خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


في خلفيات التصعيد
قواعد جديدة للصراع
الدور الأميركي

بعد نحو سنتين من إطلاق عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني كان لافتا العودة إلى التصعيد الأمني والعسكري من الجانبين فور انتهاء الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من يونيو/حزيران الماضي، والفوز الكبير الذي حققه حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذي كان سببا أساسيا في إفقاد حزب العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية التي امتلكها منذ وصوله إلى السلطة عام 2002.

التصعيد الجديد أثار أسئلة كثيرة عن مستقبل عملية السلام، هل فشلت وذهبت إلى غير رجعة؟ أم أن هدف التصعيد وضع قواعد جديدة للصراع بعد أن أحست تركيا بخطر الصعود الكردي في الداخل وعلى حدودها الجنوبية وتحول حزب العمال الكردستاني إلى دولة تمتد من جبال قنديل إلى تخوم المتوسط؟

في خلفيات التصعيد
ثمة قناعة دفينة لدى الجانبين التركي والكردي بأن النهج العسكري لن يؤدي إلى نتيجة، فجولات القتال السابقة بين الجانبين انتهت بالفشل بعد أن كلفت أعدادا كبيرة من الضحايا، وتدميرا هائلا للبنى التحتية، وهدرا للأموال.

ثمة قناعة دفينة لدى الجانبين التركي والكردي بأن النهج العسكري لن يؤدي إلى نتيجة، فجولات القتال السابقة بين الجانبين انتهت بالفشل بعد أن كلفت أعدادا كبيرة من الضحايا وتدميرا هائلا للبنى التحتية وهدرا للأموال

وتشير تقارير تركية إلى أن الحرب ضد الكردستاني منذ عام 1984 حتى الآن كلفت أكثر من خمسمئة مليار دولار، وهو مبلغ كاف لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية في المناطق الكردية في جنوب شرق البلاد، وأمام هذه القناعة فإن السؤال الجوهري هنا يتعلق بخلفيات التصعيد الجديد وكيفية العودة إلى طاولة الحوار من أجل سلام منشود يحقق الاستقرار لتركيا والهوية القومية للكرد.

عندما أعلنت نتائج الانتخابات البرلمانية في السابع من يونيو/حزيران الماضي وجد الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه أمام مشهد تركي جديد خلافا لما كان يخطط له من أجل الانتقال من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، إذ وجد نفسه أمام إقليم كردي بمحاذاة المناطق الحدودية الجنوبية مع سوريا تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

كما وجد أن الأخير بدلا من أن يسحب ثقله العسكري من الداخل التركي يخطط لإقامة إدارة ذاتية في جنوب شرق تركيا حيث الأغلبية الكردية، بينما تحول جناحه السياسي (حزب الشعوب الديمقراطي) الذي فاز بنحو 13% من الأصوات إلى قوة سياسية ودستورية، وسط شكوك عميقة بأنه على علاقة سرية بقيادة الكردستاني في جبال قنديل، ولعل ما زاد من الهواجس التركية هو ارتفاع معدل العمليات والإجراءات الأمنية التي يقوم به حزب العمال الكردستاني في الداخل.

في المقابل، فإن الكرد الذين انتظروا طويلا لتقوم الحكومة التركية بخطوات عملية للدفع بعملية السلام إلى الامام، ولا سيما الإفراج عن عبد الله أوجلان والاعتراف الدستوري بالكرد وحقوقهم القومية، وجدوا أنها تمارس سياسة أقرب إلى تمرير الوقت والتهرب من الاستحقاقات وعدم الجدية.

وزادت تصريحات أردوغان بعدم وجود قضية كردية وتنصله من بيان السلام الذي أعلن في قصر "دولمه باهجه" بين الحكومة التركية وحزب الشعوب الديمقراطي من قناعة الكرد بأهمية التصعيد السياسي والأمني لوضع الحكومة أمام معادلة: إما الاستجابة للمطالب الكردية أو الدفع نحو التفجير.

ولعل ما رجّح الخيار الأخير هو نتائج الانتخابات البرلمانية والتطورات الأمنية المتعلقة بالأزمة السورية والحرب ضد داعش، إذ برزت كل هذه التطورات على شكل رهانات يمكن البناء عليها في ترتيب الداخل التركي من جديد، حيث الرغبة الكبيرة في الذهاب إلى الانتخابات المبكرة.

وعليه، جاءت العمليات العسكرية التركية ضد موقع الكردستاني في العراق وتركيا مقابل تصعيد الأخير لعملياته في الداخل على شكل استهداف جنود ومقار أمنية وحكومية، لتتصدر أخبار المواجهات في وسائل الإعلام التركية والكردية بدلا من الحديث عن أهمية السلام.

قواعد جديدة للصراع
في ذروة الغارات التركية على مواقع الكردستاني حرص المسؤولون الأتراك -ولا سيما أردوغان وأحمد داود أوغلو- على القول إن عملية السلام لم تمت، وإن شرط العودة إليها هو ترك الحزب الكردستاني السلاح، بينما أكد الأخير مرارا أنه مستعد للسلام شرط أن يوقف الجانب التركي عملياته العسكرية ضده، ويلتزم باتفاق عملية السلام، والسماح بزيارة زعيمه أوجلان في السجن.

هذا الحرص الضمني من الجانبين على الرغم من لهجة القوة، تكشف عن دوافع الطرفين ومحاولة كل طرف اتباع قواعد جديدة لإمكانية العودة إلى المفاوضات ولو بعد حين، يحددها المعنيون بمرحلة ما بعد الانتخابات المبكرة، خاصة بعد أن تحول التصعيد الجاري إلى بعد انتخابي في المعركة الجارية.

مقابل الرغبة التركية في البحث عن قواعد جديدة للصراع، ثمة رغبة مماثلة يحاول الحزب الكردستاني استثمارها من خلال القول إنه بات حليفا حقيقيا للأميركيين في الحرب ضد داعش، وإن الانفتاح الغربي عليه يترتب على المعنيين الاعتراف بشرعيته ودوره

لعل الجديد في العمليات العسكرية التركية ضد الكردستاني، هو عدم تناسب التصريحات السياسية مع طبيعة العملية العسكرية، فرغم التأكيد التركي على أن العملية العسكرية ستتواصل وتتصاعد حتى القضاء على الكردستاني فإن العملية اتخذت طابع الاكتفاء بشن غارات على مواقع الحزب دون التحرك للتدخل بريا كما كان يحصل في المرات السابقة، وهو ما يشير إلى أن هدف العملية هو إضعاف الكردستاني وشل قدرته على التحرك في ساحات تركيا وسوريا والعراق عبر أجنحته السياسية والعسكرية.

وربما دفع إقليم كردستان إلى التحرك ضده خاصة في ظل العلاقة المميزة التي تربط تركيا برئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، حيث سمعنا للمرة الأولى تصريحات مقربين من البرزاني يدعون فيها حزب العمال الكردستاني إلى الخروج من إقليم كردستان.

ولعل الأهم هنا أيضا، هو الحد من صعود حزب الشعوب الديمقراطي الكردي عبر إجراءات سياسية ودستورية تؤثر على شعبيته في الانتخابات المبكرة إن جرت، وكان واضحا إصرار الحكومة التركية على مطالبة حزب الشعوب بإدانة حزب العمال الكردستاني وعملياته، بينما تدرك هي صعوبة ذلك نظرا للعلاقة العضوية بين الجانبين، حيث اكتفى حزب الشعوب وأوجلان بدعوة الطرفين إلى وقف العنف والعودة إلى طاولة الحوار.

مقابل الرغبة التركية في البحث عن قواعد جديدة للصراع، ثمة رغبة مماثلة يحاول الحزب الكردستاني استثمارها من خلال القول إنه بات حليفا حقيقيا للإدارة الأميركية في الحرب ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، وإن الانفتاح الغربي عليه يترتب على المعنيين الاعتراف بشرعيته ودوره كلاعب في المنطقة وممثل للكرد.

ويبدو أن تركيا أدركت هذا المنحى لدى الكردستاني، وعليه جاء انخراطها في الحرب ضد داعش بعد اتفاق مع واشنطن على وضع قاعدة إنجرليك في خدمة الحرب ضد تنظيم الدولة، والحد من الانفتاح أو الاعتماد الغربي على الكردستاني كلاعب في محاربة داعش خاصة، وأن تركيا هي عضو في الحلف الأطلسي منذ عام 1952.

ولعل الخلاصة التي يمكن استنتاجها هنا هي أن الحكومة التركية تريد جلب الحزب الكردستاني إلى مفاوضات السلام وهو ضعيف يقبل الرؤية التركية للمصالحة والسلام.

وربما يهدف البحث عن قواعد جديدة إلى تحديد اللاعبين والفائزين في المستقبل، فأردوغان يريد انتصارا انتخابيا وسياسيا يشكل هزيمة للحزب الكردستاني، وهو في تطلعه إلى هذا الفوز يدرك في العمق أن الطرف الكردي الذي يمكن البناء معه للمرحلة المقبلة هو أوجلان ليس لرمزيته فقط بل لأن أردوغان يعتقد أن رؤيته هي أكثر قبولا وقابلية للتطبيق من رؤية الحزب الكردستاني.

الدور الأميركي
دون شك، إن واشنطن سعيدة بانخراط تركيا في الحرب ضد داعش والسماح باستخدام قاعدة إنجرليك، ومن الطبيعي أن يكون الثمن هنا الموافقة الضمنية على العملية العسكرية ضد مواقع الكردستاني، خاصة أنه مصنف في قائمة الإرهاب الأميركية.

لكن من الواضح أن واشنطن تركت مسافة للتحرك على هذا الصعيد، إذ إنها دعت تركيا منذ اليوم الأول إلى التمييز بين الحزب الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، وبين الحرب ضد الكرد والحرب على داعش.

وفي السياق، ينبغي النظر إلى الحديث الأميركي عن عدم الإضرار بالعملية السلمية والحديث المتواتر عن اتصالات أميركية جدية مع الحزب الكردستاني بشأن بقاء التصعيد في حدوده، وقد كشف مصدر رفيع من الكردستاني لكاتب المقال عن مباحثات غير مباشرة جرت بين مسؤولين أميركيين والقيادة العليا لحزب العمال الكردستاني في قنديل.

واشنطن سعيدة بانخراط تركيا في الحرب ضد داعش والسماح باستخدام قاعدة إنجرليك، ومن الطبيعي أن يكون الثمن هنا الموافقة الضمنية على العملية العسكرية ضد مواقع الكردستاني خاصة أنه مصنف في قائمة الإرهاب الأميركية
ومع أنه رفض ذكر الجهة التي قامت بالوساطة أو المشاركين فيها، فإنه من الواضح أن الذي أجرى هذه المباحثات من الجانب الكردستاني هو الرئيس المشترك للحزب جميل بايق الذي طالب بضمانات أميركية لإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، على أن تضغط الإدارة الأميركية على الجانب التركي من أجل وقف عملياته العسكرية ضد معاقل الكردستاني في قنديل وفي الداخل التركي، تمهيدا للعودة إلى مفاوضات السلام رغم صعوبة ذلك بسبب الاستعداد لمعركة الانتخابات المبكرة.

الجانب الأميركي -وحسب المصدر- برر طلبه للكردستاني ضرورة وقف إطلاق النار أولا ومن من جانب واحد بهدف عدم تأثر الحرب ضد داعش، ويبدو أن الجانب الكردي عرف كيف يستغل هذا الأمر جيدا عندما أكد للجانب الأميركي أن استمرار العملية العسكرية التركية ستؤثر على مشاركة الكرد في الحرب ضد داعش، وأن وقف مشاركته في الحرب ضد داعش قد يؤدي إلى تحقيق الأخير انتصارات جديدة.

كما أن الجانب الكردي أثار قضية في غاية الأهمية عندما طلب من الجانب الأميركي أن يصبح راعيا رسميا للمفاوضات بينه وبين الحكومة التركية على غرار ما جرى بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ومع أن الطلب الكردي ليس جديدا، إذ سبق أن طلب عبد الله أوجلان رعاية أميركية وأوروبية للعملية السلمية، إلا أن طرح هذا الأمر في ظل الانفتاح الأميركي على الحزب الكردستاني يكتسب أهمية خاصة في ظل تطورات الصراع مع تركيا.

إذ إنه ربما يمهد لدور أميركي في العملية السلمية الكردية التركية، حيث لم تكن واشنطن بعيدة عنها خلال الفترة الماضية، فعلى الأقل حرصت على استقبال منظم للعديد من المسؤولين الكرد في حزب الشعوب الديمقراطي.

في جميع الأحوال، ينبغي مراقبة وتيرة العمليات العسكرية التركية الكردية في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، لمعرفة هل ستظل في حدودها الحالية بحثا عن قواعد جديدة للعودة إلى المفاوضات أم ستتجه إلى مواجهة شاملة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك