محمد طيفوري

محمد طيفوري

باحث مغربي متخصص في الشؤون القانونية


مؤشرات أولية
متوالية الاختبارات
مسار الإصلاح
مشروع الجهوية المتقدمة
بين المواطن والسياسة

يعيش المغرب هذه الأيام على وقع موسم انتخابي ساخن، إذ يشهد إجراء ثاني تجربة انتخابية في البلاد بعد نوفمبر/تشرين الثاني 2011، تتعلق بالانتخابات الجماعية (محلية) والجهوية (محافظات) في 4 سبتمبر/أيلول المقبل، حيث لأول مرة سيدعى الناخبون إلى التصويت مرتين في اليوم نفسه وبالبطاقة نفسها.

بلغة الأرقام، يتبارى في هذا الموعد الانتخابي حوالي 36 حزبا سياسيا على 27 ألف مقعد، في مجموع دوائر انتخابية يصل عددها إلى ما يربو على ألف ومئتي دائرة انتخابية.

أما الكتلة الناخبة فتحدد في قرابة 15 مليون مغربي ممن سجلوا في اللوائح الانتخابية، من أصل 26 مليونا بلغوا السن القانونية للتصويت، ما يعني -ومنذ البدء- أن العملية سوف تتم بغياب أصوات 12 مليون مواطن ممن لم يروا ضرورة للتقييد في هذه اللوائح.

يأتي هذا الاستحقاق الانتخابي في سياق استثنائي، فهو أكبر من مجرد اقتراع ذي طابع محلي، على غرار ما عهده المغاربة في السابق. إذ تدخل فيه عوامل داخلية وأخرى إقليمية تجعل كل أوراق اللعب على الطاولة، وتضع مقولة "الاستثناء المغربي" أمام محك الاختبار، ومعها أوليات التمرين الديمقراطي المغربي بعد الحراك في مرمى سهام الاستبداد.

يأتي هذا الاستحقاق الانتخابي في سياق استثنائي، فهو أكبر من مجرد اقتراع ذي طابع محلي، على غرار ما عهده المغاربة في السابق. إذ تدخل فيه عوامل داخلية وأخرى إقليمية تجعل كل أوراق اللعب على الطاولة، وتضع مقولة "الاستثناء المغربي" أمام محك الاختبار

تفرض هذه المحطة الانتخابية على التجربة المغربية -التي تسوق في المنطقة كنموذج للتغيير الناعم والتدريجي- اختبارات جمة على مختلف القوى السياسية الفاعلية (الملكية، الحكومة، المعارضة، الأحزاب..) التي بها ستؤكد صدقية المسار الإصلاحي الذي دُشن جوابا على أسئلة الربيع المغربي في 20 فبراير/شباط سنة 2011.

مؤشرات أولية
أثارت بعض الوقائع في مرحلة التحضير للانتخابات الشكوك، والتخوف بعودة الدولة العميقة إلى سالف عهدها، والردة على مكتسبات ما بعد دستور 2011، خصوصا أن الفاعل الأساسي في هذه الأحداث هو وزارة الداخلية ذات التاريخ العميق في ذاكرة المغاربة.

أولى المؤشرات التراجع عن مطلب اعتماد التصويت بالبطاقة الوطنية، والمعارك المؤسساتية التي خاضها نواب العدالة والتنمية، خاصة على المستوى التشريعي المرتبط بالقوانين الانتخابية، والتي انتصرت فيها وزارة الداخلية انتصارا بائنا، حيث فرضت اعتماد لوائح قديمة/جديدة، فيما كان الإسلاميون يدافعون عن أطروحة التصويت بواسطة البطاقة الوطنية فقط.

ومعلوم كيف كانت هذه الوزارة تستعمل اللوائح للتحكم وتوجيه النتائج وضبطها، باعتماد أسلوب التقطيع الانتخابي لصالح أحزاب، والشطب من القوائم ضد أخرى، وتحريك أعوان السلطة لخدمة لوبيات محلية، هذا وليس انتهاء بالتصرف عند الضرورة في النتائج.

ثاني المؤشرات، التخلي عن مطلب الارتقاء بالمستوى التعليمي للنخب المحلية والجهوية. فقد طالب نواب العدالة والتنمية بفرض شهادة دراسية على المنتخبين، غير أن أحزابا بعينها (الحركة الشعبية، التجمع الوطني للأحرار..) ضمن الأغلبية الحكومية رفضت المقترح، بل وثارت ضده معتبرة نفسها أحد المستهدفين وهو الموقف ذاته الذي لم تحد عنه بعض الأحزاب في المعارضة.

أمر وضع مشروع تأهيل أطر الإدارة المحلية والجهوية، الذي كانت العدالة والتنمية تحمل لواءه، في خبر كان بعدما رضخ الحزب لمطالب هذه الأحزاب. وتخلى عن مقترح كان من المتوقع أن يحدث ثورة في الإدارة والحكامة المحليتين، بفرض نخب متعلمة قادرة على استيعاب الخطط والبرامج التنموية، وتنزيل المشاريع الكبرى والمخططات القطاعية التي انخرطت فيها البلاد.

هذه التراجعات إلى جانب أخرى، تعيد الذاكرة إلى مغرب ما قبل الحراك، مع مشروع التحكم الشامل، خصوصا وأن الإشراف التقني على الانتخابات سيبقى بأيدي وزارة الداخلية التي قال عنها رئيس الحكومة يوما "وزارة الداخلية هي الداخلية عينها" تلميحا منه لوضعيتها في داخل النظام المؤسساتي، وقدرتها التحكمية بتسخير العمال والولاة والقياد وأعوان السلطة.

لكن إخوان العدالة والتنمية يبررون تنازلاتهم بكون هذه الاستحقاقات الانتخابية ستجري، ولأول مرة تحت الإشراف المباشر لرئيس الحكومة. ما جعلهم يستسيغون القوانين التي وضعتها تلك الوزارة التي يفترض نظريا على الأقل أنها خاضعة لرئاسة الحكومة، ومجرد أداة إدارية لتنفيذ برنامج الائتلاف الحكومي. مع التنبيه هنا إلى أن حقيبتها حاليا في يد تكنوقراط من رجالات المخزن، بعدما كانت في النسخة الحكومية الأولى بيد رجل حزبي.

لكن هذا الإسناد للإشراف ولد شعورا بالاطمئنان لدى أنصار الحزب الإسلامي، ما جعله يعلن التعبئة العامة، من أجل خوض غمار هذه المنافسة، التي تضعه ومعه التجربة المغربية ككل أمام جملة من الاختبارات، فهي التجربة الوحيدة التي بقيت صامدة ضمن تجارب المنطقة.

متوالية الاختبارات
تضع هذه الانتخابات الفاعلين في المشهد المغربي، وتجربة الاستثناء المغربي أمام عدة اختبارات، بتجاوزها سوف يثبت بأنه على أهبة الالتحاق بنادي الديمقراطيات، منها:

تعد هذه فرصة مختلف الفرقاء لقياس شعبية الإسلاميين بعد زهاء أربع سنوات من الأداء الحكومي بما حملته من قرارات جريئة ولا شعبية أحيانا لإنقاذ البلد. وعليه فالتحدي الأكبر لديهم الآن هو إثبات استمرار الشعبية التي بوأتهم الصدارة في تشريعيات 2011

- اختبار قوة الإسلاميين وشعبيتهم:
تعد هذه فرصة مختلف الفرقاء لقياس شعبية الإسلاميين بعد زهاء أربع سنوات من الأداء الحكومي بما حملته من قرارات جريئة ولا شعبية أحيانا لإنقاذ البلد. وعليه فالتحدي الأكبر لديهم الآن هو إثبات استمرار الشعبية التي بوأتهم الصدارة في تشريعيات 2011. أمر جسده الحزب عمليا في حجم الترشيحات التي تضاعفت مقارنة مع استحقاقات 2009، إذ انتقلت من تسعة آلاف مرشح إلى أزيد من 16 ألفا الآن.

وفي الوجه الآخر تعد فرصة للتعبير عن مدى استيعاب إخوان المغرب للدرس، وقياس منسوب الوعي بأن السياسة فن التكيف مع العصر، والقدرة على استشراف المستقبل، ومهارة تجنب الدخول إلى العواصف.

تضع هذه الاستحقاقات الإسلاميين إذن بين المطرقة والسندان ولسان حالهم يردد "المشاركة لا المغالبة" فالاكتساح سيعيد إلى الواجهة شعارات الأخونة والأسلمة والهيمنة، وإن كان الأمر عصيا بالنظر لطريقة تقسيم الدوائر الانتخابية، ما يجعل حلم تحقيق الأغلبية المطلقة مستحيلا لأي حزب.

وعلى النقيض فانحصار النتائج وتواضع الحصيلة سوف يكون بمثابة بداية نهاية الإسلاميين على غرار باقي الدول الإقليمية، وبشرى لخصومهم في الأحزاب والدولة العميقة التي استساغت بعضا من قراراتهم بشق الأنفس، للعودة بقوة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فالإسلاميون من منظور هؤلاء قد طال عليهم الأمد في المغرب مقارنة بدول مجاورة.

مسار الإصلاح
النظر للصورة العامة للفوضى التي تضرب المنطقة العربية يظهر المغرب جزيرة معزولة في بحر ظلمات العرب، والتأمل في مآلات الأحداث في أكثر من قطب عربي، يجعل البعض يعتقد بأن المغرب يعيش آخر أيام ربيعه، وهذه الاستحقاقات هي بداية الانقلاب الناعم عليه على غرار منهج الإصلاح في ما بعد 20 فبراير/شباط.

يقدم أصحاب هذا الرأي حججا من تاريخ المغرب منها تجربة التناوب التوافقي التي تم قبرها سنة 2002، بالانقلاب على المنهجية الديمقراطية وتعيين رجل من التكنوقراط وزيرا أول، بدلا من اختياره من الحزب الفائز. وكذا من واقع الحال اليوم، فليس إطلاق يد وزارة الداخلية في الإعداد للمحفل الانتخابي، ونتائج الانتخابات المهنية شهر أغسطس/آب التي بوأت حزب الأصالة والمعاصرة (حزب الدولة) المرتبة الأولى بوادر العودة للسلطوية، والهجرة الجماعية لأعيان حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة سوى حصة تدريبية استعدادا لهذه الانتخابات التي ستكون بدورها مقدمة لانتخابات 2016، حيث ستتم المراسيم النهائية لمشروع الطلاق البائن بين الدولة والإسلاميين. فالسياسة كما قال أحدهم ذات يوم لعبة بلا ضمانات، وصراع دون عقود تأمين.

مشروع الجهوية المتقدمة
تعد هذه المحطة تنزيلا لمشروع الجهوية المتقدمة الذي يعد إحدى ركائز الإصلاح في المسار المغربي، بيد أنها في الآن ذاته اختبار له. فالعودة إلى التحكم والتلاعب في تكوين مجالس الجماعات والجهات سيفرغ هذا المشروع من أي مضمون، ويجعل خطب التنمية المحلية وشعارات الحكامة الرشيدة والديمقراطية التشاركية مجرد لغو سياسي وكلام للاستهلاك الداخلي والتسويق الخارجي.

لا محيد إذن أمام السلطة عن احترام خيارات المواطنين وقراراتهم في صناديق الاقتراع، وفرض ذات المسافة مع كل الأحزاب، تزكية للحياد والمؤسساتية في العمل أولا، وضمانا لنخب فاعلة ومؤثرة في صناعة القرار وتدبير الشأن المحلي، خاصة في ظل ما يخوله الدستور من اختصاصات واسعة لمجالس الجهات والجماعات، بعدما فشل رجالات السلطة في تحقيق التنمية المنشودة.

أيا يكن الخيار، فالأكيد أن تداعياته سوف تمتد إلى المستقبل، وسوف تقدم خارطة تتيح فرصة لاستكشاف أوزان الأحزاب السياسية في الانتخابات البرلمانية التي سوف تليها عام 2016، وما سيكون عليه المشهد السياسي في المغرب حينها

ذات الأمر أكد عليه عاهل البلاد بشكل صريح في خطابه بمناسبة ثورة الملك والشعب الأخير، الذي كانت الانتخابات موضوعه الأبرز، حيث قال: "يتعلق الأمر بتطبيق الجهوية المتقدمة، التي نريدها عماد مغرب الوحدة الوطنية والترابية، والتضامن بين الفئات، والتكامل والتوازن بين الجهات. وإذا كان لكل مرحلة رجالها ونساؤها، فإن الثورة التي نحن مقبلون عليها لن تكون إلا بمنتخبين صادقين، همهم الأول هو خدمة بلدهم، والمواطنين الذين صوتوا عليهم".

بين المواطن والسياسة
أعاد الحراك الثوري الفعل السياسي إلى صلب اهتمامات المواطن، وجعل تتبع الشأن العام في دائرة انشغالاته. وزكت التجربة الحكومية الأمر من خلال تبسيط الخطاب السياسي للمواطن العادي، باللغة التي يفهمها -إلى درجة اتهامها بـ"الشعبوية"- والحرص على التواصل معه بمختلف الأساليب والوسائل (المساءلة الشهرية، البرامج الحوارية، اللقاءات الداخلية، التجمعات الخطابية في المدن والقرى... إلخ).

وهكذا صار الإنسان المغربي يتعافى تدريجيا من داء القطيعة مع الشأن السياسي، ويتخلص من ترسبات عقود من الزمن كان فيها كل حديث فيها أو عنها طريقا إلى دهاليز السجون (سنوات الرصاص)، قبل أن يتحول بعد ذلك وحتى قبيل الربيع المغربي إلى عالم موبوء بالمفسدين وأصحاب المصالح. غير أن ثقة المواطن في السياسة والسياسي ما فتئت تعود إليه، وهذه المحطة الانتخابية فرصة لتزكية هذا الأمر لدى فئة غير قليلة ممن يراودهم الشك في القطيعة مع دابر أساليب المخزن.

يضع يوم 4 سبتمبر/أيلول المغرب في مفترق الطرق، فإما الاستمرار في مشاريع الإصلاح التي أطلقت بعد الدستور بالرغم من تكلفتها القاسية أحيانا، لكنها لمصلحة البلاد، مؤكدا صدقية "الاستثناء المغربي" وتفرده ذي الأصول التاريخية، وبالتالي احترام اختيارات المواطنين ونتائج الصناديق. وإما نسف العملية من أساسها بالالتفاف عليها بأساليب وطرق معروفة، والعودة إلى ممارسات قديمة والانحياز لأطراف على حساب أخرى، وبذلك يعلن المغرب أن دار لقمان عادت لحالها، وأن سحابة صيف التغيير قد ولت.

أيا يكن الخيار، فالأكيد أن تداعياته سوف تمتد إلى المستقبل، وسوف تقدم خارطة تتيح فرصة لاستكشاف أوزان الأحزاب السياسية في الانتخابات البرلمانية التي سوف تليها عام 2016، وما سيكون عليه المشهد السياسي في المغرب حينها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك