توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


هرمنا ونحن نكرر أن الأردن دولة غنية ولا تحتاج لمنح وقروض تفرض عليها مواقف سياسية تصل حد التناقض بل تكرر تناقضها في عقود سابقة، وبذات ذريعة المعونات والقروض. وعلى أعتاب تغيرات إقليمية جذرية, يغدو هذا التناقض أكثر كلفة.

سبق وكتبنا وتحدثنا عن ثروات الأردن, وتحديدا الثروة البشرية والمعدنية, بل وعقدنا حلقات بحث وندوات تطوعية متخصصة, منها على سبيل المثال ندوة في بداية ثمانينيات القرن الماضي بحثت على امتداد ثلاثة أيام في تطوير كامل العملية التربوية في الأردن تحت عنوان "المدرسة التي نريد".. ندوة عقدناها بجهد ناد نسائي اسمه "نادي الجامعيات العربيات".

وأثمر ما تداولته الندوة من قضايا، عقد مؤتمر وطني لتطوير العملية التربوية ترأسه الأمير الحسن بن طلال -ولي العهد حينها- لا أدري لمَ انتهت مخرجاته في ظل طغيان السياسة على الإدارة، بينما في الولايات المتحدة تسمى سلطة الرئيس ذاته بـ"الإدارة".

كتبنا مرارا عبر هذا المنبر عن مدينة ومحافطة "معان" وأزماتها المعيشية ما جعلها نقطة اندلاع الانتفاضات الشعبية -بالشراكة غالبا مع جارتها "الطفيلة"- التي يشعل فتيلها الشأن المعيشي، وعن تعمد تأزيمها سياسيا كما فعلت حكومة علي أبو الراغب عندما حاصرتها واجتاحتها في 2002

ولكن الأثر الذي أحدثته ندوتنا تلك يتبين بكونه أدرج عبارة "التي نريد" في القاموس الأردني بحيث بتنا نقرؤها في عناوين أبحاث ومقالات ومبادرات عديدة, ووصلت حد الطرافة حين دعت جهة ما لتطوير ميناء العقبة تحت عنوان "العقبة التي نريد". والطرافة أصبحت حقيقة كوننا لا نعرف ما هي "العقبة" التي تحول دون تحول كل تلك الجهود والمبادرات التي جلُها شعبي, وكلها مدعومة شعبيا, لبرامج عمل.

ويكفي أن نتابع موضوع ومثال ندوتنا تلك لنبين أن حال التعليم المدرسي لم يتحسن بل تأزم بمخرجاته العلمية (تبين أن هنالك حَمَلة شهادات مدرسية لا يتقنون القراء والكتابة), وتداعياته الأمنية فيما أسمي بـ"العنف المدرسي" وصولا لـ"العنف الجامعي ".

والآن يطرح ثانية موضوع تطوير (أو بالأحرى إنقاذ) التعليم المدرسي والجامعي، وللأسف تعترض سبيل كليهما تجاذبات سياسية ومصلحية وصلت حد شن نواب حربا ضروسا على وزير التعليم العالي, وخضوع رئيس الحكومة لهم لاعتبارات تتعلق بالثقة النيابية التي لا يملك مجلس النواب الحالي -حقيقة وليس نظريا- القدرة على طرحها.

ومن أطرف ما آل إليه الحال, ما قيل من أن وزير التربية سهر في بيته تحت حراسة أمنية مشددة ليلة ما قبل إعلان النتائج، ومعه كبار موظفي الوزارة ومعهم نتائج الثانوية العامة كي لا تتم "قرصنتها"، ومع ذلك لم تنشر النتائج العزيزة المؤجلة مرارا في اليوم التالي.

وأيضا كتبنا مرارا عبر هذا المنبر عن مدينة ومحافطة "معان" وأزماتها المعيشية (البطالة والفقر) ما جعلها نقطة اندلاع الانتفاضات الشعبية -بالشراكة غالبا مع جارتها "الطفيلة"- التي يشعل فتيلها الشأن المعيشي، وعن تعمد تأزيمها سياسيا كما فعلت حكومة علي أبو الراغب عندما حاصرتها واجتاحتها بقوات الأمن عام 2002 "احتياطا" لضمان ألا تتحرك في رفض الحرب على العراق في العام 2003.

وهو حراك لو جرى ما كان سيوقف الحرب الأميركية ولا كان سيصل للقواعد الأميركية المحصنة, والأهم أنه ما كان سيؤدي للخسارة البشرية التي خلفها ذلك الاجتياح، والذي تمثل في سقوط ستة قتلى ما بين مدنيين ورجال أمن لم يحاسب بعد على دمائهم، ولا على سجن أبرياء غيرهم لسنوات (برأتهم ذات محكمة أمن الدولة التي اعتقلتهم).

وهو ذاته رئيس الحكومة الذي صرح مؤخرا بأنه "يتحمل نتائج أحداث معان" تلك، ولا ندري هل قالها مضطرا لأن تداعيات ما فعله لم تتوقف بل تخمرت وتصاعدت، أم قالها "تحديا" في تكريس لوضعه باعتباره الرئيس الذي لا يحاسب ولو نص الدستور على هذا, بل ولو ذكّر الديوان الملكي بهذا في بيانه الشهير؟

حاليا تسود معان حالة أمن نرجو أن تدوم، ولكن دوامها له متطلبات معيشية تدخلنا في حقل الاقتصاد الذي قضت هذه الحكومة على ما تبقى منه, بخاصة فيما يتعلق بالمشاريع التنموية التشغيلية, لدرجة أنها -فيما هي تتسول المعونات- لم تنفق (أو هكذا تقول لنا) ما وصلها من المعونات الخليجية المخصصة لتك المشاريع والتي اشترطت إنجاز المراحل الممولة لتمول المراحل التالية، فلم تأت الدفعات التالية، وتركنا الحديث عن موضوعها يائسين.

نشرت المواقع إحصاءات لوزارة الطاقة تفيد بوجود كميات كبيرة من السيليكا (الرمل الزجاجي), في محافطة معان (أكبر محافظات الأردن مساحة) يقدر الموجود منها على سطح الأرض -وهو غير الموجود في باطنها- بنحو 12 مليار طن

والآن نشرت المواقع إحصاءات لوزارة الطاقة تفيد بوجود كميات كبيرة من السيليكا (الرمل الزجاجي), في محافطة معان (أكبر محافظات الأردن مساحة) يقدر الموجود منها على سطح الأرض -وهو غير الموجود في باطنها- بنحو 12 مليار طن.

والأهم هو نوعية السيليكا الأردنية حيث يصل نقاؤها لنحو 99%. وأهمية السيليكا تتجاوز الصناعات الزجاجية التي منها زجاج البصريات الذي تعتبر السيليكا الأردنية من أفضل الأنواع لإنتاجه, لتدخل في صناعة الألياف الضوئية التي زاد الطلب عليها كون شركات الاتصالات باتت تعتمد عليها لسرعة نقل البيانات فيها, إضافة لدخول السيليكا في صناعة الشرائح الإلكترونية أيضا والتي باتت تطلب بتزايد.

ويرافق نشر خبر وجود السيليكا بتلك الكميات والنوعية, حديث لرئيس بلدية معان عن إمكانية تحويل "معان" لعاصمة اقتصادية للأردن, لأن كلفة الطاقة الكهربائية يمكن أن تنخفض في محافطة معان إن اعتمدت المصانع على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويضيف ميزة قرب معان من ميناء العقبة ما يسهل ويخفض كلف تصدير المنتجات الصناعية.

هذا الحديث لم يأتني بجديد, بل أعادني للوراء ثلاثين عاما أو أكثر, لسبعينيات القرن المنصرم حين بدأت عملي في التلفزيون الأردني معدة ومقدمة برامج حوارية وريبورتاجية. وحينها كان مصنع الزجاج الأردني الحكومي والوحيد قد أغلق, وكانت معداته مطروحة للتصفية بحجة أن الصناعة فيه متخلفة، وانتهت لبيعها بما يوازي الخردة.

في تلك الفترة -أي في سبعينيات القرن الماضي- كان اعتماد الأردن على الخليج النفطي في ذروته وكنا في قمة وفرة عائداته علينا, كون دول الخليج استوعبت كل كفاءاتنا وكل خريجي الجامعات الجدد وحتى العمال المهنيين بدون شهادات.

ووصل الأمر لأن تصدر حكومتنا تعليمات "عُرفية" بمنع خريجي العلوم والأدب الإنجليزي من مغادرة البلاد دون إذن من وزارة التربية والتعليم، سواء أكانوا مبعوثين للدراسة من قبل الوزارة أو من درسوا على نفقتهم. ثم أضافت قانونا مؤقتا يمنع مستخدمي ست عشرة مؤسسة حكومية -أسميت تجاوزا "مؤسسات أمنية" مع أنها تضمنت مؤسسات متنوعة كمؤسسة التلفزيون الذي كنت أعمل فيها- من حق الاستقالة تحت طائلة حرمان المستقيل من حقوقه التقاعدية أو تعويضاته.

وكنت وحدي من كتب مقالا في يومية محلية معترضة على ذلك القانون من حيث المبدأ، ولكن اعتراضي (في فترة الأحكام العرفية المعلنة) لم يرتد علي سلبا لأن برامجي كانت تحظى بمشاهدة عالية وصلت لتبلّغي الثناء عليها والدعم المفتوح لي من وزير الإعلام حينها عدنان أبو عودة, عبر مدير عام مؤسسة التلفزيون، قائلا إن الموضوع الذي أطرحه في كل أسبوع بات يسبق بحثه جدول أعمال مجلس الوزراء.

في سبعينيات القرن الماضي, كان اعتماد الأردن على الخليج النفطي في ذروته وكنا في قمة وفرة عائداته علينا, كون دول الخليج استوعبت كل كفاءاتنا وكل خريجي الجامعات الجدد وحتى العمال المهنيين بدون شهادات

وكانت المحطة الرسمية تبث حصريا ولم يكن لها منافس في الأردن، بل كانت بلغت حالة متقدمة تنافس فيها تلفزيونات سوريا وحتى لبنان حيث يصل بثنا لعمق جنوب الجارتين، بل ونافست تلفزيون الكيان الإسرائيلي -العبري الغالب وليس فقط الجزء العربي المحدود- وفاقته في المشاهدة حسب ما أفادت دراسات علمية قادتها البي بي سي التي رعت نشوء محطتنا. ووضعنا ذاك جعلنا أقرب لبي بي سي عربي الذي مد الخليج بكفاءات تأسيسية وتشغيلية لمختلف محطاته التي تفوقت علينا بفارق ضخم لاحقا, بخاصة عند ظهور محطة الجزيرة، فيما بدأت محطتنا تراجعها المعترف به رسميا وعلى لسان حكومات.

أسوق هذا لأوثق أن الحكومات المتعاقبة في سبعينيات القرن الماضي شاهدت, بل وبحثت (بشهادة السيد أبو عودة الموجود ليومنا هذا) فحوى برامجي التي بينت فيها أكثر من مرة حقيقة كوننا بلدا غنيا بالمعادن بما يغنينا عن النفط إن لم يوجد لدينا فعلا.

ومما تناولته تحديدا كان صناعة الزجاج في الجنوب والذي كان يمكن أن يغنينا ويغني دول الخليج كافة عن استيراد كافة المصنوعات الزجاحية من الصين ومن بلجيكا (زجاج الأبواب والنوافذ والطاولات الثمينة)، وبينت أيضا (والبحث والحديث كان يتم مع اقتصاديين وعلماء مختصين جلهم أحياء ليومنا هذا) مزايا قرب تلك الصناعة من ميناء العقبة, ومزايا موقع الأردن التجاري المتوسط بين ثلاث قارات وليس فقط على أبواب الخليج المنفتحة على تنمية هائلة, والمفتوحة لنا على مصراعيها حينها ونحظى فيها بأولوية لا ننكر أنها باقية ليومنا هذا.

في سبعينيات القرن الماضي أيضا كان يقال إننا فقراء ونحتاج لمعونات, وكنا نراكم القروض التي تفجرت في الثمانينيات في انتفاضة أبريل/نيسان السابقة لكل انتفاضات الربيع العربي بأكثر من عقد.

هرمنا ونحن نعيد على مدى عقود ما يتكرر الآن وكأنه كشف جديد للأردن الذي نعرفه كما أكف أيدينا، ولما يحويه ثراه الذي هو تربة أجدادنا, ونحن نبته الذي يتوالى في كل ربيع وبات يذبل قبل الأوان، فهل يأت الكشف المتجدد بجديد أم هو "انتظار غودو"؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك