طارق أحمد بلال

طارق أحمد بلال

مدير المركز السوري للإحصاء والبحوث


فشل المبادرات الدولية
غياب الفيتو الروسي
خلاصة

وسط استمرار قطبية المطالب واحتدام الحرب بين نظام الأسد ومعارضيه، يصدر مجلس الأمن بيانا رئاسيا يحمل للمرة الأولى إجماعا من كافة الدول الأعضاء على ضرورة التقدم بالحل السياسي في سوريا في إطار "خطة سلام" تقوم على أربعة محاور إجرائية.

يأتي ذلك دون أن يسبقه إعلان عن أي إنجاز مفيد لتوفير مناخ التفاوض المطلوب كإطلاق سراح معتقلين أو وقف إطلاق نار، بل على العكس فقد شهدت الأيام الأخيرة قبل الإعلان الأممي فشلا في المفاوضات بين أحرار الشام والمفاوض الإيراني حول إنجاز عملية تهجير شيطانية تقضي بطرد أهل الزبداني واستقدام أهالي كفريا والفوعة من إدلب في مشهد يوجز حجم التشوه الكبير الذي أصاب مفهوم المواطنة والعيش المشترك.

من جهة قد تبدو خطة السلام نشازا في العام الخامس للصراع والذي شهد المزيد من التباعد بين أطراف الصراع واتساع رقعة المواجهات وارتفاع حدية الخطاب وإخفاقات دولية في جنيف وموسكو والقاهرة وتلاشي المعادلة المحلية لصالح حضور التدخل الإقليمي، ولعل في الإشارة للتبدلات الثلاث الكبيرة ما يغني عن التفصيل في تعقيد المشهد، وهي: 

قد تبدو خطة السلام نشازا في العام الخامس للصراع والذي شهد المزيد من التباعد بين أطراف الصراع واتساع رقعة المواجهات وارتفاع حدية الخطاب وإخفاقات دولية في جنيف وموسكو والقاهرة وتلاشي المعادلة المحلية لصالح حضور التدخل الإقليمي

- تقارب تركي خليجي سرعان ما تترجم لزيادة في تمايز ساحات النفوذ العسكري المحلي لينطلق جيش الفتح في الشمال بينما تنفرد مليشيا إيرانية وحزب الله بسحق الزبداني قرب دمشق.

- بعد التورط الإيراني بمباشرة الأعمال العسكرية وقيادة العمليات في جنوب ووسط وشمال سوريا مطلع العام الحالي، تدخل عسكري تركي تمثل بداية في نقل ضريح سليمان شاه ثم لم يلبث أن ظهر في صورة حرب على جبهتين في دولتين وعلى عدوين في وقت تعاني فيه تركيا من غياب الاستقرار السياسي الداخلي بما يمنح قرار التدخل المزيد من حرج الضرورة.

- التوصل للاتفاق المعروف بالنووي الإيراني ما من شأنه أن يعزز إمكانيات إيران وقدرتها على التحرك بحرية أكبر في سوريا.

وهي تبدلات ليست بالعابرة في المشهد السوري ولا تزيد الحرب إلا استعارا، وهو المشاهد بشكل فعلي في الفوعة والزبداني ومجزرة دوما قبل يوم واحد من صدور قرار مجلس الأمن.

ولكن من جهة أخرى قد تبدو الخطة مدعاة تفاؤل وأمل، ورغم أن البيان لم يحمل مدخلا جديدا بل استند "عرضا" لوثيقة جنيف 2012، فإنه لم يخل من بعض الجديد، حيث غاب الفيتو الروسي، وحيث إن هذا الإجماع يتحقق كثمرة جهود المبعوث الأخير بعد فشل سابقيه في إحراز إجماع مشابه.

كما أن خطة السلام التي جاء بها البيان تضمنت تفصيلا وضعها في أربعة محاور بحسب توصيات السيد دي ميستورا، فضلا عن تبني المجلس قبل عشرة أيام من البيان -وبالإجماع أيضا- لمشروع قرار 2235، والذي يؤسس آلية تحقيق واضحة في هجمات كيميائية وقعت في سوريا بما يعزز الشعور بوجود جدية لدى مجلس الأمن في عزمه الوصول لحل في سوريا.

وقفة مع هذا الجديد الذي جاءت به خطة السلام مع وضعها في سياق الواقع الميداني والسياسي القائم تكفي لتجريد الخطة من رصيد التفاؤل وتحولها إلى مادة للتندر لا تقتصر على انتقال قلق المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن في صريح بيانه، بل تجعل من الخطة رسالة جديدة لتأكيد سياسة دولية قديمة تعلن القلق وتمارس التفاوض وتقدم خطط السلام بينما تمضي في المعالجات العنفية مع الرهان على الوقت لصناعة المدخل الملائم لحل سياسي على طبق من خراب يضمن التبعية ولا يحقق السلام.

فشل المبادرات الدولية
على طول الصراع السوري لم يكن مسار المفاوضات المرعية دوليا ليحرز نجاحا معتبرا طالما أنه لم يزل يتنكر للحقيقة في مشهدها الواسع، فهيئة الأمم لم تر في هدير أصوات الغاضبين من جور النظام صورة شعب يستجدي العدالة، إنما حجر نرد يتداعى للسقوط ويقبل القمار، ولديها من الوقت ما يتسع لتكرار الرهان بطرح خطط للسلام بينما في الظل تجري تسويةٌ أوسع من محلية يدفع إليها المجتمع الدولي ويعيد من خلالها تعريف المصالح ومساحات النفوذ، وما تضيره أصوات الغاضبين ولا جور النظام إذا كان حجر القمار قد استقر أخيرا على حال يضمن ربحا لجميع من سواهما.

مسار الصراع في سوريا مليء بالأحداث الشارحة بوضوح "لعدم جدية المجتمع الدولي في حل النزاع" بحسب تعبير الأخضر الإبراهيمي عقب الفشل المدوي لمفاوضات جنيف2، بل إن التصعيد العسكري مقترن بتهيئة أروقة السياسة الدولية لتشهد ولادة الحل السياسي في سوريا، حتى غدت الفاتحات السياسية نذير تصعيد عسكري دموي على الأرض لا عناوين لحلول سياسية تحقن الدماء.

فيما يلي استعراض سريع لجانب من الحراك السياسي الدولي مقترنا بمسار التصعيد في إستراتيجيات المواجهة:

18/8/2011: الولايات المتحدة الأميركية وكندا والاتحاد الأوروبي تعلن -بعد مجزرة هلال رمضان- أن الأسد فقد شرعيته وعليه التنحي فورا. تزامنا مع إطلاق النظام حملة التمشيط العسكرية الأولى من نوعها آنذاك بهدف اجتثاث الثورة بعد فشل أجهزة الأمن في إخمادها.

قد تبدو الخطة مدعاة تفاؤل وأمل، ورغم أن البيان لم يحمل مدخلا جديدا بل استند "عرضا" لوثيقة جنيف2012، فإنه لم يخل من بعض الجديد، حيث غاب الفيتو الروسي، وحيث إن هذا الإجماع يتحقق كثمرة جهود المبعوث الأخير بعد فشل سابقيه في إحراز إجماع مشابه

4/10/2011: عقب خوض الجيش الحر أولى معاركه في  27سبتمبر/أيلول -والتي استمرت لأسبوع في الرستن- روسيا والصين تستخدمان حق الفيتو لإجهاض مشروع قرار تقدمت به بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال يدين النظام السوري ويطالبه بالبدء بإصلاحات سياسية.

3/2/2012: قبل يوم واحد من اجتماع أعضاء مجلس الأمن واستخدام الفيتو المزدوج للمرة الثانية ضد قرار يدين العنف في سوريا، اقتراف النظام لمجزرة الخالدية راح ضحيتها ما يزيد عن 230 ضحية تحت القصف المدفعي، والتي كانت مقدمة لحملة قصف شرسة على أحياء حمص استمرت أسبوعا أودت بما يزيد عن سبعمئة شخص وسجلت بعد أيام دخول سلاح جديد على الساحة وكان الاستخدام الأول لصاروخ سكود.

10/5/2012: سقوط "اتفاق وقف إطلاق النار" الذي اقترحه المبعوث الأممي عنان إثر وقوع تفجير شديد في حي القزاز في دمشق أكثر ضحاياه من طلاب المدارس.

30/6/2012: يوم انعقاد مؤتمر جنيف الأول، حدثت مجزرة كبيرة بمنطقة زملكا راح ضحيتها ما يقارب المئة شخص، وينفرط عقد الاجتماع من غير التوصل إلى اتفاق كامل نتيجة تمسك الروس ببقاء الأسد.

21/8/2013: بين يدي الحديث عن مؤتمر جنيف2 وقوع مجزرة الكيميائي في زملكا، ما حدى بالمؤتمر إلى التأخر خمسة شهور من النار دارت فيها عشرات المعارك في حلب وحماة والقلمون ودرعا.

والقائمة تطول ويضيق المقال عن الاتساع لها إلا بما يكفي للإشارة إلى قدرة النظام على تجفيف الحلول السياسية بالتصعيد العسكري في الميدان والتعنت التفاوضي في أروقة السياسة بما أفشل جهود الجامعة العربية وعطل خطة الإبراهيمي ذات النقاط الست وأسقط اتفاق عنان وعرقل مسيرة جنيف2، وكذلك ستفعل مع البيان الرئاسي الجديد لمجلس الأمن، طالما أن المجتمع الدولي يلوح بالجزرة ولا يمسك بالعصا.

غياب الفيتو الروسي
لا يجدر ادعاء مرونة طارئة على موقف موسكو، بل من الطبيعي نظرا لنص البيان أن يغيب الفيتو الروسي المعهود، فالبيان يختلف عن سابقيه في النبرة والخطاب من حيث النقاط التالية:

- خطاب يدين جميع الأطراف ويفرد مساحة واسعة للتحذير من الإرهاب أولا، بما يتلاقى مع الجهود الروسية المتصلة منذ ثلاثة أعوام والرامية لتوجيه دفة المواجهة نحو الحرب على الإرهاب، والمقصود طبعا إرهاب الجماعات لا إرهاب الدولة.

- عدم التطرق لمصير الأسد صراحة، وهي النقطة التي تعثرت عندها عملية التفاوض مرارا، ومع عدم اشتراط رحيل الأسد يبقى البيان عائما في مساحة المتفق عليه بين الولايات المتحدة وروسيا.

- احتفاظ موسكو بالقدرة التعطيلية لحين مناقشة قرار يفصل في آلية التنفيذ، فالخطة جاءت في بيان رئاسي لا في قرار، أي إنها غير ملزمة لغير أعضاء المجلس المقرين لها، كما أنها لم تبحث في آلية التنفيذ التي من شأنها وضع النقاط على الحروف.

- تقاطع "خطة السلام" الأممية مع "خطة التحرك" التي تقدم بها السيد دي ميستورا لوقف إطلاق النار في حلب قبل شهور، والتي لاقت آنذاك ترحيبا روسيا.

هذا فضلا عن استعمال صياغة مرنة أكثر مما ينبغي، فتذكر في أول البيان وثيقة جنيف وتفتح المجال لتجاوزها في آخره، إذ تشير إلى شكل انتقال السلطة باعتماد "طرق منها هيئة حكم انتقالية سورية"، ولكن هذه الهيئة ليست الطريقة الوحيدة وربما ليست من الطرق بالضرورة، في حين قد تتسع الطرق لآليات كالتي جاءت في الخطة الإيرانية ذات البنود الأربعة.

المطلوب كمدخل عملي للحل هو الالتفات لأسباب الصراع الحقيقية المتمثلة في تسلط نظام طائفي على حقوق شعب، والعمل الجاد بمقتضيات العدالة الانتقالية وأركانها الخمسة، والتوجه بالمفاوضات إلى معارضة حقيقة غير هلامية فاقدة للتمثيل الشعبي

وحتى إن كادت الخطة تشي باستعداد حلفاء النظام للتخلي عن شخص الأسد إذا وجدوا أن استمراره مكلف أكثر من استبداله، فلا ينبغي أن يُعدّ ذلك مدخلا للحل، لا سيما مع سيطرة مقاربة جديدة -تغدو مع الوقت أكثر واقعية- مفادها أن الحرب مستمرة بحدود ما يتسع له دعم الحلفاء، لتنتقل القيمة الاعتبارية للعاصمة السياسية للصراع من دمشق إلى موسكو وطهران، بما يصيب حلول الحوار السوري السوري بالشلل، وهو ما ظهر في مفاوضات الزبداني الأخيرة، بينما يبقى للنظام دور الوكيل المحلي المشرف على مرافق الدولة والعاصمة السورية، وإلى حين.

خلاصة
تعددت أغراض التفاوض على امتداد الصراع، من تبادل للأسرى إلى فك للحصار إلى التوصل لوقف إطلاق النار واتفاقيات الهدن. القاسم المشترك بين ذلك جميعه هو انحسار أفق التفاوض في طور التصعيد، أي وقوع أجواء المفاوضات تحت سيطرة القناعة المتبادلة بإمكانية الحسم العسكري كحل إستراتيجي بعيد، بما يحوّل التفاوض إلى أداة مواجهة مرحلية يعزز من حضور السلاح بدلا من تحجيمه على مستوى الحرب الشاملة، وبذلك يغلب على عملية التفاوض معنى الانتهازية، لصالح ضمور البعد الوطني القادر على خفض كمون الاحتقان والممهد على المدى الإستراتيجي للتحول إلى مرحلة انتقالية.

وخلف الإرث الثقيل من الجهود الدولية تأتي "خطة السلام" ضمن حلقة جديدة من الإنكار تجعل من الحرب الدولية على الإرهاب سبيل خلاص المواطن السوري بينما النظام ومعارضوه -في منطق الخطة- مجرد أطراف تستوي في النكاية ويجمعهما خندق مواجهة الإرهاب، فيسقط بذلك ابتداء أي معنى مفيد للعدالة الانتقالية في الوقت الحالي يستوعب إنصاف المتضررين ومحاسبة المسؤولين واتخاذ التدابير الكفيلة بعدم تكرار ما جرى، بل غاية القصد أن تمهد الخطة لحوار سوري سوري تحت سقف استمرار المنظومة الأمنية.

بينما المطلوب كمدخل عملي للحل هو الالتفات لأسباب الصراع الحقيقية المتمثلة في تسلط نظام طائفي على حقوق شعب، والعمل الجاد بمقتضيات العدالة الانتقالية وأركانها الخمسة، والتوجه بالمفاوضات إلى معارضة حقيقة غير هلامية فاقدة للتمثيل الشعبي، واعتبار القوى الفاعلة ميدانيا -السورية وغير السورية- لدى بناء العملية التفاوضية، وحسم أولوية التوجه الدولي لصالح كبح إجرام الدولة قبل إجرام الجماعات والأفراد.

سوى العصا الأميركية لا يبدو أن مجلس الأمن يمتلك عصا، وهي على أية حال قصيرة تؤدب ولا تقصم، وعلى السوريين إدراك ذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك