علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


حسنا فعلت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حين قررت في اجتماعها الأخير رفع توصية إلى رئاسة ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني بتأجيل انعقاد اجتماعات المجلس الوطني إلى إشعار آخر، وهي التوصية ذاتها التي رفعتها اللجنة المركزية لحركة لرئاسة ورئيس المجلس.


وبالفعل، أعلن رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون بعد يومين من رفع توصيتي اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية لحركة فتح تأجيل أعمال المجلس الوطني الفلسطيني إلى إشعار آخر، وذلك خلال مؤتمر صحافي عقده في رام الله في التاسع من سبتمبر/أيلول 2015 الجاري.

تأجيل عقد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني إلى إشعار آخر خطوة جيدة وإيجابية على الطريق الصحيح من أجل إنضاج ظروف عقد اجتماعات المجلس، وقد تمت بعد حراك واسع جرى بين الداخل والشتات، وبعد إعلان حركتي حماس والجهاد رفضهما عقد المجلس الوطني بتلك الطريقة، وبعد أن أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إحجامها عن حضور جلسات المجلس إذا عقدت في التاريخ المذكور.

تأجيل عقد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني إلى إشعار آخر خطوة جيدة وإيجابية على الطريق الصحيح من أجل إنضاج ظروف عقد اجتماعات المجلس، وقد تمت بعد حراك واسع جرى بين الداخل والشتات

كما تمت الخطوة الجديدة بتأجيل عقد اجتماعات المجلس الوطني بعد جهد كبير بذله المئات من المثقفين والكتاب والسياسيين من المستقلين وغير المستقلين عبر العديد من الفعاليات، ومن مختلف الألوان والمشارب السياسية والفكرية من عموم المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات، الذين وقعوا على عريضة تطالب بتأجيل عقد أعمال المجلس الوطني وتشكيل لجنة تحضيرية للإعداد الجيد والناجح، وقد تم رفع العريضة للرئيس محمود عباس وللسلطة الفلسطينية ورئاسة المجلس، وقد وصل عدد التوقيعات عليها إلى نحو ألف توقيع.

لقد سحب تأجيل انعقاد المجلس الوطني فتيل التفجير الذي كان يهدد الحالة الفلسطينية بمزيد من التمزق والانقسام والانهيار؛ فبعد كل الحراك ووقائع الجدل واللغط الكبير التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال أغسطس/آب الماضي، تراجع رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون عن تثبيت وتأكيد موعد انعقاد جلسات المجلس الوطني الفلسطيني، والتي كان يفترض أن تناقش تقارير اللجنة التنفيذية للمنظمة، وانتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد استقالة عشرة من أصل 18 من أعضائها، بينهم الرئيس محمود عباس، وبعد أن تم توجيه الدعوات الرسمية لأعضاء المجلس لحضور جلسات المجلس.

يضم المجلس الوطني الفلسطيني نظريا "719" عضوا من الداخل والشتات، بمن فيهم جميع أعضاء المجلس التشريعي المنتخب للضفة الغربية وقطاع غزة والبالغ عددهم "132" عضوا، يمثلون الفصائل والقوى والاتحادات الشعبية والتجمعات الفلسطينية في فلسطين والشتات وأعداد جيدة من المستقلين تنظيميا.

فالمجلس الوطني الفلسطيني (برلمان الشعب الفلسطيني الموحد بالداخل والشتات) يمثل في عضويته برلمانا فضفاضا يزيد عدد أعضائه عن عضوية برلمان الهند وجمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية!

وكان المجلس الوطني الفلسطيني قد عقد آخر دورة له عام 1996 في مدينة غزة بحضور الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وهي الدورة التي جرى خلالها تعديل وإلغاء العديد من بنود الميثاق الوطني الفلسطيني بالتصويت المباشر وبرفع اليد، في ظل مقاطعة عدد من القوى بما فيها بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ومنها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية (مجموعة نايف حواتمة) وجبهة التحرير العربية ومنظمة الصاعقة؛ الأمر الذي أثار خلافات حادة وانقسامات بين مختلف الأطراف في الساحة الفلسطينية، وهي خلافات ما زالت تجرجر نفسها حتى الآن.

المضحك المبكي في توزيع الدعوات لحضور أعمال المجلس في موعده قبل تأجيله، أن هناك عددا من الدعوات وصلت إلى دمشق وتحمل أسماء مدعوين من "المتوفين" الذين غادروا الدنيا قبل سنوات طويلة، ومنهم من أعضاء الجبهة الشعبية القيادة العامة وممثليها في المجلس الوطني الفلسطيني.

إن عقد دورة عادية للمجلس الوطني والوصول إلى نتائج طيبة ومثمرة على طريق إنهاء الانقسام، يتم بالتوافق على التحضير الجيد لها من قبل الإطار القيادي المؤقت الذي تشارك فيه جميع القوى دون استثناء ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي

فضلا عن وصول الدعوات لأعضاء قياديين يدرك الجميع صعوبة وصولهم إلى رام الله، لأسباب تتعلق بالمنع "الإسرائيلي" أولا، وأسباب تتعلق بالموقف السياسي ثانيا، فضلا عن الموقف الأمني ثالثا، ومنهم نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين داود مراغة الذي أكد في جلسة خاصة بدمشق قبل أيام موقف الجبهة الشعبية المتحفظ من عقد دورة المجلس، بل والرافض عقدها بالطريقة التي تم التحضير لها، فضلا عن صعوبة وصول الأعضاء للمشاركة في أعماله.

ومن هنا، فإن الحرص على ضمان وصول الجميع لحضور أعمال دورة المجلس يفرض عقد الدورة في عاصمة عربية خارج الأراضي الفلسطينية.

إن النقاش المحتدم بشأن دعوة عقد المجلس الوطني الفلسطيني التي تم تأجيلها تحت ضغط وتأثير القوى الرافضة عقده، وتحت ضغط وتأثير الفعاليات من المثقفين والكتاب وأصحاب الرأي، دفع الكثيرين للتبحر والتغلغل بين سطور النظام الأساسي للمنظمة، مدققين في مواده لاستبيان الشروط النظامية لعقد جلسات للمجلس الوطني، عادية كانت أو استثنائية.

وما بين الجلسة العادية والاستثنائية مد وجزر بين الفصائل الفلسطينية، فمنها من كان يميل نحو عقد جلسة استثنائية بأسرع وقت ممكن يتم بموجبها تدارك كل خلل عانت منه منظمة التحرير الفلسطينية، ومنها من كان وما زال يطالب بالإعداد لدورة عادية للمجلس الوطني وفقا لأحكام القانون وبدعوة كافة الفصائل الفلسطينية، ومنها من كان يرفض الحضور في ظل ظروف دعوة الانعقاد التي تم تأجيلها، خاصة حركة حماس التي تعتقد بأن دعوة عقد المجلس الوطني الفلسطيني (التي تم تأجيلها) في رام الله بمثابة "انقلاب على اتفاقيات المصالحة الفلسطينية"، وأن الدعوة تم ترتيبها لغايات سياسية "لإعادة فك وتركيب الهيئة القيادية العليا في المنظمة حتى تصبح على مقاس واحد"، والمقصود اللجنة التنفيذية.

لقد كانت الدعوة المقترحة لأعمال المجلس الوطني في رام الله يومي 14 و15 سبتمبر/أيلول الجاري، والتي تم تأجيلها إلى إشعار آخر، دعوة عجولة ومسلوقة، واستخدامية لوظيفة محددة لا تلبي المطلوب من جهة الوظيفة المرجوة لإعادة بناء وهيكلة مؤسسات المنظمة على أسس ديمقراطية، يتم من خلالها تجاوز محنة الانقسام، وإشراك جميع القوى في قيادة المنظمة على أساس برنامج ائتلافي تشاركي، لذلك ما زال اللغط سائدا بين مؤيد ومتحفظ ورافض للمشاركة في أعمال الدورة.

إن عقد دورة عادية للمجلس الوطني الفلسطيني والوصول إلى نتائج طيبة ومثمرة على طريق إنهاء الانقسام، يتم بالتوافق على التحضير الجيد لها من قبل الإطار القيادي المؤقت الذي تشارك به جميع القوى دون استثناء، ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

هذا مع الالتزام بما ورد في النظام الأساسي لمنظمة التحرير باعتماد القاعدة التي تنص على أن المجلس الوطني بأغلبية ثلثي أعضائه هو الجهة الوحيدة المخولة بإعادة انتخاب اللجنة التنفيذية للمنظمة بكامل أعضائها، أو ملء الشواغر في عضويتها، والعمل على توفير فرص المشاركة المتساوية لجميع أعضاء المجلس عن طريق إجراء الاتصالات اللازمة لعقد دورة عادية في أحد البلدان العربية، وبذل كل الجهود من أجل تذليل العقبات التي تحول دون مشاركة الأعضاء من مختلف التجمعات والفصائل والاتجاهات.

إن النقد القاسي للدعوة المسلوقة لعقد دورة المجلس الوطني لا يعني الانقلاب عليها أو تدميرها، بل ينبع من الحرص الشديد على منظمة التحرير وعلى دورها الكياني التمثيلي المفترض للشعب الفلسطيني بالداخل والشتات
وفي كل الأحوال، فإن من المهم هو التحضير لعقد دورة عمل جدية للمجلس الوطني الفلسطيني بشكل جيد ومتكامل، وفق النظام المعتمد في التحضير لأعمال الدورة النظامية، بحيث تشكل دورة المجلس محطة مفصلية في مراجعة التجربة السابقة منذ إبرام اتفاق أوسلو، والتوافق على إستراتيجية وطنية فعالة تستعيد الطابع الوطني التحرري للقضية الفلسطينية بعد مرحلة التيه في معمعان عملية سياسية تفاوضية مع الاحتلال بعيدة عن التوازن وقد وصلت إلى الجدار المسدود.

وهذا ما يفرض قيام لجنة تحضيرية بتجهيز الملفات والتقارير السياسية وغيرها، والتي كان يجب أن تنجز قبل فترة كافية من التئام أعمال المجلس من قبل اللجنة التحضيرية، وأن تسلم لأعضاء المجلس قبل وقت كاف.

على كل حال، فإن عضوية المجلس الوطني الفلسطيني بحاجة لتدقيق، سواء عقَد جلسات دورته المقررة أو لم يعقدها، وهو ما يفترض أهمية تشكيل لجنة تحضيرية تتولى الإشراف على عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني بالانتخاب حيث أمكن والتوافق الوطني حيث يتعذر إجراء الانتخابات، وفقا لما ورد في اتفاق المصالحة الموقع في مايو/أيار 2011.

وبما يضمن إعادة بناء التمثيل وتجديد هياكل ومؤسسات المنظمة بطريقة ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع التي تضمن الوصول إلى التشاركية الوطنية في صياغة وصناعة وإدارة القرار الوطني الفلسطيني على مستوياته المختلفة، وإنهاء عقلية وذهنية الاستحواذ، واحتكار سلطة القرار، واستدرار الماضي، وسيادة منطق تقاسم الحصص (الكوتا)، المعمول به منذ قيام ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية في فبراير/شباط 1968.

أخيرا، إن النقد القاسي للدعوة المسلوقة لعقد دورة المجلس الوطني لا يعني الانقلاب عليها أو تدميرها كما يعتقد بعض المتسرعين، بل ينبع من الحرص الشديد على منظمة التحرير وعلى دورها الكياني التمثيلي المفترض للشعب الفلسطيني بالداخل والشتات، وهو الحرص الذي يدعونا الآن أكثر من أي وقت مضى من أجل رفع الصوت عاليا لإصلاح أوضاع المنظمة وتوسيع عضويتها بالقوى الفاعلة على الأرض، وضمان عقد دورة متكاملة للمجلس الوطني تستوفي شروط النجاح.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك