مصباح الله عبد الباقي

مصباح الله عبد الباقي

​أكاديمي وكاتب أفغاني


الخليفة الجديد
خلافات في العلن
سيناريوهات المستقبل

تم الإعلان عن وفاة زعيم حركة طالبان أفغانستان الملا محمد عمر مجاهد في وقت تستعد فيه حركة طالبان لجولة ثانية من المحادثات مع الحكومة الأفغانية في إحدى المناطق السياحية قرب العاصمة الباكستانية. وقد كشفت مصادر أن وفاة الرجل كانت في العام 2013، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا أذيع خبر وفاته الآن وبعد هذه الفترة الطويلة؟ وماذا ستكون نتائجه على مستقبل طالبان؟

يبدو أن اختيار هذا التوقيت بالذات لتسريب خبر وفاة زعيم طالبان مرتبط بالضغوط الباكستانية على الحركة للتفاوض مع الحكومة الأفغانية، فالقيادة الباكستانية السياسية والعسكرية وعدت الحكومة الأفغانية بالضغط على طالبان لإجبارها إما على بدء المحادثات مع الحكومة الأفغانية، أو مغادرة الأراضي الباكستانية، أو إلقاء القبض على قادتها.

تسريب خبر وفاة زعيم طالبان مرتبط بالضغوط الباكستانية على الحركة للتفاوض مع الحكومة الأفغانية، بعد وعود باكستانية لحكومة كابل بالضغط على طالبان لإجبارها على التفاوض، أو مغادرة الأراضي الباكستانية

وقد هدد رئيس الوزراء الباكستاني حركة طالبان من كابل لأول مرة، وقال: لا يمكن أن يكون عدو أفغانستان صديقا لباكستان، لكن لما تباطأت باكستان في الوفاء بوعودها أرسل الرئيس الأفغاني رسالة سرية لرئيس الوزراء الباكستاني يوم 1/6/2015، تم تسريب بعض أجزائها إلى وسائل الإعلام في حينها، مطالبا إياه بالوفاء بالعهود التي قطعتها القيادة الباكستانية على نفسها.

ونتيجة للضغوط التي مارستها الحكومة الباكستانية على حركة طالبان، شارك وفد منها في المحادثات التي أجريت مؤخرا في "مري" المنطقة السياحية قرب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بينما عارض المكتب السياسي التابع للحركة في قطر هذه المحادثات وأصدر بيانا بأنه الجهة الوحيدة المخولة القيام بمثل هذه المحادثات، ومن ثم توجهت بعض قيادات طالبان نحو إيران للبحث عن بديل لباكستان، وقد رحبت بهم طهران ووعدتهم بملء الفراغ الذي سينتج عن تخلي باكستان عن مساعدتهم.

ولما كانت هذه الجهة التي عارضت محادثات الصلح مع الحكومة الأفغانية في باكستان وخاصة المكتب السياسي في دولة قطر تكسب شرعيتها من زعيم الحركة الملا محمد عمر، حاولت باكستان أن تجردها من هذه الشرعية لئلا تتمكن من إفشال المحادثات التي بدأتها، ومن هنا أوعزت باكستان إلى فصيل انشق عن طالبان سابقا يسمي نفسه "فدائي محاذ" (الجبهة الفدائية) بتسريب خبر وفاة الملا عمر إلى وسائل الإعلام، ثم أبلغت الحكومة الباكستانية رسميا الحكومة الأفغانية بخبر وفاته أيضا، وبذلك عرّضت شرعية تلك الجهة للسؤال.

يظهر من تسريب هذا الخبر في هذا التوقيت بالذات أن العلاقات بين طالبان والحكومة الباكستانية قد تدهورت جدا ووصلت مرحلة الفصام، وخاصة مع الفريق الذي يعارض وصاية الجهات الباكستانية على الحركة، أو يرفض -حتى الآن- الوساطة الباكستانية في المحادثات بين طالبان والحكومة الأفغانية، لأن إذاعة هذا الخبر في هذا التوقيت الذي تواجه فيه الحركة تهديد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) داخل الأراضي الأفغانية، وتعاني من اختلاف وجهات النظر حول المحادثات مع الحكومة الأفغانية، له تأثيرات سلبية كبيرة على الحركة.

الخليفة الجديد
يبدو بادئ الأمر أن حركة طالبان تجاوزت عقبة اختيار خليفة أميرها الملا عمر، باختيار الملا أختر محمد منصور الذي تولى منصب نائب زعيم الحركة في الفترة الأخيرة بعد إلقاء القبض على النائب السابق الملا برادر من قبل السلطات الباكستانية.

فقد اجتمع "شوراي رهبري" (المجلس القيادي للحركة) خارج مدينة كويتا الباكستانية الأربعاء الماضي واختار الملا أختر محمد منصور زعيما جديدا، ثم اجتمعت القيادات المختلفة العسكرية والمدنية في الحركة وطلاب المدارس الدينية والعلماء والمشايخ -حسب البيان الرسمي لطالبان- خارج مدينة كويتا، وبايعوا الملا منصور أميرا للإمارة الإسلامية، حسب تعبيرهم.

لكن يبدو أن هناك خلافات شديدة داخل طالبان، يدل عليها البيان الذي أصدرته أسرة الملا عمر ونشر على صفحة "الإمارة" الرسمية، وجاء فيه:

يبدو أن هناك خلافات شديدة بين ثلاث مجموعات داخل الحركة، يدل عليها البيان الذي أصدرته أسرة الملا عمر ونشرته على صفحة الإمارة الرسمية

"كما أن أمير المؤمنين رحمه كان يتمنى وحدة الصف دائما، ونجح في هذا المأمول إلى حد كبير، ولتحقيق أمنيته هذه يتلخص موقفنا من قضية تعيين خليفته، أن يستفاد في تعيين زعامة وقيادة الإمارة الإسلامية من مكانة العلماء والمجاهدين والشخصيات المهمة الذين كان لهم دور كبير في تأسيس إمارة أفغانستان الإسلامية واستقرارها وترسيخ دعائمها، وأن تحترم آراؤهم في هذا الصدد، وإن حدث ذلك يكون فيه تحقيق أمنية أمير المؤمنين بخصوص وحدة الصف. فإن تحققت هذه الأمنية تكون أسرتنا مستعدة للخدمة، وإذا لم تتحقق هذه الأمنية فلن نقف مع أو ضد أي فريق، سواء كان ذلك الفريق الملا أختر محمد منصور أو غيره".

هذا البيان الذي نشر بعد اختيار الملا أختر محمد منصور زعيما لطالبان ينبئ أن الحركة مقبلة على انشقاقات في الأيام المقبلة.

خلافات في العلن
لقد ظهر الخلاف إلى العلن بين ثلاث مجموعات داخل حركة طالبان، وقد يؤدي هذا الخلاف في المستقبل إلى انشطارها. وهذه المجموعات التي أعلنت عن وجودها هي:

- مجموعة الملا أختر محمد منصور، وهي تعتبر حتى الآن المجموعة الرئيسية داخل طالبان، وقد يساعده وضعه التنظيمي خلال الفترة الماضية (نحو عامين ونصف) على التغلب على الوضع الداخلي للحركة، حيث بقي نائبا للملا عمر، وكان يدير الحركة باسمه، فأحدث تغييرات جذرية في بنيتها، وأبعد الشخصيات التي لم تكن تعجبه من المناصب السيادية، وتعرّف على جميع القيادات العسكرية الميدانية.

لكنه مع كل هذه الإجراءات لا يملك ميزات سلفه، فهو ليس من مؤسسي طالبان ولا من أقدم أعضائها، كما أنه لا يتمتع بتلك الشرعية التي اكتسبها من تاريخه وتعيينه من قبل مجموعة من العلماء الذين جمعتهم الحركة تحت مسمى "شورى أهل الحل والعقد" آنذاك. إلى جانب ذلك فإن الملا منصور لا يتمتع بتلك الرابطة العاطفية التي كانت تربط الملا عمر بأعضاء حركته، وفي نفس الوقت سيكون في مواجهته شخصيات مهمة ومؤثرة في الحركة، وهذا ما يعقّد مهمته في الحفاظ على وحدة الحركة.

- مجموعة الملا محمد حسن رحماني والملا عبد الرزاق، وهي مجموعة كبيرة عارضت تعيين الملا منصور زعيما للحركة. ويترأس المجموعة الملا حسن رحماني والي قندهار في ظل نظام طالبان، وكان وقتها شخصية محورية داخل الحركة، والملا عبد الرزاق وزير داخلية نظام طالبان.

هذه المجموعة اعتبرت اختيار الملا منصور زعيما لطالبان انقلابا على الشرعية، وحاولت أن تجمع الناس حول الملا يعقوب بن الملا محمد عمر (26 عاما) الذي تخرج قبل سنوات من إحدى المدارس الدينية في مدينة كراتشي الباكستانية، لكنها لم تنجح في حمل قادة الحركة على ذلك، علما بأن هذه المجموعة تقف وراءها جهات باكستانية وتعتبر من المجموعات المهمة داخل طالبان، وقد يكون لها شأن في المستقبل.

- مجموعة "فدائي محاذ" (الجبهة الفدائية)، وقد انشقت عن جبهة جلال الدين حقاني، ويرأسها الملا نجيب وردك، وهي مجموعة صغيرة، لكنّ لها حضورا لافتا، ويبدو أن الجهات الباكستانية تساعدها.

ستنضم المجموعات المتشددة من طالبان إلى تنظيم الدولة، وخاصة المجموعات التي تحمل النزعة السلفية، كما حدث ذلك فعلا في المناطق الشرقية بأفغانستان، وهو ما من شأنه تقوية داعش على حساب الحركة

سيناريوهات المستقبل
يرى المحللون أن حركة طالبان تواجه بعد وفاة زعيمها المؤسس أصعب فترات وجودها. فمع التهديدات المتعلقة بوحدة صفها جراء الخلاف على تعيين خليفة لزعيمها الراحل، فإن الضغوط الباكستانية عليها للجلوس إلى مائدة الحوار مع الحكومة الأفغانية تضيق الخناق عليها من جهة أخرى.

ومن جهة ثالثة يمثل ظهور وانتشار مجموعات تابعة لتنظيم "داعش" تهديدا آخر للحركة، حيث تخوض هذه المجموعات ضدها معارك ضارية وخاصة في الولايات الشرقية. وفي الوقت ذاته يفتقر الزعيم الجديد لطالبان إلى الكاريزما التي يحتاج إليها في مثل هذه الظروف، ومن هنا يتوقع المحللون أن يكون مصير الحركة على النحو التالي:

1- ستقبل مجموعة كبيرة منها المحادثات مع الحكومة الأفغانية، وستنضم إلى النظام في كابل، وخاصة إذا هُيئت الظروف لذلك من الجهات المسيطرة على الحكومة، ووقفت الحكومة الباكستانية مع عسكرها إلى جانب المحادثات، وتم التوافق على حل القضية الأفغانية عبر المحادثات والحوار.
2- ستنضم المجموعات المتشددة منها إلى تنظيم "داعش" وخاصة المجموعات التي تحمل النزعة السلفية، كما حدث ذلك فعلا في المناطق الشرقية بأفغانستان، وهو ما من شأنه تقوية "داعش" على حساب طالبان.
3- ستبقى بعض المجموعات الأخرى تقاتل باسم طالبان لفترة من الزمن.

وخلافا لهذه الرؤية يرى البعض أن حركة طالبان ستتمكن من الاحتفاظ بكيانها في الغالب، مع انشقاق مجموعة صغيرة منها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك