ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني


حلم يتداعى
بين تركيا وإيران
مخرج لحين ميسرة

إيران وتركيا قوتان إقليميتان تتحفزان في انتظار ما سيؤول إليه حال العالم العربي الغارق في أزماته وسط حالة أفول غير خافية على ذي بصيرة، في ظل انهيار متتابع للدولة ومفهوم الانتماء الوطني.

صحيح أن الشرق الأوسط الجديد مشروع أميركي، بيد أنه في نفس الوقت مشروع يخدم قوى عدة في المنطقة (إيران، تركيا، إسرائيل) القاسم المشترك بينها أنها غير عربية.

لقد طرح على المنطقة العربية العديد من المشروعات منذ مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في نوفمبر/تشرين الثاني 1991، بما فيها مشروع "الشرق أوسطية" الذي طرحه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بعد اتفاقيات أوسلو في 13 سبتمبر/أيلول 1993، ثم "السوق الشرق أوسطية".

وليس خافيا أن الولايات المتحدة الأميركية ترى من الناحية الإستراتيجية في إسرائيل الوريث "الشرعي" لعرش الشرق الأوسط أو العالم العربي، إلا أن ظروفا وحسابات سياسية ترجئ أجل الوراثة؛ وريثما يتم ذلك، يتاح المجال لتنافس القوتين المذكورتين.

توترت العلاقات بين طهران وأنقرة بسبب قضايا مسرحها الوطن العربي، أهمها الثورة السورية، حيث قررت الحكومة التركية تقديم كافة أنواع الدعم للمعارضة، بينما بقيت إيران الداعم المباشر الوحيد للنظام العلوي الطائفي، لأن سقوطه سيُشكل ضربة قوية لها

لقد أنهى الاتفاق النووي الأخير بين إيران ومجموعة "5+1" بزعامة واشنطن، مرحلة العداء السافر بين إيران والغرب -خاصة الولايات المتحدة- ليبقى الباب مشرعا أمام علاقات طبيعية وربما تحالف مسنود بتوافق المصالح. وعلى أقل تقدير فإن واشنطن لن تُبدي عزيمة قوية لردع إيران عن السعي إلى فرض هيمنتها الإقليمية.

وتوترت العلاقات بين طهران وأنقرة بسبب قضايا مسرحها الوطن العربي، أهمها الثورة السورية، حيث قررت الحكومة التركية تقديم كافة أنواع الدعم للمعارضة سواء السياسية أو العسكرية، بينما بقيت إيران الداعم المباشر الوحيد للنظام العلوي الطائفي، لأن سقوطه سيُشكل ضربة إستراتيجية قوية للسياسة الإيرانية ودفعة قوية للنفوذ التركي.

ولأسباب قد تبدو معقدة أو عصية الفهم تجد طهران مؤازرة ودعم واشنطن مقابل مواقف سلبية تجاه أنقرة. ولذا لم تبدِ الإدارة الأميركية انزعاجها -على سبيل المثال- من المليشيات الطائفية الشيعية في العراق بقدر ما أبدته تجاه المليشيات السنية، لتدرج "جبهة النصرة" و"داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) في وقت مبكر ضمن لائحة المنظمات الإرهابية، ويتبعها في ذلك جميع حلفائها الغربيين، بل قادت حملة ضد أنقرة تتهمها بدعم الإرهاب.

وقبل الربيع العربي كانت الافتراضات الأميركية تقول: إن الأنظمة الحليفة في المنطقة قوية جدا وعلى استعداد لنشر أجهزة أمنها لغرس الخوف واستخدام القوة إذا لزم الأمر.. والجماهير خائفة وأملها ضئيل جدا في تحدي هذه الأنظمة.

وأقر دينيس روس أحد دهاقنة السياسة الخارجية الأميركية حينها، بأن بلاده فوجئت بالأحداث التي شهدتها المنطقة، وقال إنها "تحمل في طياتها فرصا هائلة ومخاطر كبيرة".. والفرص الهائلة ليس بالطبع نشر الديمقراطية والسلام، ولكن هي الفوضى الخلاقة التي من خلالها يمكن إعادة رسم خريطة المنطقة.

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس قد نادت وطرحت نظرية الفوضى الخلاقة، ومعها عدد كبير من الساسة الأميركيين، وأصبحت الفوضى الخلاقة بذلك نظرية أميركية تلائم هذه الألفية المأزومة بالطغيان الأميركي. والمؤشرات تقول إن تنظيم داعش الذي نشأ على خلفية الظلم الذي حاق بالسنة في العراق جزء لا يتجزأ من هذه الفوضى المقصودة لذاتها.

حلم يتداعى
لا شك أن هناك مسؤولية عربية مباشرة وكبيرة في كل ما يحدث من تداعيات خطيرة حبلى بالمؤشرات التي تصب في عملية إعادة تشكيل المنطقة، بينما تقف الحكومات وقفة الصامت المتفرج.

ويشكل العالم العربي إحدى المرايا العاكسة لعلاقات القوى والمتغيرات الهيكلية في النظام العالمي ككل، بالإضافة إلى أنه يمثل واحدا من المتغيرات فيه والتي لعبت أدوارا في تغييره ودفعه نحو آفاق جديدة.

لقد كان إسقاط النظام في العراق عام 2003، أكبر مفاصل التحولات التي يشهدها اليوم الوطن العربي والتي مهدت للفوضى الخلاقة. فقد حول سقوط النظام العراقي استقرار المنطقة النسبي إلى حريق لا يبقي ولا يذر، وباتت إيران في وضع أقوى، وتلخصت الوصفة الأميركية للعراق باللجوء إلى كل ما من شأنه إثارة الغرائز المذهبية بما يخدم المشروع الإيراني في المنطقة.

كما أن مصر -وهي أكبر الدول العربية- تقف اليوم على مفترق طرق كبير وتهب عليها رياح كثيرة وتواجه سيناريو شد الأطراف؛ فالجماعات المسلحة تهاجم في سيناء وليبيا، وهو ما يؤدي لإنهاك الجيش والشرطة في بلد يعاني اقتصاده من شبه انهيار.

كان إسقاط النظام في العراق عام 2003 أكبر مفاصل التحولات التي يشهدها اليوم الوطن العربي، والتي مهدت للفوضى الخلاقة. فقد حول سقوط النظام العراقي استقرار المنطقة النسبي إلى حريق لا يبقي ولا يذر، وباتت إيران في وضع أقوى مما كانت عليه

وإزاء ذلك الوضع ربما لن تستطيع الحكومة استنفار الأمن والجيش معا، فكيف الحال إذا انتقلت الحرب من الأطراف إلى المركز عبر رعب التفجيرات على غرار ما يحدث في العراق، في ظل استمرار حكومة عبد الفتاح السيسي في عملية الاستئصال السياسي والمدني لجماعة الإخوان المسلمين منذ انقلاب 30 يونيو/حزيران 2013.

أما في اليمن، فيجري تفتيت البلد وإعادة تكوينه وفق رؤية سقوط فكرة الدولة وإحلال رابط جديد يتفوق على رابط المواطنة. وهو دور يقوم به الحوثيون بدعم إيراني صريح مما سيعطي دفعا جديدا لتنظيم القاعدة هناك، تماما كما حدث في سوريا التي جرى فيها احتكار السلطة من لدن الطائفة والعائلة لعقود.

وبقيت إيران في ظل الأزمة الحالية ممسكة بدمشق باعتبارها حلقة مركزية في مشروعها التوسعي المرتكز على المذهبية، وصورت إيران الثورة المطالبة بالديمقراطية على أنها ثورة سنية ضد الأقلية العلوية الحاكمة. وهذا الوضع المدعوم أميركيا ساهم في تمكين عناصر داعش في سوريا كرد فعل، وكنتيجة حتمية لحصار الثورة ضد نظام الأسد.

بين تركيا وإيران
يُجمع كثير من المراقبين على أن الاتفاق النووي الأخير فتح الباب أمام زيادة النفوذ الإيراني بالمنطقة. وفي حين فاوضت إيران واشنطن والدول الكبرى حول الملف النووي، اصطدمت تركيا بدول الاتحاد الأوروبي. كما وصلت العلاقات بين تركيا وإسرائيل حد القطيعة بعد عقود من التعاون الوثيق.

وتاريخ تركيا وإيران هو تاريخ تنافس وحروب، ومن يتابع تاريخ العلاقة بين الدولتين يقف على صراعٍ محتدم لفرض النفوذ على المنطقة العربية.

فـعبر القرون الماضية كانت هناك سلسلة حروب وصراعات نشبت بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية (1636-1623) من أجل السيطرة على ما كان يعرف ببلاد ما بين النهرين، والتي انتهت بانتصار العثمانيين، حيث ضمت الإمبراطورية العثمانية العراق حتى فقدته في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

ويبدو أن هناك اختلافا في المنهج الموصل لتحقيق أهداف السيطرة على المنطقة، فبينما تعتمد إيران أيديولوجية مذهبية شيعية، فإن تركيا تبدو دولة سنية بغطاء علماني. وتطور المذهب الشيعي كمذهب ديني وتيار سياسي مستندا إلى تعاليم وفتاوي وفقه اعتمد على روايات تاريخية ينظر إليها سنيا على نطاق واسع باعتبارها "مبتدعة". واليوم لا يخفى انقلاب الموقف الغربي وميله لرؤية إيران (الشيعية) واعتبارها حليفا لهم يجوز التعاون معها مراعاة للمصالح المشتركة بين الطرفين في المنطقة.

والرؤية الغربية القائمة على نظرية الفوضى تقصد التعاون مع الأقليات أو استخدامها في وجه الخصم السني المفترض متمثلا بالعرب والأتراك، وهذا بيّن في العراق وسوريا. فمواجهة الإسلام تقتضي ضرب الغالبية السنية بالأقلية الشيعية التي سيأتي دورها لاحقا. ومنذ العام 2008 وضعت أميركا سياسة جديدة تجاه إيران تتجاوز وصف "الشيطان الأكبر" بدءا من طريقة التعامل مع ملفها النووي ورفع العقوبات الاقتصادية واللقاءات الدبلوماسية الدافئة على هامش هذه المفاوضات.

لقد أدى الدعم الأميركي للمليشيات الشيعية في العراق إلى ظهور نسخة مطورة من تنظيم القاعدة ممثلة في تنظيم الدولة الإسلامية، وهو التنظيم الذي يظهر صورة الإسلام التي يريدها الغرب، الأمر الذي يوفر مسوغات ومبررات أخلاقية لضربه. ومعلوم رفض إدارة أوباما لأي شراكة حقيقية مع السنة عبر تسليحهم وسيطرتهم على محافظاتهم لطرد تنظيم الدولة.

أما تركيا فلها منهجها الذي يعمل على تحقيق شروط الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي لتصبح عضوا فاعلا بحلول 2023. فيما ستستمر في السعي من أجل الاندماج الإقليمي، على شكل تعاون أمني واقتصادي يجعلها واحدة من أهم عشرة اقتصادات في العالم. وكل ذلك يفضي بها لأداء دور مؤثر في حل الصراعات الإقليمية.

تحمل تركيا مشروعا سُنيا حضاريا يعتبر العرب شركاء لا خصوما، ويمكن أن يؤسس التاريخ المشترك لمستقبل تعاون قد يرقى لمستوى تجربة الاتحاد الأوروبي. فالرهان على أنقرة -وليس الحل العسكري وحده- يبدو المخرج الوحيد للتخلص داعش وأخواتها

من ناحية أخرى أظهرت تركيا مواقف حادة تجاه نظام الأسد وجرائمه في سوريا منذ انطلاق الثورة، واحتضنت أنقرة السوريين الفارين من رصاص وبراميل وصواريخ الأسد. بل منحت أنقرة المواطن السوري حق البقاء والدخول إلى تركيا حتى بدون وثائق رسمية أو منتهية الصلاحية. فضلا عن احتضان المعارضة السياسية.

مخرج لحين ميسرة
وبما أن الظروف الموضوعية للحالة العربية المأزومة لا تسعف لمدافعة قوية للتربص بالمنطقة؛ فإن المخرج لحين ميسرة يقتضي اتفاقا عربيا حول إستراتيجية للتعاون إن لم يكن التحالف مع تركيا.. فإيران بات مشروعها واضحا في تفجير المنطقة طائفيا، فيما يتجه الغرب للتحالف معها، وحتى إسرائيل مشروعها المدعوم غربيا يلتقي بشكل كبير مع المشروع الإيراني. وينظر الطرف الإيراني للمنطقة العربية ذات الغالبية السنية المطلقة، باعتبارها مجالا حيويا لتحقيق مصالح ومشاريع مذهبية وسياسية على حساب الشعوب العربية.

وتحمل تركيا مشروعا سُنيا حضاريا يعتبر العرب شركاء في المنطقة لا خصوما، ويمكن أن يؤسس التاريخ المشترك لمستقبل تعاون قد يرقى لمستوى تجربة الاتحاد الأوروبي. فالرهان على أنقرة يبدو المخرج الوحيد للتخلص من نموذج داعش وليس بالضرورة عبر المواجهة العسكرية فحسب ولكن برفع الظلم الذي تعرض له السنة في المنطقة من إيران وبتواطؤ أميركي مفضوح.

وخلال سنوات مضت دخل المشروع الشيعي العالم العربي السني، مستغلا غياب الدور التركي وتقوقعه داخل الجغرافيا التركية الحالية.

وتسعى تركيا بالملف السوري للتعاون مع قوى الثورة السنية للإطاحة بتنظيم الدولة الإسلامية والنظام العلوي في دمشق في ذات الوقت. أما رؤيتها المتعلقة بالعراق فتقوم على إعطاء السنة حقوقهم ضمن دولة فدرالية يسيطرون فيها على مناطقهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك