ظفرالإسلام خان

ظفرالإسلام خان

صحفي وباحث هندي


تابع كثيرون الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندار مودي لمسجد الشيخ زايد في أبوظبي والتصريحات التي أثنى فيها على الإسلام، في وقت تلاحقه تهم كثيرة بمباركة الاعتداء على المسلمين في بلاده وإغلاق مساجدهم.

ومن المعروف أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي من أقرب جيران الهند من جهة الغرب، وهي أكبر شريك تجاري للهند، حيث بلغ ميزان التبادل التجاري بين البلدين ستين مليار دولار أميركي في السنة المالية الماضية، بما فيها صادرات هندية إلى الإمارات بقيمة 33 مليار دولار.

هذا إلى جانب احتضان الإمارات أكثر من ثلاثة ملايين هندي يعملون في مختلف المهن من أدناها إلى أعلاها، وبعضهم مليارديرات، بينما حصل البعض منهم على الجنسية الإماراتية بسبب طول إقامته هناك.

لم يعرف عن مودي قط أنه زار مسجدا في الهند، رغم وجود مساجد ضخمة وأثرية بالآلاف في كل أنحاء البلاد.. بل قد وصل الأمر بالسلطات الهندية حد منع الصلاة في مئات من المساجد الأثرية في أنحاء الهند، منها نحو سبعين داخل العاصمة الهندية

العلاقات التاريخية والتجارية قوية بين البلدين وتسبق قرونا الطفرة البترولية الحالية، وقد سبق للاستعمار البريطاني أن حكم هذه الإمارات الخليجية بصورة غير مباشرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من خلال حاكمها في بومباي.

ورغم هذه الأهمية التاريخية والتجارية للإمارات بالنسبة للهند، كانت زيارة ناريندار مودي الأخيرة للإمارات هي أول زيارة لرئيس وزراء هندي للإمارات منذ 34 سنة.

أثمرت الزيارة تأكيدا على التعاون في الدفاع ومحاربة الإرهاب وخصوصا ما تعلق منه بالقاعدة وداعش (تنظيم الدولة الإسلامية) التي تدعي السلطات الأمنية الهندية أنهما وصلاها بالفعل رغم عدم وجود أدلة ملموسة على ذلك، إلا أن الحديث عن الإرهاب ومكافحته يصب في مصلحة السلطات الهندية.

والشيء البارز الآخر خلال هذه الزيارة كان دعوة رئيس الوزراء الهندي رجال الأعمال الإماراتيين للاستثمار في الهند، وتنبأ بأن يصل الاستثمار الإماراتي في الهند إلى تريليون دولار، وهو رقم صعب وتدركه دول وثيقة الصلة بالهند مثل اليابان ودول غرب أوروبا وأميركا الشمالية التي تعرف مشكلات الاستثمار في الهند بسبب صعوبة إجراءات العمل التجاري والصناعي فيها في ظل التعقيد البيروقراطي المخيف وتفشي الرشوة على كل المستويات.

وخلافا لذلك تهرب الشركات الكبيرة والمستثمرون الهنود إلى الإمارات وبقية الدول الخليجية، حيث لا توجد شركة هندية كبيرة أو شركة تجارية كبيرة إلا ولها مصنع أو مخزن كبير في المناطق الصناعية والحرة بإحدى الدول الخليجية، وذلك بسبب سهولة الإجراءات هناك وقلة التدخل البيروقراطي بهذه المناطق.

وبغض النظر عن الجوانب الاقتصادية والأمنية للزيارة، فما أذهل الكثيرين حقا هو زيارة رئيس الوزراء مودي لمسجد الشيخ زايد في أبو ظبي والتصريح هناك بأن الإسلام دين السلام والسماحة.. وهو أمر يخالف تصرفاته داخل بلده.

فـلم يعرف عن مودي أنه زار مسجدا في الهند طوال حياته رغم وجود مساجد ضخمة وأثرية بالآلاف بأنحاء البلاد.. بل قد وصل الأمر بالسلطات الهندية حد منع الصلاة في مئات من المساجد الأثرية في أنحاء الهند، منها نحو سبعين داخل العاصمة الهندية نفسها.

أشرف مودي على مذابح كوجرات سنة 2002، وهي التي لا تزال سبة في وجهه ووجه الهند، كما عمل على إطلاق سراح المتهمين في تلك المذابح وخصوصا بعد أن أصبح يسيطر على كل إدارات التفتيش والمرافعات القانونية بعد تقلده منصب رئيس الوزراء

وتمنع الحكومة الصلاة في هذه المساجد التي تشرف عليها دائرة الآثار الهندية رغم احتجاجات ومفاوضات المسلمين مع الحكومة الهندية منذ عقود للسماح بالصلاة في هذه المساجد، وهي ضمن نحو تسعمئة وقف إسلامي تستولي عليها مختلف الوزارات والإدارات الحكومية داخل العاصمة الهندية نفسها.

ووصل الأمر بالسيد مودي أن رفض حتى قبول طاقية تعتبر رمزا للمسلمين حين قدمها له أحد المشايخ المؤيدين لحزبه خلال اجتماع عام في سبتمبر/أيلول 2011، عقده مودي لنشر الوئام الطائفي في ولاية كوجرات حين كان كبير وزرائها قبل أن يصبح رئيس وزراء الهند في مايو/أيار من العام الماضي.

إن مودي هو الشخص الذي أشرف على مذابح كوجرات سنة 2002، وهي التي لا تزال سبة في وجهه ووجه الهند، وقد عمل على إطلاق سراح المتهمين في تلك المذابح وخصوصا بعد أن أصبح يسيطر على كل إدارات التفتيش والمرافعات القانونية بعد تقلده منصب رئيس الوزراء.

وهكذا نجد أن أعتى المجرمين الذين صدرت في حقهم أحكام الإعدام والسجن المؤبد قد غيِّرت أحكامهم وحصلوا على الإفراج بكفالة، مثل مايا كودناني التي كانت وزيرة في حكومة مودي، وبابو بجرنغي الذي تفاخر بصب البنزين على مئات من المسلمين في ضاحية نارودا باتيا بأحمد آباد وحرقهم أحياء خلال اضطرابات 2002.

وحين كان مودي نفسه كبير وزراء ولاية كوجرات عمل على عدم توفير التسهيلات والأغذية لمئات الألوف من المسلمين الذين كانوا قد تشردوا بسبب الاضطرابات، وهو الذي عمل على إغلاق كل معسكراتهم بالقوة بمقولته المشهورة إنها "مفرخ أولاد للمسلمين الذين يتزوجون بأربع فيلدون عشرين".

هو نفسه أيضا الذي أصر على عدم ترميم نحو ستمئة مسجد وضريح ومقبرة إسلامية تهدمت وتضررت في ولاية كوجرات خلال اضطرابات سنة 2002 قائلا إن هذا ليس من مسؤولية الدولة، وحين قضت المحكمة العالية بولاية كوجرات لصالح المسلمين فأمرت حكومة الولاية بترميم تلك الآثار أو دفع تعويضات لترميمها، قامت حكومته بمراجعة القضية أمام المحكمة العليا.

تستمر الحملات على أحياء المسلمين ومساجدهم ومقابرهم ومدارسهم بصورة يومية في ظل حكومة مودي، وينبري أناس من حزبه وبطانته -بل حتى من وزرائه- لسب المسلمين علنا، بل يطالبونهم بالمغادرة إلى باكستان!

بل هو نفسه الذي أعاد إلى الحكومة الهندية المركزية المساعدات التي كانت قد أرسلتها لمتضرري اضطرابات 2002، وهو الذي رفض تنفيذ توصيات لجنة القاضي ساتشر للنهوض بالمسلمين في الهند قائلا: إن حكومته لا تفرق بين المواطنين على أساس الدين. والأمثلة كثيرة جدا على تحيزه وتجاهله للمسلمين.

ولعل هذا هو السبب في أن المنظمات الهندية الإسلامية الكبيرة وزعامات المسلمين الدينية والسياسية في الهند لا تزال تتجاهله ولا تطلب مقابلته. بينما يحاول إظهار أن المسلمين يقفون معه.

وقد قام مودي بدعوة وفدين من المسلمين المغمورين والمشبوهين لمقابلته لإظهار أن مسلمي الهند يقفون معه. كما يرغب في مقابلة كبرى المنظمات الإسلامية في الهند وزعاماتها إلا أنها تقول إنها لا تريد الذهاب لمجرد التصوير مع رئيس الوزراء بل لا بد أن يظهر شيء من جانبه يؤكد على تغيير موقفه.

يأتي كل ذلك بينما تستمر الحملات على أحياء المسلمين ومساجدهم ومقابرهم ومدارسهم بصورة يومية في ظل حكومة مودي، وينبري أناس من حزبه وبطانته -بل حتى من وزرائه- لسب المسلمين علنا، بل يطالبونهم بالمغادرة إلى باكستان! ولكن رئيس الوزراء لا يوبخهم ولا يعترض علنا على أعمالهم وكلامهم.

وفي هذه الحالة استغرب مسلمو الهند وآخرون من الهنود العلمانيين وعقلاء القوم، وتساءلوا عن السبب الذي دفع بالسيد مودي لزيارة مسجد زايد في أبو ظبي.. هل هي مجرد محاولة لإرضاء الإماراتيين أم أن الرجل قد تغير حقا؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك