حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

على الرغم من أن مشكلة سد النهضة تبدو ظاهريا ذات طابع تقني ويتفاوض بشأنها وزراء الري والمياه في مصر والسودان وإثيوبيا، فإنها تعكس في جوهرها أصل الأزمة وطابعها السياسي والإستراتيجي.


المفاوضات ومعضلة التقني والسياسي
اللجنة الثلاثية وتضارب المصالح
مصر وإدارة الأزمة

من الواضح أن مفاوضات سد النهضة بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا أشبه ما تكون بحوار الطرشان، إذ إنها بعد ثمانية اجتماعات وزارية عادت بنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى. وفي المقابل فإن إستراتيجية بناء السدود الإثيوبية تسير على أرض الواقع كما هو مخطط لها.

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زناوي يكرر دوما أن إثيوبيا لن تقبل النقد من أولئك الذين حققوا تنمية مجتمعاتهم ويحاولون في نفس الوقت عرقلة الآخرين عن فعل ذلك. وعليه فقد ولى زناوي وجهه شطر شركاء التنمية غير الغربيين وعلى رأسهم الصين، وذلك من أجل توفير التمويل اللازم لبناء السدود الإثيوبية.

وقبل الحديث عن أزمة مفاوضات سد النهضة التي أضحت بمثابة مفاوضات من أجل المفاوضات، أود الإشارة إلى ملاحظتين يحسن تدبرهما بروية واهتمام بالغ: الأولى تتمثل في أن العمل في بناء سد النهضة يسير على قدم وساق، حيث تم الإعلان عن الانتهاء من نحو 40% من مجمل البناء. ومن المقرر اكتمال البناء في العام 2017.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق ببناء إثيوبيا خمسة سدود أخرى غير سد النهضة، حيث استطاعت -كما حدث في حالة سد "جيبي3"- حل مسألة التمويل عبر اللجوء إلى الصين وتجاوز القوى المانحة التقليدية مثل البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي.

لعل المبدأ الحاكم في الفكر الإستراتيجي الإثيوبي يؤكد على ملكية نهر النيل بحسبانه نهرا إثيوبيا خالصا، وهو ما يعني عدم الاعتداد بالنظام القانوني الموروث عن العهد الاستعماري

المفاوضات ومعضلة التقني والسياسي
ليس خافيا أن إثيوبيا منذ الإعلان عن تشييد سد النهضة عام 2011 وهي تمارس سياسة المماطلة والخداع الإستراتيجي. ولعل المبدأ الحاكم في الفكر الإستراتيجي الإثيوبي يؤكد على ملكية نهر النيل بحسبانه نهرا إثيوبيا خالصا، وهو ما يعني عدم الاعتداد بالنظام القانوني الموروث عن العهد الاستعماري.

لم يكن مستغربا إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي هيلا مريام ديسالين على استكمال بناء سد النهضة بأي ثمن والتأكيد أن بلاده مستعدة لمواجهة كافة الاحتمالات والتبعات (بما يعني ضمنا إمكانية تعرض بلاده لهجوم عسكري).. إذن نحن أمام خيار إستراتيجي إثيوبي وإن استخدم لغة دبلوماسية في الحديث عن التعاون الإقليمي ومراعاة مصالح دولتي المصب مصر والسودان.

أما مصر التي تكالبت عليها الأنواء من الداخل والخارج منذ الإطاحة بنظام مبارك في ثورة شعبية، فقد دخلت مرحلة الفقر المائي حتى مع بقاء معدلات تدفق مياه النيل بنفس المعدلات الحالية قبل سد النهضة، فما بالنا باحتمال تعرضها للتناقص جراء تخزين المياه بعد بناء السد.

لا يملك المفاوض المصري والحالة تلك ترف المرونة أو تقديم تنازلات في مفاوضات سد النهضة. يعني ذلك أن الأزمة في جوهرها تتجاوز في الإدراك المصري العام الجوانب التقنية والفنية التي يتحدث عنها المهندسون وخبراء الري.. إنها سياسية ذات بعد إستراتيجي هام حيث تجسد التنافس والصراع بين مشروعين للنهضة على المستوى الإقليمي، أحدهما مصري والآخر إثيوبي.

أما موقف السودان الرسمي فهو متأرجح ولا يعبر عن قناعة إستراتيجية بالشراكة مع مصر. وطبقا لسلوك المفاوض السوداني الرسمي (حيث توجد أصوات معارضة على الجانب الشعبي)، فإنه يبدو أكثر برغماتية ورغبة في القيام بدور الوسيط للتقريب بين وجهتي النظر المصرية والإثيوبية.

ومن الناحية الواقعية لا يعتقد الموقف الرسمي السوداني بوجود أضرار محتملة تقع عليه جراء بناء سد النهضة، بل على العكس من ذلك، يمكن تعظيم استفادة السودان من الطاقة الكهرمائية التي ينتجها السد.

وإذا كانت مفاوضات سد النهضة تقفز دائما إلى الوراء عبر المماطلة والتسويف، فإن السودان اتخذ خطوة إلى الأمام حيث وقع يوم 22 يوليو/تموز الماضي اتفاقا مع إثيوبيا من أجل عمل دراسات للربط الكهربائي بين البلدين، وهو ما يسمح للسودان بشراء الكهرباء التي ينتجها سد النهضة. وسرعان ما اتفقت الخرطوم وأديس أبابا على اختيار بيت خبرة إيطالية للقيام بالدراسات المطلوبة لتحقيق الربط الكهربائي بينهما.

اللجنة الثلاثية وتضارب المصالح
كانت اللجنة الدولية للخبراء قد أشارت في تقريرها عن سد النهضة بضرورة استكمال الدراسات العلمية حول تأثيرات السد على كل من السودان ومصر. وعليه فقد تم الاتفاق بين اللجنة الوطنية الثلاثية التي تضم الدول الثلاث على ضرورة اختيار مكتب خبرة دولي مشهود له بالكفاءة للقيام بهذه الدراسات المطلوبة.

ورغم مرور نحو عام كامل فقد فشلت هذه اللجنة الثلاثية بعد ثمانية اجتماعات على المستوى الوزاري -كان آخرها في أديس أبابا يومي 21 و22 أغسطس/آب الماضي- في حسم مسألة آلية عمل مكتب الخبرة الفرنسي (الرئيسي) ومكتب الخبرة الهولندي (الفرعي) اللذين وقع عليهما الاختيار لإجراء الدراسات الخاصة بتأثيرات سد النهضة.

إذا كان اتفاق المبادئ الذي تم التوقيع عليه بين مصر والسودان وإثيوبيا في مارس/آذار الماضي يعد اختراقا مهما في عملية مفاوضات سد النهضة، فإنه كان بمثابة قبلة الحياة للسد إقليميا ودوليا

وعلى الرغم من أن المشكلة تبدو في ظاهرها ذات طابع تقني ويتفاوض بشأنها وزراء الري والمياه في الدول الثلاث، فإنها تعكس وتستبطن في جوهرها أصل الأزمة وطابعها السياسي والإستراتيجي كما بينّا آنفا. فقد كانت هناك منذ البداية رغبة مصرية وسودانية في استبعاد بيوت الخبرة الأميركية لما لها من تاريخ منحاز سابق لصالح الجانب الإثيوبي. وبينما كانت مصر تميل إلى بيت الخبرة الهولندي، أصرت إثيوبيا على بيت الخبرة الفرنسي.

وفي محاولة للتقريب بين وجهتي النظر المصرية والإثيوبية، تم الاتفاق على تكليف كل من المكتبين الفرنسي والهولندي. وكجزء من عملية المماطلة والتسويف التي تنتهجها أديس أبابا، أصر المفاوض الإثيوبي على ضرورة أن يكون بيت الخبرة الفرنسي هو المتعاقد الرئيسي، أما بيت الخبرة الهولندي فيكون مجرد متعاقد فرعي.

اصطدمت المفاوضات مرة أخرى بإصرار الجانب المصري على ضرورة شراكة مكتب الخبرة الهولندي في التعاقد، وضرورة الاتفاق على تقسيم العمل بين المكتبين. وبالفعل تم الاتفاق على أن تكون نسبة 70% من العمل للمكتب الفرنسي، في حين يحتفظ المكتب الهولندي بالنسبة الباقية.

وإذا كان اتفاق المبادئ الذي تم التوقيع عليه في الخرطوم بين الدول الثلاث في مارس/آذار الماضي يعد اختراقا مهما في عملية مفاوضات سد النهضة، فإنه كان بمثابة قبلة الحياة لسد النهضة إقليميا ودوليا، حيث قدمت مصر والسودان شهادة الميلاد الحقيقية للسد الإثيوبي الذي كان يعاني مشكلات الاعتراف والشرعية. وعليه فقد بات السلوك الإثيوبي -خاصة بعد زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التاريخية لأديس أبابا- يعبر عن واقع تغير ميزان القوى الإقليمي لصالح إثيوبيا.

ولنعطي على ذلك مثالا، حيث ينص اتفاق الخرطوم بشأن سد النهضة على ضرورة تبادل المعلومات والدراسات حول قضايا التعاون المائي. وبالفعل قدم الوفد المصري في اجتماع اللجنة الثلاثية بالخرطوم يوم 22 يوليو/تموز الماضي دراستين أعدهما الخبراء المصريون تظهران الضرر البالغ المتوقع على مصر في حال استمرار البناء في سد النهضة وفقا للمواصفات الحالية، غير أن الجانبين الإثيوبي والسوداني لم يلقيا بالا لها واعتبرا أن مثل هذه الدراسات غير ملزمة.

مصر وإدارة الأزمة
عملية البطء المتعمد في تعيين بيت الخبرة ثم التسويف في توقيع العقد مع بيتي الخبرة الفرنسي والهولندي، وهو ما يعني تأخر الدراسات المطلوبة، تفضي إلى شيء واحد فقط وهو سياسة فرض الأمر الواقع الإثيوبية وبإرادة منفردة. فإذا تم إنجاز بناء السد كما هو متوقع عام 2017، فسيستحيل عمليا إدخال أي تعديلات تقرها الدراسات المزمع إجراؤها، وعندئذ يصبح السد حقيقة واقعة وتكون مصر أمام خطر داهم.

ومن اللافت أن خبراء الري المرموقين في السودان أمثال وزير الري السابق الدكتور كمال علي يحذرون من مخاطر سد النهضة على الزراعة والإنتاج الكهربائي في السودان، ورغم ذلك فإن الموقف الرسمي السوداني لا يقتنع بمثل هذه المخاوف.

وتظهر العديد من الدراسات المصرية التي تركز على آثار سد النهضة، أن بناء السد ستكون له آثار كارثية على مصر، والتي يمكن أن تؤدي إلى تبوير نحو 60% من الأراضي الزراعية وتشريد نحو ستة ملايين فلاح مصري. كما أن حصة مصر من المياه ستنخفض بكمية تتراوح ما بين 9 إلى 12  مليار متر مكعب سنويا. ولن تقف الأضرار المتوقعة عند هذا الحد، حيث يتوقع انخفاض مستوى المياه في بحيرة ناصر بنحو 15 مترا، وهو ما يؤدي إلى خفض الطاقة الكهرمائية من السد العالي.

إذا أخذنا بعين الاعتبار معدل النمو السكاني السنوي في مصر البالغ 2.6%، فإن ذلك يحتم على صانع القرار المصري حسم قضية موارد النيل، بل والبحث عن موارد إضافية

وإذا أخذنا بعين الاعتبار معدل النمو السكاني السنوي في مصر البالغ 2.6%، فإن ذلك يحتم على صانع القرار المصري حسم قضية موارد النيل، بل والبحث عن موارد إضافية.

وثمة خيارات مطروحة منها الاعتماد على خزان الحجر الرملي النوبي المائي الذي يقع في منطقة موزعة بين كل من مصر وليبيا والسودان وتشاد، ويعتبر أكبر خزان جوفي للمياه العذبة في العالم. كما يمكن اللجوء إلى خيار إقامة محطات تحلية المياه. وعلى صعيد ثالث تستطيع مصر أن تقوي من روابطها في مجال التعاون المائي مع جنوب السودان كخيار إستراتيجي.

إننا أمام مشروعين كبيرين للنهضة: إثيوبيا تحاول جاهدة أن تكون مصدرا لإنتاج الطاقة الكهرمائية بما يعزز مكانتها الإقليمية، حيث بدأت بالفعل تصدير الكهرباء إلى كل من جيبوتي والسودان. أما مصر على الطرف الآخر فتصارع من أجل البقاء والحفاظ على المكان والمكانة الإقليمية عبر الدفاع عن أمنها المائي. ولعل فقه الواقع الإقليمي الجديد سيكون له القول الفصل في تحديد موازين القوى القادمة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات