آن ماري سلوتر

آن ماري سلوتر

​أكاديمية وكاتبة أميركية


كانت المفاوضات التي أسفرت عن الاتفاق المبدئي الأخير بشأن ديون اليونان سببا في إبراز رؤيتين متنافستين للاتحاد الأوروبي: الاتحاد السياسي المرن والإنساني الذي تتبناه فرنسا، والاتحاد القانوني الذي يركز على الاقتصاد والذي تروج له ألمانيا.


وكما كتب -مؤخرا- فرانسوا هايسبورغ "فمن خلال التفكير علنا في انفصال اليونان قسريا (عن منطقة اليورو)، أظهرت ألمانيا أن الاقتصاد ينسخ الاعتبارات السياسية والإستراتيجية. وترى فرنسا ترتيب العوامل بشكل مختلف". والسؤال الآن هو أي رؤية سوف تكون لها الغلبة.

ومن جانبهم، كان اليونانيون يضعون هويتهم الوطنية قبل محافظهم، على نحو لا يفهمه خبراء الاقتصاد ويفشلون دوما في التنبؤ به. فمن غير المعقول على المستوى الاقتصادي أن يفضل اليونانيون الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي، ما دام بوسعهم أن يظلوا في الاتحاد الأوروبي مع استعادة العملة الوطنية التي يمكنهم خفض قيمتها.

الواقع أن لغة الاتحاد السياسي الأكبر كانت جزء لا يتجزأ من المعاهدات الأوروبية، التي تولت محكمة العدل الأوروبية والأجيال اللاحقة من صناع القرار في أوروبا تفسيرها على النحو الذي دعم بناء نظام سياسي أوروبي مشترك وهوية مشتركة، فضلا عن الاقتصاد الموحد

ولكن بالنسبة لليونانيين لا تعني عضوية منطقة اليورو أنهم يستطيعون استخدام العملة المشتركة فحسب، بل إنها تضع بلادهم على قدم المساواة مع إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، وألمانيا بوصفها "عضوا كامل العضوية" في أوروبا، وهو الموقف الذي يتفق مع مكانة اليونان باعتبارها مهد الحضارة الغربية.

وفي حين يعكس هذا الموقف رؤية الاتحاد المتزايد الترابط التي حفزت مؤسسي الاتحاد الأوروبي، فإن فهم ألمانيا الاقتصادي الأضيق للتكامل الأوروبي من غير الممكن أن يلهم المواطنين العاديين دعم التسويات الضرورية للحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي.

ولا يستطيع هذا الفهم أن يصمد في وجه الهجمات الحتمية الموجهة ضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي عن كل تصرف أو تنظيم لا يحظى باستحسان المواطنين ولا يريد الساسة على المستوى الوطني تحمل المسؤولية عنه.

كانت السوق الأوروبية المشتركة الأصلية، التي أنشأتها معاهدة روما في عام 1957، اقتصادية في طبيعتها كما يشير الاسم. وكانت المعاهدة ذاتها واقعية وترتكز على المصالح الاقتصادية المتقاربة بين فرنسا وألمانيا، مع عمل بلدان مجموعة البنلوكس (بلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا) وإيطاليا على تكميل أساس الاقتصاد الأوروبي الجديد.

ولكن التكامل الاقتصادي كان يستند إلى رؤية للسلام والرخاء لشعوب أوروبا، بعد قرون من العنف غير المسبوق الذي بلغ ذروته في حربين عالميتين والذي عزز العداوة الأبدية بين فرنسا وألمانيا.

والواقع أن لغة الاتحاد السياسي الأكبر كانت جزءا لا يتجزأ من المعاهدات الأوروبية، التي تولت محكمة العدل الأوروبية والأجيال اللاحقة من صناع القرار في أوروبا تفسيرها على النحو الذي دعم بناء نظام سياسي أوروبي مشترك وهوية أوروبية مشتركة، فضلا عن الاقتصاد الموحد.

تتذكر والدتي -البلجيكية الشابة في خمسينيات القرن العشرين- المثالية والحماس الذي صاحب الحركة الفدرالية الأوروبية، التي وعدت بتمكين جيلها من خلق مستقبل مختلف لأوروبا والعالم.

ومن المؤكد أن رؤية الولايات المتحدة الأوروبية -التي تبناها العديد من أنصار الفدرالية في وقت مبكر- كانت تنظر إلى تأسيس الولايات المتحدة في الماضي وليس مشروعا أوروبيا تقدميا مميزا. ورغم هذا فإن الاتحاد الأوروبي الذي نشأ -والذي يجمع السيادة بالقدر الكافي للاستفادة من كونه كيانا إقليميا قويا في عالم يتألف من نحو مئتي دولة في حين يحافظ على لغات وثقافات البلدان الأعضاء المتميزة- كان شيئا جديدا.

بيد أن هذه التجربة من غير الممكن أن تظل باقية إذا لم تستند إلا إلى قواعد اقتصادية. فما الذي قد يستمر في تبرير الكيان السياسي بعد أن تتلاشى الحقائق والقناعات الملحة التي حفزت إنشاءه وتذهب إلى صفحات التاريخ أو كتب التربية المدنية، أو تصبح -في أفضل تقدير- موضوعا لقصص الأجداد؟

في حالة الولايات المتحدة، نشأت مثل هذه التساؤلات في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، عندما تلاشت الحاجة الملحة إلى إقامة اتحاد لتأمين الاستقلال، الأمر الذي أدى إلى عودة القضايا والنزاعات -التي دفنت في الأوراق- إلى الظهور على السطح.

وبشكل خاص، سُمِح بالعبودية في بعض الولايات، ولكنها كانت محظورة في ولايات أخرى، وتجاهلت بعض الولايات تسوية عام 1787 التي كانت تقضي بحساب كل عبد باعتباره ثلاثة أخماس الشخص عند تحديد عدد سكان أي ولاية لأغراض التمثيل والضرائب.

وكانت الفوارق الاقتصادية بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي تعني أن المناقشات حول حقوق الولايات تدور حول سبل العيش وكذلك حياة الناس. وانتهى كل ذلك إلى اندلاع حرب مروعة، حيث تمكنت الولايات المتحدة من إلحاق الهزيمة بالكونفدرالية الجنوبية الانفصالية وفرض رؤيتها على الاتحاد.

لكي يواصل الاتحاد الأوروبي مسيرته نحو نظام سياسي واقتصادي أكثر قوة وتماسكا -ولكنه رغم ذلك أقل كثيرا من الدولة الفدرالية- فيتعين عليه أن يفتح آفاقا جديدة لحياة أفضل لكل مواطنيه

وقبل نهاية الحرب، أنشأ الرئيس أبراهام لينكولن سردا جديدا، فأعلن في خطاب جيتسبيرغ أن خوض تلك الحرب كان من أجل الديمقراطية بقدر ما كان من أجل المساواة، وكان هدفها ضمان عدم زوال "حكم الشعب، بواسطة الشعب، ومن أجل الشعب، من على وجه الأرض". الواقع أن ذلك السرد عمل على تبسيط -وعلى أكثر من نحو- تشويه السجل التاريخي. ولكن برغم هذا، أصبح الخطاب جزءا مهما من الهوية الوطنية الأميركية، مثل إعلان الاستقلال والدستور.

والآن يواجه الاتحاد الأوروبي حربه الأهلية الخاصة، وإن كانت لحسن الحظ حربا خالية من العنف البدني. وفي غياب رجال الدولة القادرين على التعبير عن رؤية لمستقبل مشترك يستحق العمل من أجله، بل والتضحية من أجله، فإن جانب الوحدة قد لا يفوز. والواقع أن الشعار الوطني لأوروبا -والذي يتألف من دائرة من النجوم، والحديث عن الاستقامة المالية والإصلاحات البنيوية- غير قادر على منافسة الرسائل القوية التي يبثها معارضو الاتحاد الأوروبي.

يركز هؤلاء المعارضون، سواء من اليمين أو اليسار، على الأحوال المعيشية اليومية للمواطنين الأوروبيين، أولئك الذين يشعرون بالتهديد من قِبَل المهاجرين وأولئك الذين يعانون نتيجة للتقشف. ولكي يواصل الاتحاد الأوروبي مسيرته نحو نظام سياسي واقتصادي أكثر قوة وتماسكا -ولكنه رغم ذلك أقل كثيرا من الدولة الفدرالية- فيتعين عليه أن يفتح آفاقا جديدة لحياة أفضل لكل مواطنيه.

قبل الجولة الأخيرة من المفاوضات اليونانية الأخيرة، قال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إنه لم يكن يريد أوروبا التي "لم تعد تتقدم". وهي رغبة عادلة. ولكن تتقدم نحو ماذا؟ نحو الحرية والمساواة والأخوة لكل أوروبا؟ نحو الكرامة والتضامن بين كل المواطنين الأوروبيين؟ نحو بيت أوروبي مشترك يتسم بالترتيب والنظام؟

هذه هي التساؤلات التي يتعين على جيل جديد من الساسة الأوروبيين أن يجيبوا عليها.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك