مصباح الله عبد الباقي

مصباح الله عبد الباقي

​أكاديمي وكاتب أفغاني

نشأة حزب النهضة
صراع الحزب والسلطة
إصرار على السلمية

يبدو أن السلطات الطاجيكية دخلت أخيرا في حملة تستهدف استئصال حزب النهضة الإسلامي وتوابعه في الساحة الطاجيكية.

وهكذا أغلقَت في الأيام الماضية المقر الرئيسي للحزب في العاصمة الطاجيكية "دوشنبه"، بعد أن أغلقت دار النشر التابع للحزب قبل ذلك بأيام، وبإغلاق الدار توقفت نشرة "نجات" التي كان الحزب يصدرها.

ويعتبر هذا الإجراء حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات التعسفية الاستفزازية من قبل حكومة إمام علي "رحمانوف" ضد حزب النهضة الإسلامي، فما هو هذا الحزب؟ ومتى وكيف نشأ؟ وما موقعه في الخريطة السياسية الطاجيكية؟ ولِمَ كل هذا التضييق عليه؟ وما أسباب الإجراءات التعسفية الأخيرة ضده؟

نشأة حزب النهضة
بعد أن بدأ الرئيس الروسي الأسبق غورباتشوف سياسته "الانفتاحية" نهاية ثمانينيات القرن الماضي تجمعت قيادات إسلامية من جميع الجمهوريات التابعة للاتحاد السوفياتي حينذاك في يونيو/حزيران عام 1990 في مدينة "إستراخان" الروسية بدعوة من مسلمي "تتارستان" وأنشؤوا حزبا سموه "حزب النهضة الإسلامي" للتعريف بالإسلام في كل الجمهوريات التابعة للاتحاد السوفياتي، وتم تسجيل الحزب رسميا لدى السلطات في الاتحاد السوفياتي، وقررت الجمعية التأسيسية أن ينشئ مسلمو كل جمهورية فرعا خاصا بهم للحزب.

نصت اتفاقية 1997 على اعتراف الحكومة بـ"حزب النهضة الإسلامي"، ودمج مقاتليه في الجيش الوطني، وتخصيص 30% من المناصب الحكومية على جميع المستويات له، على أن تتوقف الحرب ويعود المهاجرون إلى بلادهم

ولما رجع المشاركون الطاجيك من اجتماع مدينة "إستراخان" أنشؤوا فرع "حزب النهضة الإسلامي" في طاجيكستان، وكانت نواة الحزب "جمعية شباب نوري" في وادي "كاراتكين" كما ساهم في إنشائه "الكاراتكينيون" (نسبة إلى وادي كاراتكين، وكانوا يقطنون في "وادي وخش" حول وادي "قرغان تيبه)، وكان الإعلان عن نشأة حزب النهضة يوم 26 من أكتوبر/تشرين الأول عام 1991 في مؤتمر شارك فيه 650 شخصا من ممثلي المناطق المختلفة في طاجيكستان، وتم اختيار الأستاذ محمد شريف همت زاده أول رئيس له.

يرى قيادات الحزب أن العمل الإسلامي المنظم كان قد بدأ في طاجيكستان عام 1973، وخرج إلى العلن باسم حزب النهضة عام 1991، ومن أهم من شارك في تأسيس ذلك العمل الإسلامي المنظم الأستاذ عبد الله نوري والأستاذ محمد شريف همت زاده، وكانا من تلامذة الشيخ محمد رستموف المعروف بـ"الهندوستاني".

فقد درس الرجل في الهند في سبعينيات القرن الماضي، ورجع إلى طاجيكستان بالفكر الإسلامي الذي تلقاه من العلماء هناك، فأنشأ مدارس سرية في مدينة "دوشنبه"، ولما انكشف أمر المدارس ألقي القبض عليه وحكم عليه بالحبس 15 عاما يقضيها في منفاه بـ "سيبيريا" فتوفي الرجل في المعتقل عام 1989، وبعد وفاته رفع لواء العمل تلميذه الأستاذ عبد الله نوري المولود في منطقة "طويل دره" عام 1947، إلا أن أسرته نقلت من قبل السلطات السوفياتية إلى "وادي وخش" مع أسر أخرى للعمل في مزارع القطن هناك عام 1953.

بقي الرجل يعمل في صمت وسرية إلى أن جمع حوله مجموعة منظمة في "وادي وخش" عام 1973 عندما كان طالبا في كلية الهندسة، واشتد عود تلك المجموعة إلى أن خرج الأستاذ عبد الله نوري بها في مظاهرة في ظل نظام (KGB) احتجاجا على استمرار القوات السوفياتية في عدوانها على الشعب الأفغاني، فاعتقل على خلفية تلك المظاهرة، ولما أطلق سراحه عام 1988 عاد إلى تنظيم الشباب مرة أخرى، وسميت تلك المجموعة بـ"مجموعة شباب نوري".

لاحقا تحولت تلك المجموعة إلى حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان، وكان ساعده الأيمن في كل ذلك الأستاذ محمد شريف همت زاده، ومن هنا يعتبر قيادات الحزب عام 1973 سنة نشأة الحزب، حيث احتفلوا عام 2013 بمناسبة مرور أربعين عاما على نشأته.

صراع الحزب والسلطة
ولما استقلت طاجيكستان عن الاتحاد السوفياتي، وأجريت فيها انتخابات رئاسية عام 1992، تم تزويرها من قبل الشيوعيين، وأعلن رحمن نبي أوف (أول رئيس للحزب الشيوعي في طاجيكستان) رئيسا على البلاد، خرج حزب النهضة مع الأحزاب السياسية الأخرى في مظاهرات عارمة في مدينة "دوشنبه" واعتصموا في ميادينها إلى أن اضطر "رحمن نبي أوف" للاستقالة.

لكن المليشيات الشيوعية من "الكولابيين" نصبت كبير قادتها "إمام علي رحمانوف" رئيسا للبلاد، وذلك إثر تدخل روسيا وأوزبكستان تموينا وتسليحا لصالح الكولابيين، فبدأت تلك المليشيات تشن الهجمات على تجمعات حزب النهضة، وأدى ذلك إلى حرب دامت خمس سنوات، اضطرت فيها أعداد كبيرة من الطاجيك للهجرة إلى شمال أفغانستان، وسالت فيها دماء كثيرة من الطرفين، إلى أن توصل الطرفان إلى "اتفاقية المصالحة والوحدة الوطنية" عام 1997 بعد محادثات مباشرة بين الأستاذ عبد الله نوري وإمام علي رحمانوف تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومجلس الأمن والتعاون الأوروبي وبضمانات من عدة دول منها روسيا وإيران، وكانت أهم بنود تلك الاتفاقية ما يلي:

1- اعتراف الحكومة بـ"النهضة الإسلامي" حزبا سياسيا قانونيا معترفا به، ويتم تسجيله رسميا.
2- دمج مقاتلي حزب النهضة الإسلامي في الجيش الوطني.
3- يكون 30% من المناصب الحكومية على جميع المستويات من نصيب حزب النهضة الإسلامي.
4- تتوقف الحرب ويعود المهاجرون إلى بلادهم.

ومع أن الكثيرين من مقاتلي الحزب كانوا يعتبرون هذه الاتفاقية مجحفة في حقهم، لكن قيادة الحزب قبلتها، ورجع أغلبهم إلى طاجيكستان، ومن ذلك اليوم بدأ الظلم والإجحاف والتضييق على حزب النهضة من قبل رحمانوف بعيدا عن الوفاء بمقتضيات الاتفاق.

منعت حكومة رحمانوف كل مظاهر التدين مثل أداء الصلاة أثناء العمل، ومنعت أداء الصلاة في غير المساجد، كما منعت ارتداء الحجاب بالمدارس والجامعات والأسواق والدوائر الحكومية، ومنعت ترشح امرأة محجبة للانتخابات، وإطلاق اللحى وتحفيظ الأطفال شيئا من القرآن

وقد استغل إمام علي رحمانوف فرصة إعلان أميركا الحرب المزعومة على "الإرهاب" لمحاربة الأنشطة الإسلامية عموما وأنشطة حزب النهضة خصوصا، ومما قام به رحمانوف في السنوات الماضية ما يلي:

1- أصدرت حكومة رحمانوف "قانون حرية الاعتقاد والمؤسسات الدينية" في مارس عام 2009، يعطي القانون المذكور للحكومة الحق في تحديد أنشطة الأحزاب والجماعات والمؤسسات الدينية، كما يعطيها حق ممارسة الرقابة الشديدة على الكتب الدينية، ويحق للحكومة بناء على القانون المذكور أن تحدد أماكن لأداء العبادة والمراسيم الدينية، كما يوجب تسجيل الأنشطة الدينية، والمساجد والمدارس لدى الحكومة، وكان القانون المذكور سببا في إغلاق مساجد ومدارس وأنشطة دينية كثيرة، وبناء على نفس القانون أغلق المسجد في مقر الحزب عام 2010.

2- سنّت الحكومة قانون "المسؤولية الأبوية" الذي يجرم التحاق الأولاد والبنات بالمدارس الدينية غير المسجلة في طاجيكستان.

3- منعت حكومة رحمانوف كل مظاهر التدين في المجتمع، مثل أداء الصلاة أثناء فترة العمل، ومنعت أداء الصلاة في غير المساجد، كما منعت ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والأسواق والدوائر الحكومية، كما منعت ترشح امرأة محجبة للانتخابات، ومنعت كذلك إطلاق اللحى، وأن يحفّظ الإنسان أولاده شيئا من القرآن، ومن يرتكب شيئا من ذلك يتعرض للتغريم.

4- التضييق المعيشي على أعضاء الحزب، فقد كشفت السلطات الروسية عن وثيقة سرية صادرة عن اجتماع عقده رحمانوف في 23 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011 مع وزراء الأمن والعدل والشؤون الدينية، تأمر بمراقبة القيادة العليا والوسطى لحزب النهضة، والتضييق عليهم، ومحاولة شراء ذممهم بأي طريقة، وفصل 50% من أعضاء حزب النهضة المعروفين من الوظائف الحكومية، وخلق مشاكل داخل الحزب لتفجيره سياسيا من الداخل.

5- تزوير الانتخابات وإسقاط مرشحي الحزب، الذي شارك بجميع الانتخابات منذ أن تولى الأستاذ محيي الدين كبيري رئاسته، فقد شارك في انتخابات عام 2005، وفي انتخابات 2010 و2013، وتم تزوير جميع الانتخابات، وحرم الحزب من كل استحقاقاته الانتخابية.

6- السجون والاعتقالات والاغتيالات وتلفيق التهم الجنائية وإجبار أعضاء الحزب على مغادرة البلاد، وتتعرض قيادات حزب النهضة لكل هذه المسائل، ومنذ شهور يعيش رئيس حزب النهضة خارج طاجيكستان خوفا من الاغتيال بيد عصابات رحمانوف.

إصرار على السلمية
مع كل الأعمال الاستفزازية والتعسفية لم تتمكن حكومة رحمانوف من جر الحزب لترك النهج السلمي، حيث تؤكد قيادة حزب النهضة على السلمية وعلى الإصلاح السياسي عن طريق المشاركة في الانتخابات.

وأثناء زيارة محيي الدين كبيري للعاصمة الأفغانية كابل في مايو/أيار عام 2013، لما تعرض لنقد شديد من قبل بعض الشباب بسبب سياسة الحزب السلمية أمام ما تفعله حكومة رحمانوف، قال بالحرف الواحد "نحن جربنا أهوال الحرب، ولن نعرض الشعب الطاجيكي للحرب وعدم الاستقرار مرة أخرى مهما كان الثمن" ومع إصرار الحزب على السلمية يزداد رحمانوف في الإجراءات التعسفية، والظلم والإجحاف.

ومع أن حكومة رحمانوف أعلنت أن إغلاق مقر حزب النهضة يرجع إلى نزاع على ملكية المبنى الذي فيه مقر الحزب، وأنه لم يتم شراؤه بصورة قانونية، كما أن الحكومة أخطرت الحزب بإغلاق مقره في منطقة "كولاب" بولاية "ختلان" للخطأ الذي حصل في عقد البيع.

لكن المراقبين للأوضاع يدركون جيدا أن السبب الحقيقي للتصعيد الحالي هو الخطاب الذي كتبه الحزب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، وإلى منظمة التعاون الإسلامي، وإلى الاتحاد الأوروبي، وإلى قادة الدول التي كانت قد ضمنت تطبيق الاتفاقية بين حزب النهضة ونظام إمام علي رحمانوف مثل روسيا وإيران وأفغانستان وكزاخستان وباكستان.

مع كل الأعمال الاستفزازية والتعسفية لم تتمكن حكومة رحمانوف من جر الحزب لترك النهج السلمي، حيث تؤكد قيادة النهضة على السلمية والإصلاح السياسي عن طريق المشاركة بالانتخابات

كما أرسل الخطاب نفسه إلى رئيسي جمهورية تركمانستان وقرغيزستان، مطالبا إياهم بالتدخل ووضع حد للأوضاع المزرية في طاجيكستان، وخاصة للأعمال القمعية المخالفة للقانون والأخلاق ضد الأفراد والجماعات الدينية والأحزاب السياسية.

واعتبر الحزب في خطابه أن نقض بنود اتفاقية "المصالحة والوحدة الوطنية" بدأ مبكرا لكن الحزب آثر الحفاظ على استقرار البلد، ولم يطرح القضية لا في الداخل ولا في الخارج، لكن من المؤسف أن تستغل الحكومة تحمل الحزب وصبره وانشغال المجتمع الدولي عن المصالحة الوطنية الطاجيكية وخوف الشعب من الحروب وإراقة الدماء من جديد، وتزيد من أعمالها القمعية وسياساته الانتقامية، وأن تشدد الضغوط على شريكها الأصلي في الاتفاقية وأن تصل في ذلك إلى منتهاها، وأن تمارس كل أنواع الضغوط غير الأخلاقية وغير القانونية على قيادات الحزب وأفراده، وأن تجعل القضاء على الحزب هدفها.

وهكذا يضيف الحزب أن السلطات أبعدت الحزب عن المؤسسات التقنينية والتنفيذية، ولفقت للعديد منهم التهم الجنائية، وأجبرت العديد من أعضائه على الاستقالات من الحزب، كما أجبرت الآخرين على مغادرة البلاد.

وأضاف الحزب في خطابه أن ما تقوم به الحكومة من مخالفات لدستور البلاد ولاتفاقية المصالحة والوحدة الوطنية ليهدد أمن منطقة آسيا الوسطى، وطلب الحزب من الأمم المتحدة أن تتدخل في الأوضاع وأن تجبر الحكومة الطاجيكية على الالتزام بدستور البلاد والقوانين السائدة، وعلى احترام اتفاقية المصالحة والوحدة الوطنية التي كان قد ضمنها المجتمع الدولي.

من الواضح أن نظام رحمانوف الاستبدادي مثل سائر الأنظمة الاستبدادية يعرض أمن المنطقة لأخطار مؤكدة، وإن لم يتدخل المجتمع الدولي دون القضاء على أكبر حزب سياسي في طاجيكستان، فقد يؤدي ذلك إلى انفراط عقد الشباب الذين يجمعهم الحزب في صفوفه وأن ينتظموا في صفوف المجموعات التي تتخذ العنف منهجا لها، وبذلك يتعرض أمن المنطقة كلها للخطر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك