مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


عكفت الإنسانية المعاصرة تتأمل لوحة الرسام الإيطالي جيوفاني براغولين المسماة الطفل الباكي زمنا طويلا، وهي قسمات تستدعي مشاعر كل إنسان، وكل قيم الرحمة والشفقة التي فطر الله الناس عليها، فدمعتاه المنحدرتان على خد منهك في وجه يحاصره الحُزن من كل مكان، تقول لجوفياني أين الطفل فلنمد أيدينا إليه، أينما كان وكيفما كان.

لكن اللوحة التي عكسها موج البحر على شواطئ أوروبا للطفل الكردي السوري أيلان (ومعناه العربي "راية النصر") لم تكن خده المتوجع ونزف مدامعه، بل جسده الممدد ووجه المستقبل لوجه الأرض، وكأنما يقول تبا لثقافة البشرية الجائرة، سأرحل إلى السماء ولن أنظر في وجوهكم، وهي لوحة بمداد الدم البريء وأنفس الطفولة المقدسة المحصّنة من الخالق، وهي لوحة ليست في ترانيم السرياليين ولا خيال الرسامين، وإنما قراءة لسفر الحقيقة في عهد الدوليين المنافقين.

إن حجم صورة أيلان ليس في جسده الصغير الممدد، لكنه في رمزية ما تعلنه رسالة موته الاحتجاجي. أيلان طفل من عشرات آلاف أطفال سوريا، نعم عشرات الآلاف -بالدقة لا بالتقدير- مُددت أجسادهم أو قطّعت أو حُرقّت بالأسيد، بيد النظام الإرهابي ومليشيات إيران المتعددة، أو قتلوا تحت حراب داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) التي أوجد النظام أرضيتها.

أيلان طفل من عشرات آلاف أطفال سوريا، نعم عشرات الآلاف بالدقة لا بالتقدير، مُددت أجسادهم أو قطّعت أو حُرقّت بالأسيد بيد النظام الإرهابي ومليشيات إيران المتعددة، أو قتلوا تحت حراب داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) التي أوجد النظام أرضيتها
وإنما كانت لوحة أيلان معبرة مقتحمة وجدان العالم لأن الطفل كان يتنقل به الموج من حدود عربية فاجرة إلى حدود غربية آثمة، كلها تحالفت عليه وردت سفينته وتركته في موكب الغرق وتجار الموت، حتى فاضت روحه إلى الله تلعن النفاق المزدوج، ونحن اليوم في حفلة كبيرة، بعض شركاء الندب فيها على أيلان هم شركاء في قتله بصورة أو أخرى.

إن جلد الضمير الشعبي في أوروبا، الذي سجل حضورا لافتا، وقاد حملة التضامن مع اللاجئين بعد صرخة الموت الصامتة لأيلان وقبلها، موقفٌ غير أخلاقي، فهذا الضمير ليس مسؤولا عن المؤسسة الغربية وخاصة واشنطن في شراكتهم المباشرة في مذبحة الأطفال الكبرى، وموقف الاتحاد الأوروبي المنافق في سوريا.

وإنما يشكرون كحركة شعبية حقوقية على تضامنهم، أمام موقف العربي البائس، الذي لا يستطيع أن يخلق تضامنا شعبيا فعّالا من المحيط إلى الخليج، لطقوس أنظمته ومؤسساته أمام أي كلمة للحرية، وإن وجد دفق شعبي من أهل الخليج العربي، سبق في الغوث لأرض اللاجئين، وفيه من ينحتون الصخر لإيصال الدعم للبائسين السوريين.

إن حكاية أطفال سوريا، ولائحة الاتهام اليقينية بدأت من النظام السوري وتفنّنه في كل أداة حربٍ وحشية على شعبه، وتمت مشاركته ودعمه مباشرة من الروس وإيران، ولكن من دعم استمرار الموقف هو الحكومات الغربية وبالذات واشنطن، التي استمرت الرافض الأكبر لوجود أي منطقة آمنة يُجبر عليها النظام فيَسلم فيها أيلان وعائلته الكبرى وأطفال سوريا، ويتاح لمشروع مشترك تنظيم إغاثتهم وحياة الطفولة البريئة المدنية.

لقد شارك الغرب في حملة الهجرة القسرية، تماما كما شاركت أنظمة عربية بفعل تأييدها النظام، وأخرى انسحبت عمليا من موقفها المعلن ودعم الثورة وتركت اللاجئين يتيهون في الأرض لم تفتح لهم بابا، ولم تعنهم بمدد عسكري وإنساني حاسم، يعجل بفجرٍ سوري مستقر.

كما أن بعض التدخلات الرسمية أو الشعبية، وبعض مواقف المعارضة السياسية والميدانية التي عقّدت مشهد اللجوء وأخرت مساحة تحقيق جغرافيا آمنة، لها كفلٌ من الشراكة، خاصة من أسس لفتح سوريا أمام داعش، فزادت سطوة النظام وحشية مع وحشية داعش.

لقد ظلت واشنطن تهدد أي مدد لمضادات الطائرات التي تمنع النظام من التحليق على مناطق الثورة، فيأمن المدنيون خاصة الذين هم خلف خطوط الحرب بعشرات الكيلومترات، ليس تواطأ مع الروس وإيران لإعادة التأسيس الإقليمي فحسب، بل لمنع سحب البطاقة القوية الوحيدة لدى النظام وهي قتل المدنيين، وبالتالي تغيير المعادلة ضد مصالح إسرائيل التي ترفض بشدة إسقاطه، كما يرفضه الغرب، لأسبابه الذاتية ولدعم إسرائيل المباشر.

لكن ذلك لا يُخفّف ولا يُلغي أهمية السؤال التاريخي، وهو لماذا لم يتقدم من تبنّى قرار المناطق الآمنة خطوة وهو يعلم أن واشنطن لن تصادم دولا محورية في المنطقة لها مصالح معها، كتركيا والسعودية؟

إن السؤال القديم الجديد يعود: لماذا لا تُحقّق المناطق الآمنة اليوم وقد اكتملت عناصرها بوضوح، خاصة أن حرب داعش الدولية التي يغرف كل طرف منها لحساباته، في ما يشبه طاولة طعام بين المدعوين مملوءة بقائمة طعام كاذبة، تمثل فرصة تاريخية للعبور للمناطق الآمنة؟
إن وقف رحلة الألم والنزوح القاتلة وقوارب الموت، لن تتم دون أن تُحقّق موازين ميدانية وإستراتيجية جديدة، لصالح تطبيق مشروع المنطقة الآمنة، الذي سيُغيّر قواعد اللعبة في الميدان ويُسرّع معركة الحسم في دمشق
هذا لا يُلغي أبدا مسؤولية الإغاثة والنجدة لأهل سوريا، وإعطائهم أرض لجوء مؤقت، وفسح القوانين لهم في الدول العربية الخليجية، وأهل سوريا يتميزون بالاندماج مع الشعوب، وخلق طبقة اقتصادية اجتماعية مرنة تستفيد منها الدول، كتجربة تركيا بعد موقفها التاريخي من احتضان 3.5 ملايين لاجئ، هم العدد الحقيقي بحسب مصادر إعلامية وإغاثية، فلماذا لا يستقبل العرب البقية، وتُنظّم إقامتهم، حتى يأتي النصر والفرج لهم.

لكن الرؤية الإستراتيجية ستظل حول خطة الإنقاذ الكبرى، وهي كلمة السر، وكلمة السر اليوم متاحة التطبيق، فَحَسَب القيادات التركية فإن سلاح الجو التركي على استعداد لتأمين المنطقة الآمنة وتسليمها لمنظومة الثوار، وواشنطن ترفض لكنه رفض مضطر للقبول به واقعا، للحصول على تسهيلات قاعدة إنجرليك وغيرها.

ويبقى للغطاء العربي دور كبير:

1- : بتغطية الموقف التركي رسميا وتشجيعه أمام المعارضة وأمام تعطيل الناتو.

2- تأهيل المنطقة الآمنة ببناء إنساني متكامل يُسهم في الغوث ودعم تنمية المجتمع السوري اللاجئ في أرضه، ويخلق استقرارا إستراتيجيا مرحليا.

3- المبادرة بدعم فصائل وهيئات الثورة، لإعلان القيادة المركزية المؤقتة، المقبولة من أغلب تشكيلاتهم، ودعم جهود الوحدة، وفرز المتطرفين وهو المجهود الذي تسعى الهيئات السورية الثورية للقيام به، مع تشجيع كل من لديه استعداد للقبول بمشروع الإنقاذ، وعدم افتعال معارك معها دون الحاجة لذلك كفصائل الاعتدال في جبهة النصرة.

إن وقف رحلة الألم والنزوح القاتلة وقوارب الموت، لن تتم دون أن تُحقّق موازين ميدانية وإستراتيجية جديدة، لصالح تطبيق مشروع المنطقة الآمنة، الذي سيُغيّر قواعد اللعبة في الميدان ويُسرّع معركة الحسم في دمشق، كما أن التأمين الإستراتيجي للاجئين في هذه المناطق سيمتد لتغطية مرحلة ما قبل الاستقرار بعد إسقاط النظام، وتثبيت قيام الحكم المؤقت.

ولن ننتظر من الغرب تشجيع هذه الخطوة، ولن نستغرب تهديد موسكو وإيران لها، لكن السؤال يتوجه لداعمي الثورة السورية: أما آن الأوان لخطوة مركزية تنهي معاناة أهل سوريا وتؤمّن أرضكم من زحف أو انفجار طائفي واقتسام جغرافي؟ هذا لا تحققه الأماني وإنما الدعم المركزي، فالسيف أصدق إنباء من الكتب، وخاصة الغربية منها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك