غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


أطلق الاتفاق النووي دينامية صراعية جديدة في المنطقة، ووضع العرب أمام واقع سيئ واحتمالات خطيرة يصعب تجاهلها وعدم التحضر لها.

وإذ تبدو الأطراف الإقليمية الأخرى (تركيا وإسرائيل وإيران) خارج دائرة المخاطر التي رتبها الاتفاق النووي، إما نتيجة وقوعها خارج دائرة الاستهداف الإيراني وامتلاكها وسائل ردع تحميها، أو نظرا لوجود التزامات صريحة تجاهها من قبل الجهات الراعية للاتفاق أو إيران نفسها، كحالة إسرائيل؛ فإن الطرف العربي هو الأكثر تأثرا، وبالتالي هو الجهة المعنية بإصدار الاستجابة المناسبة لمواجهة هذا التحدي.

لا شك أن أي تقييم للخطر الإيراني المحتمل لا بد أن ينطلق من قراءة السلوك الإيراني تجاه دول الإقليم عشية توقيع الاتفاق، وهنا لا تبدو التصريحات التي اعتادت دبلوماسية طهران إطلاقها عن الجوار وحسن العلاقات والروابط الإسلامية، أكثر من أدوات ووسائل حربية إضافية جرى استخدامها بقصد إحراج حكومات الجوار العربي وذر الرماد في العيون، في حين كان السلوك الإيراني يأخذ مسلكا أكثر قسوة عبر إدامة نهج العدوان على جزء كبير من شعب العراق وتزويد نظام الأسد بأدوات القتل ضد السوريين وإرسال الأسلحة والعملاء للعبث باستقرار البحرين.

تبدو الأطراف الإقليمية الأخرى غير العرب خارج دائرة المخاطر التي رتبها الاتفاق النووي، إما نتيجة وقوعها خارج دائرة الاستهداف الإيراني وامتلاكها وسائل ردع تحميها، أو نظرا لوجود التزامات صريحة تجاهها من قبل الجهات الراعية للاتفاق أو إيران نفسها

على ذلك يبدو أن الصراع على الجهة الإيرانية سيبقى محصورا ضمن سيناريو واحد وهو تصعيد الهجمة على العرب، وخاصة أنها تملك مقومات داعمة هذه المرة، تتمثل بالمداخيل التي ستحصل عليها جراء رفع الحصار عنها، وحصولها على ما تعتقد أنه ضوء أخضر دولي لإعادة صياغة المنطقة وشرعنة انخراطها كجائزة لها، تحت ذريعة محاربة الإرهاب وضبط الفوضى الحاصلة في الإقليم.

كل المؤشرات تدل على أن إيران في طريقها لإعادة تموضعها في المنطقة بناء على تقديرها بأن الأمور تسير لمصلحتها، أما ساحات الحراك الإيراني فستكون هذه المرة -بالإضافة إلى العراق وسوريا واليمن- الدول الخليجية، وتحديدا البحرين والسعودية، عبر عمليات تستهدف إرباك الخليج ودفعه إلى الانكفاء، خاصة أن إيران تدرك أن انتصارها في الساحات الأخرى بات يقتضي حكما دفع الخليج إلى الانكفاء، وخاصة أنه الطرف العربي الوحيد الذي يقف في مواجهتها.

أمام هذا الواقع فإن العرب سيجدون أنفسهم في مواجهة متنقلة على أكثر من جبهة، تستنزفهم دون هوادة، المهم في الأمر أن المواجهة واقعة والباقي يبدو تفاصيل هنا وهناك. وهنا أيضا لا بد من التنبيه إلى قضية مهمة وهي أن العرب سيعتمدون على قواهم الذاتية حصرا دون أي حسابات وهمية عن مساعدات يمكن الحصول عليها من الخارج، سواء من الأطراف الدولية أو الإقليمية.

فالغرب يقف اليوم عند قناعة أنه حل إشكالياته مع الطرف الإيراني، وأنه آن الأوان للاستفادة من الفرص التي وفرها الاتفاق النووي ممثلة بالسوق الإيراني وبفائض النفط والغاز لديها، أما دوره في الصراع في المنطقة فلن يكون أكثر من محاولة لإدارة هذا الصراع عن بعد، أو في أحسن الأحوال تزويد أطرافه بصفقات جديدة من الأسلحة.

أما الأطراف الإقليمية فستكون أيضا أمام إشكالية موازنة أرباحها وخسائرها من الانخراط في الصراع، وقد أعربت كل من تركيا وباكستان عن سعادتهما للفرص الاقتصادية والاستثمارية التي سيوفرها وضع إيران الجديد بعد الاتفاق، كما أن إيران نفسها ستعمل على تقديم مزيد من الإغراءات لجوارها غير العربي في سبيل ضمان تحييده نهائيا عن الصراع.

وعليه ما هي السيناريوهات المحتملة لشكل الاستجابة العربية لمواجهة هذا التحدي، بالنظر للمعطيات المتوفرة والمتغيرات الحاصلة في البيئتين الإقليمية والدولية؟

يمكن للطرف العربي أن يشكل حيثية دفاعية تضعه في موقف ردعي قوي بالنظر للفارق الهائل في حجم الموارد والذي يصب لصالح العرب، فدول الخليج وحدها تملك منظومة أسلحة حديثة تفوق نظيرتها الإيرانية عشر مرات

السيناريو الأول: أن يشكل العرب تحالفا دفاعيا موحدا وإستراتيجية واضحة لمواجهة الخطر الإيراني وجميع المخاطر التي تواجههم في الإقليم، وهذا يستدعي تحديد الأهداف المطلوب تحقيقها من هذا التحالف وتحديد مساهمات كل طرف فيه وتحديد الآليات المشتركة لوضع الأهداف موضع التطبيق.

وفق هذا السيناريو يمكن للطرف العربي أن يشكل حيثية دفاعية تضعه في موقف ردعي قوي بالنظر للفارق الهائل في حجم الموارد والذي يصب لصالح العرب، وبحسب أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن دول الخليج وحدها تملك منظومة أسلحة حديثة تفوق نظيرتها الإيرانية عشر مرات، غير أن المشكلة في هذا السيناريو تكمن في تضارب أولويات العرب من هذا الصراع وترتيبهم للمخاطر، ففي حين يشكل الخطر الإيراني المرتبة الأولى في التقدير السعودي فإن قائمة المخاطر المصرية لا تلحظه أصلا، بل تعمل على التعاون معه في بعض الساحات مثل سوريا.

السيناريو الثاني: أن تذهب دول الخليج إلى تشكيل إطار دفاعي خاص بها لمواجهة الخطر الإيراني على اعتبار أنها الطرف الأكثر تضررا والمعنية بدرجة أكثر من غيرها بالاستهداف الإيراني، ويتوقف مثل هذا الإجراء على تقييم الدول الخليجية لدرجة الخطر الذي تمثله إيران في هذه اللحظة وما إذا كان السلوك الإيراني تجاهها يمثل شكلا من أشكال الاستهداف.

مع العلم أن إيران تسعى إلى اختراق الموقف الخليجي بشتى الوسائل من الترغيب والترهيب لمنع تشكل موقف موحد ضدها، والمشكلة التي تواجه هذا السيناريو ميل بعض الأطراف الخليجية إلى تغليب التفسير السلمي واتباع سياسات حسن الجوار والتريث وعدم الاندفاع إلى المواجهة الصريحة، وهذا بالضبط ما تحتاجه إيران، غموضا وارتباكا في الموقف ومزيدا من الوقت الضائع.

السيناريو الثالث: أن تتعامل الأطراف العربية بشكل منفرد مع الأخطار ويذهب كل طرف إلى تصميم إستراتيجية مواجهة تتناسب مع قدراته وإمكانياته ومن خلال الاعتماد على شبكة حماية دولية توفر له الضمانة بعدم حصول اعتداء إيراني عليه، وهذا النمط من الإستراتيجيات الدفاعية يبدو الأكثر ترجيحا نتيجة الخبرة العربية المتراكمة مع الأزمات، فضلا عن اختلاف السياسات العربية وعدم توافقها في مواجهة الأخطار، وهي طريقة سهلة على العموم كونها في متناول كل طرف ويمكن إدارتها والسيطرة عليها من خلال الأجهزة الداخلية ولا تحتاج للتنسيق والربط بين أطراف عدة.

تضع إيران العرب -أو جزءا منهم- أمام تحديات داهمة، وهذه التحديات تقع في إطار الأنماط الخطرة، ذلك لأن هامش المناورة تجاهها ضيق ومربك، كما أن أهدافها ذات طبيعة جذرية تستهدف إعادة صياغة الواقع الجغرافي والديمغرافي وتغيير طبيعة نظم الحكم في هذه البلدان

السيناريو الرابع: خضوع العرب للأمر الواقع والتكيف مع المتغيرات الإقليمية الحاصلة بما فيها الاعتراف بالنفوذ الإيراني، وما يشجع على اتباع هذا السيناريو عدم استعداد الدول العربية للانخراط في صراعات لا نهاية لها، في حين أن البدائل الأخرى وإن لم تكن حسنة إلا أنها أقل كلفة من الدخول في مغامرات عسكرية غير محسوبة النتائج.

ويمكن المراهنة على تعديل طبيعة الصراع مستقبلا من خلال تعويم المصالح المشتركة بين الأطراف وإغراء إيران بتحقيق مكاسب ناعمة تغنيها عن الدخول في صراعات مع الأطراف العربية، وهذا يتضمن التنازل مقدما لها عن سوريا والعراق واعتبارهما ساحات نفوذ محسومة لصالحها.

السيناريو الخامس: استمرار الصراع بصورته الحالية، صراع بالوكالة، من خلال دعم قوات المعارضة في سوريا واستنزاف أذرع إيران في المنطقة، مع إضافة تغيرات نوعية على هذه المعادلة تتمثل بإدخال مكونات جديدة في الصراع، كالحركات الإسلامية في المنطقة والاستفادة من خبرتها القتالية، إضافة إلى تدعيم الحركات السنية المقاتلة في إيران لزيادة الضغط عليها.

ويبدو هذا السيناريو أكثر قابلية للتطبيق كما أنه يشكل معادلا موضوعيا للإستراتيجية الإيرانية التي اتبعت طريقة تأسيس بنية قتالية داخل المجتمعات العربية تمثلت بمليشياتها العديدة.

تضع إيران العرب -أو جزءا منهم- أمام تحديات داهمة، وهذه التحديات تقع في إطار الأنماط الخطرة ذلك لأن هامش المناورة تجاهها ضيق ومربك، كما أن أهدافها ذات طبيعة جذرية تستهدف إعادة صياغة الواقع الجغرافي والديمغرافي وتغيير طبيعة نظم الحكم في هذه البلدان، فهل ينهض العرب لمواجهة هذا التحدي المفروض عليهم أم سيلجؤون للتكتيكات القديمة التي جرى استخدامها مع الخطر الإسرائيلي عبر الذهاب إلى تسويات منفردة واختزال القضية بنزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل حول أراض محددة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك