، وأنا أتفق معه في ذلك، فهناك علامات استفهام عديدة على ذلك، لكن الحل لا يتمثل في الهجوم على التيار بألوانه المتعددة والواسعة وإلغاء المسافة الفاصلة اليوم بين التيارات الإسلامية الراديكالية والبرغماتية، فذلك سيؤدي إلى نتائج عكسية تماماً تعزز من المزاج الغاضب لدى التيار الإسلامي العريض، بخاصة جيل الشباب فيه.

هناك من يتحفظ ويشكك بمدى قبول التيار الإسلامي البرغماتي بالديمقراطية، لكن الحل لا يتمثل في الهجوم على التيار بألوانه المتعددة والواسعة وإلغاء المسافة الفاصلة اليوم بين التيارات الإسلامية الراديكالية والبرغماتية

2- هذه النتائج تنقلنا إلى الخطيئة الثانية (التي تقع فيها الدعاوى والمؤتمرات التي تتحدث عن نقد الموروث الفقهي والخطاب الديني في إطار الحرب على الإرهاب) وتتمثل في التركيز على "النص الديني" و"الموروث الفقهي" في أسباب الإرهاب والتطرف مع التغاضي تماماً عن الشروط الموضوعية والإكراهات الواقعية، وفي مقدمتها الاستبداد السياسي الذي يولّد أغلب الآفات التي تعاني منها المجتمعات والأنظمة العربية اليوم من فساد سياسي ومالي وانقسام طائفي وعرقي وفشل في المشروعات التنموية، وأزمة الشرعية السياسية التي تولّد فجوة واسعة بين الدول والمجتمعات.

من الممكن أن يقول الخبراء والباحثون والمفكرون في هذه المؤتمرات أن هناك أسباباً متعددة تؤدي إلى التطرف الديني والإرهاب في العالم العربي والإسلامي، منها الاستبداد والتهميش السياسي والإقصاء، ومنها كذلك النصوص والفتاوى والموروثات الفقهية، وسنركّز على الجانب الأخير، فذلك جيد وممكن من زاوية التخصص مثلاً، لكن من يتابع ويراقب تلك الدعوات والمقالات والمؤتمرات والمبادرات يجد أنها تتجاهل تماماً الشروط الموضوعية والواقعية وتتحدث فقط عن النصوص والموروثات بوصفها العامل الأول والرئيسي المسؤول عن صعود داعش والمتطرفين اليوم في العالم العربي.

عند هذه النقطة تحديداً نجد التقاطع المفضوح بين أجندة هذا النفر من المثقفين والمفكرين والإعلاميين والمصالح السياسية المعروفة للأنظمة العربية المحافظة والاستبدادية، أو تلك التي تدعم الأنظمة السلطوية والثورة المضادة بعدم الإشارة نهائياً إلى دور الاستبداد والتهميش وغياب الديمقراطية، والتركيز فقط على الخطاب الديني أولاً، ومحاولة وضع الحركات الإسلامية جميعاً في هذا المربع ثانياً.

تكمن المغالطة الرئيسية التي تقع فيها هذه الدعاوى أنها تعطي الموروث الثقافي و"النصوص" دوراً نسبياً أكبر بكثير من حجمهما في صعود التنظيمات المتشددة، في حين أن العنف الذي يصدر عن هذه الحركات رمزياً ومادياً يعود بالدرجة الرئيسية إلى شروط الواقع وكنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للعنف البنيوي الذي تمارسه السلطات العربية، أو التهميش السياسي أو الاقتصادي لشرائح عريضة من المجتمعات العربية.

لو عدنا إلى موضوع داعش الذي يشغل هذه الدعاوى والمؤتمرات والرأي العام العربي والعالمي عموماً، فسنجد أن العامل الرئيسي لصعود تنظيم داعش في العراق وسوريا يكمن في الأزمة السنّية، وشعور السنة بتهميش سياسي ورمزي وبالقلق الوجودي على هويتهم، بالتوازي مع النفوذ الإيراني واستخدام الورقة الطائفية الشيعية بهذا الخصوص.

فهذا هو السبب الرئيسي والجوهري الكامن وراء صعود التنظيم الذي تزاوج مع المسألة السنية العراقية منذ بدايات الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، ثم المرور بمرحلة العرقنة (بعد مقتل الزرقاوي عام 2006)، وهي التجربة التي بدأت عملية استنساخ جزئي لها في المشهد السوري.

جدلية النص أم الاستبداد السياسي هي التي حكمت نقاشات واسعة مع نخبة سياسية ومثقفة أردنية غداة إصدار كتابنا "تنظيم الدولة الإسلامية.. الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية" (مع الصديق والزميل حسن أبو هنية)، فهناك نسبة كبيرة من هؤلاء المثقفين يدافعون بأن النص والفتوى والموروث هي العامل الرئيسي المسؤول عن صعود التنظيم، بينما جادلنا نحن في الكتاب بأن الشروط الموضوعية الواقعية، بخاصة الفوضى والتهديد الوجودي الهوياتي والاستبداد والتهميش السياسي، هي بمثابة العامل الأول والأكبر المسؤول عن صعود هذه التنظيمات والحركات في الفضاء العربي اليوم.

ثمّة أسئلة مهمة ورئيسية يفترض أن يجيب عليها الذين يحيلون هذا الصعود إلى "النص": أين كانت هذه الجماعات المتشددة والمتطرفة في سوريا والعراق قبل عقدين من الزمن؟ لماذا لم تصعد إلا مع حالة الفوضى والتهديد الهوياتي والنفوذ الإيراني المشفوع باستبداد طائفي في كل من العراق وسوريا؟ إذا كان تفسير عنف داعش محالاً إلى النص الديني فما هو تفسير العنف البنيوي الفظيع للنظام السوري العلماني وأغلب الأنظمة الاستبدادية العربية التي لا تستند إلى نصوص دينية ولا إلى موروث فقهي لتبرير السجون والمعتقلات وقتل عشرات الآلاف من المدنيين؟!

الشروط الموضوعية الواقعية -بخاصة الفوضى والتهديد الوجودي الهوياتي والاستبداد والتهميش السياسي- هي بمثابة العامل الأول والأكبر المسؤول عن صعود التنظيمات والحركات المتشددة في الفضاء العربي اليوم

جملة القول: ثمّة عامل ثقافي مرتبط بالموروث والمدونة الفقهية والجمود الديني بلا شك، تستند إليه هذه الحركات في التجنيد والتعبئة والدعاية السياسية والإعلامية وتستثمر فيه جيداً، لكن الاستثمار الرئيسي يتمثل في الواقع السياسي بمفرداته الكارثية المختلفة والمتعددة التي أشرنا إليها سابقاً.

في المقابل فإن التركيز على ثيمة الدين والنصوص سيأتي بنتائج عكسية تماماً لدى هذه الدعاوى والمؤتمرات والمقالات، إذ إنه قد يوحي لدى التيار المتدين العريض أن هناك مخططا أو توجها عاما ضد الدين يأخذ مسارب متعددة، مما يمكن أن يتم استثماره لدى هذه الجماعات في التأكيد على البنود الأساسية لخطابها وهي أن هناك هجمة عالمية وعربية داخلية وخارجية على الإسلام، فتتكئ على عواطف الناس الدينية لتعزيز قدرتها على التجنيد والتعبئة والدعاية.

ذلك لا يعني أننا لسنا بحاجة إلى حركة إصلاح ديني جوهرية، بلى، فالإصلاح الديني هو أسّ أي عملية نهوض وتنمية وتطوير لقدرات الناس والمجتمعات، لكنه في الوقت نفسه صنو الإصلاح السياسي، فلا يجوز تجاهل دور الاستبداد السياسي أو التقليل من شأنه في مسألة بروز تيار التطرف والإرهاب وصعوده اليوم!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك