هشام جابر

هشام جابر

عميد وباحث في الشؤون الاستراتيجية ومكافحة الإرهاب


أخيرا، اكتشف وزير الخارجية الأميركي جون كيري "ضرورة أن يكون أناس على الأرض في سوريا" لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية وكبح جماحه.

وتلك حقيقة ربما اكتشفها الرجل متأخرا، أو أنه أعاد تكرارها. ورغم أنه أكد ذلك وزاد عليه بقوله "أنا مقتنع بأنهم سيكونون هناك عندما يحين الوقت المناسب"، إلا أنه لم يوضح ما هي الأجندة أو خارطة الطريق لتحقيق ذلك.

ورغم أن جون كيري أشار إلى أن هذا الأمر سيناقش في الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الحالي، فإنه حسم وأكد أن القوات الأميركية (البرّية) لن تكون ضمن من سيكونون على الأرض.

خطة تدريب المعارضة المعتدلة التي رصد لها خمسمئة مليون دولار، وتوقع المروجون لها تجهيز ستة آلاف عنصر قبل نهاية العام، لم تستطع حتى بداية الشهر الماضي أن تجمع أكثر من ستين عنصرا أدخلوا الأراضي السورية، فوقع قائدهم وعشرات منهم في أيدي الجماعات الإسلامية المقاتلة

الواقع أن تصريح الوزير الأميركي يتزامن -وربما يتعارض- مع ما أوردته صحيفة واشنطن بوست الأميركية في الثاني من سبتمبر/أيلول الحالي من أن قوات أميركية خاصة تقوم بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) بتنفيذ عمليات عسكرية "جراحية" ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، منفصلة عن الحملة الجوية التي يشنها التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد هذا التنظيم منذ أكثر من عام، وتشير الصحيفة -نقلا عن مسؤولين أميركيين- إلى أن هذه العمليات تهدف إلى تصفية قياديين في "داعش".

وبحسب المسؤولين أنفسهم، فإن حفنة من العمليات المماثلة تم تنفيذها وأخرى يتم الإعداد لها، وتأتي في السياق نفسه تصريحات الجنرال ديفد باتريوس الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية التي حث بها الإدارة الأميركية على استخدام، أو استقدام، أو إغراء عناصر من جبهة النصرة لمحاربة تنظيم داعش، وأثارت هذه التصريحات جدلا عقيما. ورغم أن واشنطن نفت هذه التصريحات، فإن النفي لا يلغي الخبر، ولا ينفي "التخبط" الذي تقع فيه الإدارة الأميركية تجاه كيفية مواجهة التهديد الآتي من تنظيم الدولة.

ثم يأتي إصرار واشنطن على تدريب وتسليح وإطلاق ما يسمى المعارضة المعتدلة، رغم أن هذه الخطة منيت بالفشل، ونحن كنا من الذين توقعوا أو استقرأوا هذا الفشل.

فالخطة التي رصد لها خمسمئة مليون دولار، وتوقع المروجون لها تجهيز ستة آلاف عنصر قبل نهاية العام، لم تستطع حتى بداية الشهر الماضي أن تجمع أكثر من ستين عنصرا أدخلوا إلى الأراضي السورية، فوقع قائدهم وعشرات منهم في أيدي الجماعات الإسلامية المقاتلة.

منذ أكثر من عام، أعلن التحالف الدولي حربه على داعش في العراق وسوريا، وقلنا منذ اليوم الأول إننا نتمنى أن تهدف إستراتيجية هذا التحالف إلى تقزيم هذا التنظيم وحصره تمهيدا لاستئصاله، أو تفكيكه والقضاء عليه، مع قناعتنا وحدسنا بأن الهدف هو احتواء هذا التنظيم ورسم خطوط حمراء له لا يمكنه تجاوزها؛ وهذا ما حصل وصدق تحليلنا أو حدسنا.

منذ أشهر سئلنا في مناظرة على إحدى المحطات الفضائية عن الأسلوب الأمثل للقضاء على هذا الخطر الداهم المتمثل في تنظيم الدولة، فكان جوابنا أن هناك وصايا، أو توصيات أو محاور عشرة على الأقل للقضاء على هذا التنظيم، وأن العمل العسكري هو واحد منها فقط، ونتمنى من الإدارة الأميركية أن تقرأ في الكتاب الأميركي الذي تعلمنا منه في مدارسها.

لقد دفعت أميركا منذ أكثر من عام سيناريوهات متعددة وعلى أكثر من محور، بعضها يتلاقى ويصطدم بالآخر، وبعضها يتناقض مع الآخر، ومنها ما ولد ميتا، كتدريب جيش من المعارضة المعتدلة، ومنها ما ولد معاقا واستمر، كالتحالف الدولي لقصف داعش، علما أن العلوم العسكرية تؤكد أن القصف لم يكن يوما كافيا لحسم حرب أو حتى معركة دون الاستعانة بقوات أرضية متحالفة، وكفؤة، وقادرة، وتملك تأييد كافة فئات الشعب.

فشل ذلك في العراق لعدم استيفاء الشروط، فبعد إطلاق التحالف سقطت مدينة "الرمادي"، ودخل تنظيم الدولة إلى مصفاة "بيجي" ولم يزل، وفشل في سوريا، فتمدد التنظيم، وسقطت تدمر للأسباب عينها.

واليوم يأت الكلام عن احتمال تدخل عسكري عربي في سوريا، فأي دولة عربية سترسل قواتها للقتال في سوريا؟ واستنادا إلى أي قرار؟ وتحت أية قيادة؟ وهل سيتم ذلك -إن حصل- رغم إرادة النظام السوري أم بالتنسيق والتعاون معه؟ أسئلة تطرح ولا جواب عنها حتى الآن؛ لذلك فهو حديث "خرافة" في الوقت الحاضر على الأقل، وليس قبل خطوات أساسية لا بد منها.

أميركا دفعت منذ أكثر من عام بسيناريوهات متعددة وعلى أكثر من محور، بعضها يتلاقى ويصطدم بالآخر، وبعضها يتناقض مع الآخر، ومنها ما ولد ميتا، كتدريب جيش من المعارضة المعتدلة، ومنها ما ولد معاقا واستمر، كالتحالف الدولي ضد داعش

يأتي ذلك مع خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الواضح والصادم والصريح، منذ أيام، بأن روسيا دعمت، وستستمر في دعم النظام السوري بالسلاح المتطور، والتدريب الدائم، إلى إشعار آخر، ولن يأتي هذا الإشعار على المدى القريب. ولم يذكر الرئيس الروسي أن الإستراتيجية الروسية لا تقوم على العاطفة، بل لأن سوريا وقاعدة طرطوس البحرية هي موطئ القدم الوحيد المتبقي لروسيا في المياه الدافئة.

ويأتي كلام بوتين بعد استقباله على مدى شهرين ملوكا ورؤساء ومسؤولين كبارا من العرب وغير العرب ومن غير حلفاء النظام السوري.

ثم يأتي الدور التركي الذي لا يمكن إنكار تأثيره بالغ الأهمية على المسرح السوري، والخلاف التركي الأميركي على المنطقة العازلة الذي نجم عنه جائزة ترضية من كل طرف للآخر: استخدام قاعدة "إنجرليك" لقوات التحالف من جهة، ومباركة أميركا قصف مواقع حزب العمال الكردستاني في العراق واعتبارها هذا الحزب تنظيما إرهابيا من جهة أخرى.

تركيا أعلنت -ولو متأخرة جدا- حربها على تنظيم الدولة الإسلامية وهي على أبواب انتخابات جديدة، والتي مهما كانت نتائجها ستجعل تركيا جزءا أساسيا في المعادلة، ولن تعود طائرا يغرد في غير سربه.

أما الكلام عن حل سياسي في سوريا يقضي بتشكيل حكومة انتقالية تمثل النظام والمعارضة وتملك السلطات التنفيذية ويبقى الأسد رئيسا بروتوكوليا إلى أن تنتهي ولايته، فيبقى كلاما سياسيا وطرحا نظريا للسيد "دي مستورا" ما دام لم يلق بعد قبولا من دمشق، بينما وجد رفضا قاطعا مسبقا من المعارضة. ثم يأتي طرح آخر تؤيده روسيا يتحدث عن انتخابات برلمانية في سوريا؛ فأية انتخابات ستجري في بلد يستعر فيه القتال يوما بعد يوم وفي أكثر من ساحة؟

والخلاصة، يرى الكثير من المراقبين الموضوعيين أنه إذا كان هناك اتفاق دولي أو قرار جامع للبدء بوقف الحرب في سوريا، فإن ذلك سيجري على مراحل وخطوات، منها أن دولا أربعا هي أميركا، وروسيا، وإيران، وتركيا، تستطيع إذا جلست على طاولة واحدة أن تبدأ الخطوة الأولى، وهي قرار وقف إطلاق النار في سوريا، وتضع الخطوط العريضة، بعد تشاور كل فريق مع حلفائه، ويمكن استصدار قرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة أو مجلس الأمن بهذا الشأن أو من كليهما معا.

فهل هذا ممكن؟ الجواب نعم. إذا توفرت الإرادة، ولكن ليس قبل إقرار الاتفاق النووي من قبل الكونغرس من جهة ومجلس الشورى الإيراني من جهة أخرى، وليس قبل نهاية العام الحالي بأي حال. والسؤال التالي هل سيتحقق ذلك؟

إذا التزم النظام السوري بناء على رغبة وقرار حلفائه إيران وروسيا، وبسرعة أكثر فهل يلتزم الآخرون؟ إن كافة الفصائل الإسلامية والجيش الحر وحتى جبهة النصرة، تتلقى الدعم المادي والسياسي واللوجستي من جهات باتت معروفة، ولا تنكر ذلك، و"من يدفع يأمر". ويبقى تنظيم الدولة متمردا على الجميع وهدفا للجميع.

إذا غاب رأس النظام السوري حاليا لأي سبب، أو فقد السيطرة على العاصمة دمشق، فإن ما تبقى منه سينكفئ إلى الساحل السوري، ويتحول باقي سوريا إلى ساحة حرب بين داعش والفصائل الأخرى، وتبدأ مرحلة "الصوملة" التي لا حدود زمنية لها
إن تحقيق الخطوة الأولى الواردة أعلاه هو شرط أساسي وضرورة ملحة، قبل بحث حكومة انتقالية، وانتخابات تشريعية أو رئاسية في سوريا.

أما الحكومة الانتقالية المزمع تشكيلها بصلاحيات تنفيذية واسعة، وتمثل الأطراف كافة فهي التي ستعيد تشكيل الجيش السوري والأجهزة الأمنية، وليس تفكيكها أو إلغاءها، كما حصل في العراق عام 2003. وهي بنى تحتية أساسية للدولة توافق على الحفاظ عليها كل من موسكو وواشنطن منذ أكثر من عام، ولا ضير من طاولة مستطيلة موسعة تشمل أطرافا عدة لبحث التفاصيل حيث "تكمن الشياطين" كما يقال.

ومن جانب آخر، فإن الضغط الهائل الذي تواجهه أوروبا اليوم جراء تدفق النازحين السوريين والذي شكل خطرا أمنيا، وديموغرافيا، وتحديا إنسانيا يجعل أوروبا تندفع بجدية وحوافز وحماس أكثر للانخراط في الحل السياسي للأزمة السورية.

وعودة إلى التدخل العربي، فإن هذا التدخل ممكن عند تحقق ما ورد أعلاه وبناء على طلب الحكومة السورية الانتقالية أو الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات تشريعية، ولقتال تنظيم الدولة الإسلامية أو ما يصنف إرهابيا ويتمرد على الإرادة الدولية.

وأخيرا، فإنه ما لم يتحقق ما ذكر أعلاه واستمر التسليح، والدعم العسكري لهذه الجهة أو تلك، فإن العنف سيستمر، ويزداد كذلك التدمير وإراقة الدماء واستمرار تدفق النازحين، ولن يكون هناك حسم عسكري لأي طرف.

وإذا غاب رأس النظام السوري حاليا لأي سبب، أو فقد السيطرة على العاصمة دمشق، فإن ما تبقى منه سينكفئ إلى الساحل السوري، ويتحول باقي سوريا إلى ساحة حرب بين داعش والفصائل الأخرى، وتبدأ مرحلة "الصوملة" التي لا حدود زمنية لها.

وكي لا نفقد الأمل، لننتظر ما ستأتي به مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية هذا الشهر، ولن نبالغ برفع سقف التوقعات كي لا نصاب بخيبة تفقدنا أي أمل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك