عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


كيف تبدو صيرورة الأزمة السورية؟ وكيف يمكن تعريفها منهجيا: هل هي أزمة هوية أم أزمة قومية؟ وهل هي أيضا أزمة تاريخية؟

ليس ثمة مطلق في الفضاء المعرفي، وكل جهد تحليلي أو استقراء أو استنتاج علمي يبقى خاضعا للتطوير، واستكشاف المزيد من العناصر الدالة عليه، أو الدافعة باتجاه إعادة تحليله، وقراءته من زوايا وأبعاد أخرى.

وهذا الأمر، ينطبق على العلوم التطبيقية، كما الدراسات الاجتماعية، سواء بسواء. وهو أكثر دلالة على صعيد المقاربات السياسية والجيوسياسية.

والأزمة السورية، بما هي قضية كبرى راهنة في الفضاء القومي، لا بد من التوجه لمقاربتها مقاربة علمية، بعيدة عن الإسقاطات الأيديولوجية، بحيث يغدو المواطن العربي قادرا على الإحاطة بها، وفهم دلالاتها البعيدة المدى، ذات الصلة بالعرب ومستقبلهم.

الأزمة السورية، بما هي قضية كبرى راهنة في الفضاء القومي، لا بد من التوجه لمقاربتها مقاربة علمية، بعيدة عن الإسقاطات الأيديولوجية، بحيث يغدو المواطن العربي قادرا على الإحاطة بها، وفهم دلالاتها البعيدة المدى، ذات الصلة بالعرب ومستقبلهم

سوف نحاول، في هذه السطور، الإجابة عن ثلاثة أسئلة، هي: هل الأزمة السورية أزمة هوية؟ أم أزمة قومية الأبعاد؟ وهل هي أيضا أزمة تاريخية؟ هذه هي تحديدا الأسئلة التي بدأنا بها سطور هذا المقال.

بداية، لا بد من التوضيح أن تعريف الأزمة السورية استنادا إلى هذه الثلاثية لا يمثل مصطلحا رديفا لتعريفها السياسي أو القانوني، أو منظورها الوطني العام. ودعونا نتوقف أولا عند مقاربة الأزمة السورية بما هي أزمة هوية. فنحن بداية بصدد مقولة إشكالية، تنطوي على قدر كبير من التحديات المنهجية.

قد نكون بصدد هويات فرعية متعددة، منصهرة في إطار حضاري أوسع، أو بناء جيوسياسي موحد، لديه القدرة على الموائمة بين الثنائيات، والحد من الضغوط المتأتية من خصوصيات التكوينات المشكلة للاجتماع السياسي، المعبر عنه بالشعب أو الأمة. وهذا الإطار أو البناء له بالضرورة تطوره التاريخي، وتجربته التراكمية، الممتدة في عمق الزمن، التي من خلالها -أو ارتكازا إلى حيثياتها- يمكن قياس نضج الهوية ودرجة تبلورها.

إن الهوية مفهوم معنوي له تجلياته الحسية. وهي تنضج وتتبلور وفقا لمبدأ النمو الحيوي، بمدلوله الكلي والعام. وتحديدا في سياقه الموجب للتطور. ولذا، يبرز الزمن كعامل رئيسي في هذا النضوج والتبلور.

وإذا انتهينا للقول بأن الهوية الجامعة المعبرة عن الاجتماع السياسي، هي نتاج إعادة إنتاج وتوليف لخصوصيات وانتماءات تحتية (أو رأسية)، ذات صلة بالبنى والأطر الاجتماعية المختلفة؛ فإن هذه الهوية تبدأ بالضرورة مسيرتها نحو التحلل منذ اللحظة التي يجري فيها إيقاظ الانتماءات التحتية، والنظر إليها كبديل للهوية الجامعة، أو مزاحم لها.

في الحالة السورية، حدث ما يمكن اعتباره هجوما على الهوية الوطنية، وزعزعة لها، أو إنكارا كليا لأصلها. وهذا الهجوم لا يترجم غلبة داخل الاجتماع السياسي، أو لنقل لا يعبر عن غالبية السوريين، ولا يتسق وخياراتهم السياسية والاجتماعية، بيد أنه يحمل قوة في الفعل والتأثير، كونه صادرا عن قوى وجهات نافذة على الأرض.

وهنا تحديدا، برزت الأزمة السورية باعتبارها أزمة هوية. وفي الحد الأدنى أزمة ناسفة للهوية، ومزعزعة لمقوماتها وركائزها الأولى. وحتى تتحول هذه الأزمة إلى أزمة هوية نهائية -على غرار ما حدث تاريخيا في مناطق مختلفة من العالم- فإن ذلك يتطلب غلبة، لا رجعة فيها، للقوى الدافعة باتجاه نسف الهوية الوطنية الجامعة.

وهل الأزمة السورية أزمة قومية عامة؟
مرة أخرى، نحن بصدد مقولة إشكالية، لكنها تثير من التحديات المنهجية أقل من تلك التي تطرحها قضية الهوية. هناك مستويان للبعد القومي الذي يمكن افتراضه منهجيا للأزمة السورية: الأول، ذو صلة بالواقع الأهلي العربي. والثاني، ذو علاقة بالنظام الرسمي العربي.

على المستوى الأول، ثمة تفاعل نفسي وإنساني، وانخراط إعلامي، ودعم مادي، ومشاركة عسكرية، وأمور أخرى. إن ذلك يعني ببساطة أن الأزمة السورية قد خرجت من حيزها الجغرافي، ونطاقها الوطني الخاص، وبات لها امتدادها القومي، الثابت والأكيد.

والسؤال بعد ذلك هو: كيف انعكست هذه الأزمة على الشارع العربي، هل دفعت باتجاه تماسكه أم زادت من حدة انقساماته؟ الاحتمال الأول كان في الأصل مستبعدا بحكم الأمر الواقع، أو لنقل بحكم الانقسامات الأيديولوجية والسياسية السائدة.

ولكن هل تحقق الاحتمال الثاني، أي زيادة حدة الانقسامات في الشارع العربي؟ وبعبارة أكثر تحديدا: هل باتت الأزمة السورية أزمة عربية، اجتماعية المضمون، رمت بتداعياتها السالبة على النسيج الاجتماعي العربي؟

الجواب: نعم. لماذا؟

لأن الفعل الأهلي العربي، ذا الصلة بالأزمة السورية، باتجاهاته وأشكاله المختلفة، بدا منذ البدء مختلفا مع ذاته، وصراعيا في بعض تفاعلاته. وحكمه التقاطب الفئوي والمناطقي، ومستويات وأشكال أخرى من التقاطب الضار.

وهذا الأمر لم يحدث على الأرض السورية وحسب، بل أسقط نفسه كذلك على الساحة العربية عامة، وأضحى لصيقا بالثنائيات الثقافية والاجتماعية السائدة فيها. وباتت الأزمة السورية مصدر إذكاء لهذه الثنائيات، وعامل تعزيز لنواتجها وإفرازاتها السالبة على المجتمع العربي. وبذلك أضحت هذ الأزمة أزمة اجتماعية، عربية النطاق والامتداد. أو لنقل أزمة قومية ذات أبعاد ومضامين اجتماعية.

إن سوريا قد تغيرت اقتصاديا في اللحظة التي خسرت فيها صناعتها، التي كانت رائدة على الصعيد الإقليمي. وخاصة بعد التخريب الكبير الذي تعرضت له المدينة الصناعية في حلب، التي كان ينظر إليها يوما كإحدى أكبر المدن الصناعية في الشرق الأوسط

وماذا عن النظام الرسمي العربي؟
كما الشارع العربي، كذلك النظام الرسمي، بدا هو الآخر لصيقا بالمسألة السورية. وإن في سياق مختلف، شكلا وإطارا. وعلى خلاف الفعل الأهلي، بدا التحرك الرسمي متماثلا في خياراته العامة والأولية. بيد أن الدول العربية ما لبثت أن انقسمت على صعيد مقاربتها للأزمة، وسبل حلها، والحدود التي يمكن أن تصل إليها في الرهان على الخيار السياسي أو نقيضه الأمني.

وعلى نحو سريع، انتهى الإجماع العربي أو ما كان قريبا منه. واتجهت كل دولة لتحديد سياساتها وفق رؤيتها وحساباتها الخاصة. وكان هذا الأمر متوقعا على أية حال. والأكثر من ذلك، هو أن الانقسام الرسمي العربي لم يبق تباينا عاما، بل اتخذ طابعا محوريا، معززا بقوى مختلفة من خارج النظام الإقليمي العربي.

إن الطابع المحوري في السياسة العربية اليوم هو الأشد تجليا وبروزا منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهو أكثر خطورة منه في حسابات الأمن والسياسة معا.

وهنا، تحولت الأزمة السورية إلى أزمة عربية عامة، طوقت النظام الرسمي العربي، وجعلته أكثر تشتتا. وليس ثمة ما يشير إلى أن هذا النظام يمكن أن يحد من انكشافه الأمني والسياسي الراهن، ما دامت الأزمة السورية على حالها. بل إن هذا الانكشاف في طريقه إلى مزيد التعمق والتجذر، بفعل المسار المعقد لهذه الأزمة، وتكاثف التدخلات الخارجية فيها. وهذا من بديهيات المنطق على أي حال.

وباندماج تداعياتها على النظام الرسمي العربي، بتلك التي رمت بنفسها على صعيد المجتمعات العربية ونسيجها الثقافي، يمكن القول إن الأزمة السورية هي اليوم أزمة قومية كبرى.

وماذا عن السياق التاريخي لهذه الأزمة، هل هي أزمة تاريخية بالمدلول النظامي للمصطلح؟

بداية، ليس من السهل، بأي حال من الأحوال، توصيف أزمة ما بأنها أزمة تاريخية، بل إننا بصدد مسألة معقدة كثيرا، وقد ينحو التحليل فيها منحى معياريا. وقد يوصف حدث ما بأنه تاريخي الطابع، بدل وصفه رسميا بالتاريخي. وفي ذلك تخفيف للمصطلح، وتقليص لمضامينه، وابتعاد عن إطلاق حكم علمي نهائي.

الأزمة السورية تبدو -استنادا لعدد من المعطيات- أقل تحديا من بعض الأزمات المماثلة، فيما يرتبط بفرص تحديد عناصر بعدها التاريخي، واستتباعا الحكم بتاريخيتها. وبداية أيضا، لا بد من التوضيح بأن "تاريخية" حدث ما تعني مركزيته الزمنية، وقدرته على الفصل بين ما قبله وما بعده، إن في نطاق كوني أو إقليمي أو وطني.

الأزمة السورية بلغت هذه المركزية في بضع سنين. وتطور نطاقها من الحيز الوطني إلى الإقليمي، ولكن دون أن تبلغ حيزا كونيا. تجلى نطاقها الوطني في منظومة عناصر ومؤشرات، بعضها ثابت البيان والأثر، يمكن الأخذ به والانطلاق منه، وبعضها الآخر قد يكون في مرحلة التشكل، وبعضها الثالث يقع في خانة الافتراض التحليلي المبدئي.

من العناصر الثابتة، تغير بناء الكتلة السكانية، وتبدل سماتها العامة. وقد حدث هذا التحول التاريخي نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية، هي: لجوء ملايين السوريين إلى الخارج، ونزوح ملايين آخرين منهم داخليا، وتضرر عدد من مشاريع التنمية البشرية، الرافدة للتطور الديموغرافي الوطني والمحفزة له.

ومن العناصر الثابتة الأخرى، الداعمة لفرضية تاريخية الأزمة السورية، تحول المؤشرات الكلية للاقتصاد الوطني، وظهور واقع جديد على مستوى عوامل الإنتاج، والتجارة الخارجية، والاتجاهات المالية والنقدية.

وقد حدث ذلك، بصفة أساسية، نتيجة لخروج الصناعة كموجه رئيسي للاقتصاد السوري، إثر عمليات العبث والتخريب التي طالت المنشآت الصناعية. وكذلك بفعل تدهور العديد من المصادر والمقومات الأولية الرافدة للتنمية الصناعية.

إن سوريا قد تغيرت اقتصاديا في اللحظة التي خسرت فيها صناعتها، التي كانت رائدة على الصعيد الإقليمي. وخاصة بعد التخريب الكبير الذي تعرضت له المدينة الصناعية في حلب، التي كان ينظر إليها يوما كإحدى أكبر المدن الصناعية في الشرق الأوسط.

إن سوريا، المتغيرة اقتصاديا، قد تستعيد قدراتها الزراعية، وشبكة تجارتها الخارجية، لكنها ستبقى متغيرة ومتحولة تاريخيا، نتيجة لخسارة بنيتها الصناعية التي شيدت على مدى عقود من الزمن.
وإن تحول سوريا الاقتصادي قد يتبعه تحول اجتماعي أوسع مدى. ويوما، قد يصبح هذا التحول ذاته أحد عناصر تاريخية الأزمة السورية.

يمكننا القول إن الأزمة السورية الراهنة هي أزمة صادمة للهوية الوطنية، بمقدار كونها معضلة قومية الأبعاد والنتائج والمفاعيل، كما تعتبر -في الوقت ذاته- أزمة تاريخية، لها تجلياتها المحلية والإقليمية

في النطاق الإقليمي، تجلت تاريخية الأزمة السورية في عدد من العناصر، التي بمقدور أي باحث ذي صلة تأكيدها، واستنباط مضامينها، واتجاهات حركتها.

إن أبرز هذه العناصر قد تجلت في انسياب عوامل الحرب (أو الصراع بمنطوقه العام) عبر الحدود، ودفعها باتجاه تغيير المشهد الأمني الإقليمي، في سياقه الكلي والعام، على نحو لم يشهد له الشرق الأوسط مثيلا حتى في ذروة الحروب العالمية والإقليمية. هنا، على وجه الخصوص، تجلت تاريخية الأزمة السورية في نطاقها الإقليمي، أي في نطاق تأثيراتها الإقليمية.

وعلى نحو مجمل، يمكن القول إن العناصر المؤشرة لتاريخية الأزمة السورية في سياقها الإقليمي هي عناصر مدمرة وسالبة المفاعيل. وقد أحدثت تحولا تاريخيا في بيئة إقليمية مضطربة، على نحو زادها اضطرابا، وجعلها أكثر بعدا عن الاستقرار.

إن تاريخية الأزمة السورية تعد مسألة بالغة الدلالة والأثر، وتحمل الكثير من الدروس التي يجب على الجميع التوقف أمامها، والتأمل في حيثياتها ومضامينها. ولا يجوز للمجتمع العربي أن يمر عليها مرور الكرام، لأنه معنيٌّ مباشر بها، كونها تساهم في رسم حاضره ومستقبله. وعلى الباحثين والمفكرين بلورة أدوات تحليلية جديرة بدراسة السياقات التاريخية للأزمة السورية، ومقاربة انعكاساتها السياسية والاجتماعية، وطرح الخيارات الخاصة بالتعامل معها.

وهكذا، يمكننا القول -خلاصة- إن الأزمة السورية الراهنة هي أزمة صادمة للهوية الوطنية، بمقدار كونها معضلة قومية الأبعاد والنتائج والمفاعيل، كما تعتبر -في الوقت ذاته- أزمة تاريخية، لها تجلياتها المحلية والإقليمية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات