خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


تكريس زعامة أوغلو
قرارات الضرورة
تحديات بالجملة

للمرة الأولى انعقد أخيرا مؤتمر عام لحزب العدالة والتنمية في ظل غياب أهم مؤسسيه، ونقصد هنا كلا من الرئيس رجب طيب أردوغان وسلفه الرئيس عبد الله غل.

وإذا كان سبب غياب أردوغان دستوريا نظرا لأن الدستور التركي يقضي بأن لا يكون الرئيس منتميا لأي حزب ويمنعه من ممارسة أي نشاط حزبي، فإن غياب غل يشير في نظر البعض إلى إشكاليات تتعلق بالرؤية السياسية للحزب الذي تأسس يوم 14 أغسطس/آب 2001 ليحقق بعد ذلك سلسلة انتصارات، قبل أن يتراجع في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ويفشل في تشكيل حكومة ائتلافية.

ولعل الأهم في هذا المؤتمر أنه انعقد في ظل تطورات داخلية خطرة تمثلت في الحرب المندلعة مع حزب العمال الكردستاني، والاستعداد لمعركة الانتخابات المبكرة، على شكل تحديات مصيرية تنتظر الحزب في المرحلة المقبلة.

من الواضح أن الحزب نجح في تجديد قيادته السياسية المستمرة منذ عام 2001 وهو تجديد يشير إلى بصمة الرئيس أردوغان، إذ إن نحو خمسين من القيادات القدامى باتوا خارج الأطر القيادية للحزب، بينما أدخل 31 عضوا جديدا إلى الهيئة التنفيذية

تكريس زعامة أوغلو
مع أن المؤتمر كرس زعامة أحمد داود أوغلو بعدما حصل على 1353 صوتا من أصل 1360 (تم إلغاء 7 أصوات لوقوع أخطاء في التصويت)، فإن البعض وصف نتائج المؤتمر بأنها حركة تصحيحية نظرا لأن معظم الذين تم انتخابهم في الهيئة القيادية الجديدة للحزب ينتمون إلى الجيل الجديد.

فقد أدخل 31 عضوا جديدا إلى الهيئة التنفيذية للحزب، لعل أبرزهم وزير الاتصالات السابق بنالي يلدرم، وبرهان كوزو المستشار القانوني للرئيس التركي، وبراء البيرق زوج ابنته، ومسؤول التفاوض في عملية السلام مع الأكراد يلتشن آق دوغان.

كما سجل المؤتمر خروج أبرز القادة المؤسسين للحزب من أمثال الرجل القوي بولنت أرينج وبشير أتلاي وعلي باباجان وعبد الله غل الذي لم يحضر المؤتمر واكتفى بإرسال رسالة يطلب فيها الحفاظ على مبادئ الحزب واعتماد الشورى في سياسته، وهي عبارات يفهم منها توجيه النقد لما يقال عن تفرد أردوغان بسياسة الحزب وسعيه الدائم لوضع المقربين منه في سدة قيادته.

لكن بغض النظر عن هذه الإشكالية، فمن الواضح أن الحزب نجح في تجديد قيادته السياسية المستمرة منذ عام 2001 وهو تجديد يشير إلى بصمة الرئيس أردوغان، إذ إن نحو خمسين من القيادات القدامى باتوا خارج الأطر القيادية للحزب.

في خطابه إلى المؤتمر يمكن القول إن أحمد داود أوغلو وضع ثلاث نقاط أساسية أو تصورات لسياسة الحزب في المرحلة المقبلة وهي:

1- تأكيده على حاجة تركيا إلى حكومة من حزب واحد، وهذا التأكيد له علاقة بطبيعة بنيان النظام السياسي في البلاد، إذ تشير التجربة التاريخية للحكم في تركيا إلى فشل الحكومات الائتلافية وصعوبة تأليفها، فضلا عن أن تجربة أوغلو الأخيرة مع أحزاب المعارضة عززت من قناعته بهذا الخصوص، وعليه يمكن القول إن كل إستراتيجية وجهود حزب العدالة والتنمية ستنصب في الفوز بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية المبكرة.

2- التأكيد على قضية الإصلاح في الحزب وسياسته، وقد تبين هذا الأمر من خلال إصدار قوانين داخلية جديدة ناظمة للحزب، وكذلك تأكيده على تطوير الجانب الأخلاقي والتمسك بعملية المصالحة الداخلية، في إشارة إلى عملية السلام مع الأكراد.

3- أولوية محاربة "الإرهاب"، في إشارة واضحة إلى حزب العمال الكردستاني والحرب الجارية معه، خاصة بعد أن توسعت هذه الحرب في الداخل وتحولت المدن الكردية إلى ساحات اشتباك بدأت تهدد التعايش والسلام الداخليين.

قرارات الضرورة
لعل أهم قرار اتخذه الحزب في مؤتمره العام الخامس هو قرار إلغاء البند التنظيمي الذي يمنع العضو في الحزب -سواء أكان قياديا أو نائبا أو وزيرا- من شغل منصبه لأكثر من ثلاث دورات متتالية.

إذا كان المؤتمر العام الخامس لحزب العدالة مؤتمرا لترتيب البيت الداخلي من أجل الاستعداد لمعركة الانتخابات المبكرة بوصفها ستكون معركة حاسمة ومصيرية لمستقبله السياسي، فإن المرحلة الحالية تبدو حافلة بالتحديات والمخاطر العديدة

ويبدو أن السبب الأساسي لهذا القرار هو الانتخابات المبكرة، إذ إن قسما كبيرا من أعضاء حزب العدالة والتنمية الذين فازوا بالانتخابات البرلمانية يوم 7 يونيو/حزيران الماضي كانوا سيحرمون من حق الترشح للانتخابات المبكرة وفقا لهذا البند، بينما جاء القرار الجديد ليزيل هذه العقبة أمام ترشحهم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا بشأن مستقبل القيادات القديمة التي أصبحت خارج الأطر القيادية للحزب، خاصة بعدما أعلن القسم الأكبر منهم عدم ترشحهم للانتخابات المقبلة؟

كان لافتا في قرارات المؤتمر تشكيل مجلس جديد داخل الحزب يدعى مجلس الفضيلة والأخلاق السياسية، واستحداث منصبين جديدين لنواب رئيس الحزب، أحدهما مسؤول عن حقوق الإنسان، والثاني عن شؤون المدينة والبيئة والثقافة.

ولعل تشكيل المجلس الجديد يأتي في سياق الفلسفة السياسية لأوغلو التي تقول إن مهمة هذا المجلس هي الجمع بين القوة السياسية والفضيلة والحكمة والمعرفة، وهو ما يشير إلى أن أعضاء هذا المجلس سيكونون من الكفاءات العالية ومهمتهم ستكون نقل الخبرة إلى كوادر الحزب، في حين تبدو دواعي تحديد نائبين للحزب لها علاقة بتعزيز حقوق الأقليات القومية والدينية والطوائف، خاصة بعد أن قفزت قضايا الأكراد والأرمن والعلويين إلى سدة المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد خلال السنوات الأخيرة.

تحديات بالجملة
في الوقع، إذا كان المؤتمر العام الخامس لحزب العدالة والتنمية مؤتمرا لترتيب البيت الداخلي من أجل الاستعداد لمعركة الانتخابات المبكرة بوصفها ستكون معركة حاسمة ومصيرية لمستقبله السياسي، فإن المرحلة الحالية تبدو حافلة بالتحديات والمخاطر العديدة.

ولعل في مقدمة هذه التحديات الحرب الجارية مع حزب العمال الكردستاني بعد أن بلغت مرحلة غير مسبوقة لجهة شدة العنف واتساع رقعتها وارتفاع أعداد الضحايا ونوعية الأسلحة المستخدمة، وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية. ولعل الجانب الأخطر منها هو حالة التعبئة القومية الجارية بين الأكراد والأتراك على شكل بعث العصبية القومية المتجه إلى نشدان العنف ورفض الآخر، بما يشي باحتمال حدوث حرب قومية تتغذى منها قوى من الجانبين.

مشكلة حزب العدالة والتنمية هنا أنه يدرك أن النهج العسكري لن يؤدي إلى حل هذه المسألة، وفي الوقت نفسه فإن رؤيته للحل السياسي والتي تعرف بالمصالحة الداخلية لا تلقى قبولا لدى الحزب العمال، وأن البقاء متفرجا على صعود نفوذ الأخير في ظل تحول الأكراد في العراق وسوريا إلى لاعب إقليمي مهم سيزيد من تعقيدات الوضع في الداخل التركي.

كما أن التخوف قائم من أن تقديم تنازلات لحزب العمال قد يكلفه غاليا نظرا لهيمنة الثقافة الأتاتوركية في الداخل والتي تنكر الحقوق القومية للشعوب والأقليات القومية في البلاد. وعليه فإن حزب العدالة والتنمية في تعاطيه مع القضية الكردية في الداخل يبدو في محنة حقيقية على شكل جدل الخيارات التي يبدو أنها جميعها لم تعد منتجة.

ومن شأن ذلك أن يبقي السؤال مطروحا: كيف ستخرج تركيا من أزمة الحرب المشتعلة مع حزب العمال الكردستاني؟

التحدي الآخر الذي لا يقل أهمية هو التحدي الاقتصادي، فبعد سنوات من الإنجازات الاقتصادية الضخمة التي حققتها حكومات حزب العدالة والتنمية، وهي إنجازات دفعت في الداخل إلى تعزيز ثقة الناخب التركي بالحزب، وفي الخارج وضعت تركيا في قائمة مجموعة دول العشرين.. بعد كل هذا يشهد الاقتصاد التركي في السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا في معدلات النمو والتنمية لصالح الركود والتضخم وارتفاع نسبة البطالة.
يدرك حزب العدالة أن النهج العسكري لن يؤدي إلى حل المشكل الكردي، وفي الوقت نفسه فإن رؤيته للحل السياسي بالمصالحة الداخلية لا تلقى قبولا لدى حزب العمال الكردستاني، وأن التفرج على صعود الأخير في ظل تحول الأكراد في العراق وسوريا إلى لاعب مهم، سيعقد الوضع
ولعل الأخطر من كل هذا هو الانهيار المتتالي لسعر الليرة التركية أمام الدولار، خاصة بعد أن قفز سعر العملة الأميركية من ليرتين إلى نحو ثلاث ليرات، وهذا مؤشر خطير جدا، لا لأنه يعني تآكل القدرة الشرائية للمواطن التركي فحسب، بل لأنه يهدد تركيا بالخروج من مجموعة دول العشرين، فالدولة التي بلغت ميزانيتها السنوية قرابة 820 مليار دولار قد تجد أن هذه الميزانية أصبحت نحو 600 مليار دولار فقط بحكم تآكل قيمة العملة التركية أمام الدولار.

يضاف إلى ما سبق اشتداد حدة المواجهة مع قوى المعارضة التركية، فالعلاقة بين حزب العدالة وباقي الأحزاب ولاسيما حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي وحزب الحركة القومية وحتى أنصار حركة فتح الله غولن، تأخذ طابع الصدام والمواجهة والاشتباك السياسي الأمني، وهو ما يزيد من الحملة ضد الحزب في الداخل والخارج، حيث تزايدت موجة الانتقادات ضده على خلفية القضايا المتعلقة بالحريات الصحفية والإعلامية.

هذه التحديات وغيرها تقفز أمام الحزب كتحديات جاثمة وصعبة، بينما يرهن الحزب إستراتيجيته للخروج من هذه التحديات وتجاوزها عبر الفوز بالأغلبية في الانتخابات المبكرة، لأنه بات يعتقد بأن الأغلبية البرلمانية باتت الوسيلة الوحيدة لحل أزمة الحكم ومشكلات البلاد.

غير أن المناهضين له يرون أن هذه الرهانات خاطئة، وأن الطريق الوحيد لحل كل ما سبق من مشكلات هو تخلي حزب العدالة والتنمية عن نزعة التفرد بالحكم عبر إصلاحات سياسية جذرية وحقيقية تشمل مختلف قضايا البلاد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك