فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري


حلول الذكرى الثانية لفض اعتصامات رابعة العدوية أبقى على الملف مفتوحا، وأثار بعضا من الأسئلة المتعلقة بالحاضر والبعض الآخر بآفاق المستقبل.

(١)

حظيت الذكرى الثانية لفض اعتصام رابعة (١٤ أغسطس/آب) باهتمام ملحوظ هذا العام، تجاوز بكثير ما جرى العام الماضي. صحيح أن خطاب كتائب الإبادة ظل كما هو، حيث كرر مقولات التبرير والتنديد بالضحايا، إلا أن الاهتمام الذي أعنيه رصدت مؤشراته خارج تلك الدائرة.

حظيت الذكرى الثانية لفض اعتصام رابعة  باهتمام ملحوظ هذا العام، تجاوز بكثير ما جرى العام الماضي. صحيح أن خطاب كتائب الإبادة ظل كما هو، حيث كرر مقولات التبرير والتنديد بالضحايا، إلا أن الاهتمام الذي أعنيه رصدت مؤشراته خارج تلك الدائرة

فقد تابعنا تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الذي استعرض أحداث العام الأخير وطالب بإجراء تحقيق دولي فيما جرى عام ٢٠١٣. في الوقت ذاته وجدنا أن اثنين من الباحثين في جامعة أوكسفورد البريطانية أجريا بحثا عن خلفيات ٧٠١ ضحية للمذبحة، درسوا فيه خلفياتهم الاجتماعية وتوزيعهم الجغرافي، وخلصا من ذلك إلى عدة نتائج مهمة أبرزتها صحيفة واشنطن بوست في مناسبة الذكرى الثانية. ذلك إلى جانب التعليقات والتحليلات التي نشرتها مختلف الصحف الأميركية والأوروبية.

الأصداء الداخلية كانت أهم. ذلك أن أصوات العقلاء في مصر علت بدرجة ملحوظة. وأهم ما ميزها أمور ثلاثة: الأول التفرقة بين ما هو سياسي وما هو إنساني وأخلاقي. بمعنى أن المختلفين سياسيا ظلوا على مواقفهم، لكنهم أعلنوا إدانتهم للانتهاكات التي حدثت في فض الاعتصامات التي أوقعت ذلك العدد الكبير من الضحايا.

الثاني رفض تعميم الإدانة والاتهام على كل المنتمين إلى الإسلام السياسي، والتفرقة بين عموم الإخوان وشباب الإسلاميين. الثالث الدعوة إلى الاصطفاف الوطني واستعادة أهداف ثورة ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١ والتنبيه إلى أن الصراع في جوهره ليس بين السلطة والإخوان، ولكنه بين الثورة والثورة المضادة.

الحوار الحاصل في دوائر اليسار المصري بهذه المناسبة جدير بالملاحظة، خصوصا بعد البيان الذي أصدره الاشتراكيون الثوريون وتضمن بعض المعاني التي أشرت إليها، الأمر الذي أثار جدلا بين عناصر اليسار لا يزال مستمرا حتى الآن، بين مؤيدين للتفاعل مع شباب الإسلاميين ضمن القوى الوطنية المدعوة للاحتشاد، وبين متحفظين ورافضين لما سمى بـ"أخونة" الحركة الوطنية وتجاهل التناقضات بين قوى اليسار ومجموع التيار الإسلامي.

استوقفني في هذا الصدد تحليل رصين كتبه الأستاذ سامح نجيب -أحد مثقفي اليسار البارزين- نشر على موقع "الاشتراكي" في ذكرى فض الاعتصام (١٤/٨) ومما قاله إن شهداء رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة وجامع الفتح هم شهداء الثورة المصرية مثلهم مثل شهداء يناير ٢٠١١ وماسبيرو ومجلس الوزراء ومحمد محمود.

(٢)

تتعدد القرائن الدالة على أن الملف لم يغلق كما يتصور البعض، لكنه لا يزال مفتوحا والاهتمام به يتزايد، على الأقل فيما يخص حقائقه التي طمس بعضها وشوه البعض الآخر وقدمت لها الآلة الإعلامية صياغات جديدة اقتضتها الملاءمات السياسية. إلا أن جهدا كبيرا بذل في عملية التوثيق شاركت فيه أطراف عدة من الباحثين والحقوقيين المعنيين.

وكانت السير الذاتية التي توفرت خلال عملية التوثيق التي قام بها خبراء ونشطاء موقع "ويكي ثورة" المستقل هي الأساس الذي اعتمد عليه باحثا جامعة أوكسفورد في دراستهما للخلفيات الاجتماعية للمئات السبع من شهداء الاعتصام، ومنها استخلصا -مثلا- أن أغلبهم من عناصر الطبقة الوسطى، وليسوا من الطبقات الدنيا كما أشيع، كما أنهم قدموا من ٣٣٣ منطقة مختلفة في أنحاء مصر.

رغم الأهمية المعرفية -والسياسية أيضا- لتحرير وتحقيق ما جرى قبل سنتين، وهو ما قد يستغرق وقتا طويلا لأسباب مفهومة، إلا أن أسئلة الحاضر والمستقبل تظل معلقة في الفضاء، وتطرح نفسها بقوة في المناسبة. بعض تلك الأسئلة تتعلق بخرائط الصراع ومؤشراته، وما إذا كانت تلك المؤشرات تتجه إلى الصعود أو الهبوط والبعض الآخر يتعلق بسيناريوهات المستقبل.

تتعدد القرائن الدالة على أن الملف لم يغلق كما يتصور البعض، لكنه لا يزال مفتوحا والاهتمام به يتزايد. على الأقل فيما يخص حقائقه التي طمس بعضها وشوه البعض الآخر وقدمت لها الآلة الإعلامية صياغات جديدة اقتضتها الملاءمات السياسية

هناك ثلاثة مداخل لقراءة خرائط الصراع. الأول تقليدي وتاريخي، يتمثل في فكرة الإبقاء على الأزمة التي تتمثل في التحذير من تهديدات الخطر المحدق داخليا كان أم خارجيا. وهي الأجواء التي ترفع درجة التوتر في المجتمع وتمثل نوعا من الطوارئ السياسية، التي تسوغ الإجراءات الاستثنائية.

كما أنها تلهي الجماهير عن مشكلاتهم الحياتية بدعوى ضرورة الانصراف إلى مواجهة الخطر الذي يهدد كيان المجتمع ويرنو إلى إسقاط الدولة والنظام. وفكرة استدعاء الخطر هذه شائعة في المجتمعات غير الديمقراطية لأنها تسوغ تشديد قبضة السلطة وتصفية معارضيها الذين يصنفون ضمن الطابور الخامس.

المدخل الثاني لقراءة الوضع الراهن يتمثل في زاوية الصراع بين السلطة من ناحية والإخوان والإرهاب من ناحية ثانية. وهو ما استصحب حديثا مستمرا عن مؤامرات الداخل وتوجيهات التنظيم الدولي، ومخططات أجهزة المخابرات العالمية. وهذه القراءة تستحضر النقاش في حوادث وضحايا فض الاعتصامات وأعداد المعتقلين والمحاكمات الجنائية والعسكرية ومصير أحكام الإعدام والتعذيب في السجون وما إلى ذلك.

المدخل الثالث يمكن اختزاله في علاقة السلطة بالمجتمع وموقفها من قضية الحريات العامة ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى استخدام سلطة التشريع في إصدار سلسلة من القوانين التي تعيد نظام الطوارئ وتعزز قبضة السلطة على نحو يتجاوز قيود الدستور وضوابطه.

أزعم أن القراءة الصحيحة للوضع القائم تفرض على الباحث أن يتطرق إلى المداخل الثلاثة جنبا إلى جنب، فلا يستطيع أن يتجاهل مبالغات الخطاب السياسي والإعلامي في الحديث عن الإرهاب والتشديد على فكرة أن مصر تخوض حربا ضد الذين يريدون إسقاط الدولة.

في الوقت ذاته فإن ملف الجماعات الإرهابية لا يمكن تجاهله، وإنما يتعين الوقوف أمامه طويلا للتعرف على هوية الأطراف المشاركة فيه ومقاصدها الحقيقية. وهل بمقدور تلك الأطراف حقا أن تتحدى الدولة وتعمل على إسقاطها كما حدث في دول أخرى، أم أن الحاصل هو مجرد رسائل للثأر والانتقام والمشاغبة على الدولة؟

المستوى الثالث الذي يخص علاقة السلطة بالمجتمع هو الأهم في رأيي لأنه يتناول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلد، كما أنه يمس حق المجتمع في المشاركة في السلطة وتداولها، إلى جانب حقه في المساءلة الغائبة. كما أنه يشكل أرضية للقاء مع مختلف القوى الوطنية باختلاف منطلقاتها الفكرية.

ومن شأن القراءة على ذلك المستوى أن تفتح الباب واسعا لمراجعة القوانين المقيدة للحريات وفتح حوار حول أولويات المشروعات التنموية الكبرى في ضوء مدى الحاجة إليها والأطراف المستفيدة منها.

(٣)

أسئلة المستقبل من الأهمية بمكان. فمنها ما يتعلق بمصير المجتمع المدني الذي تعلقت به الأنظار يوما ما. والمدنية التي أعنيها تتعلق بشكل السلطة ومؤسسات المجتمع والقوى الفاعلة والحية فيه. ومنها ما يتعلق بمآلات إدارة الدولة ومدى اعتمادها على الحلول السياسية أو الأمنية. إضافة إلى آفاق وخيارات حل أزمة الانقسام الحاصل في المجتمع والاحتقان المخيم على الفضاء العام.

بالتوازي مع ذلك فـمستقبل العنف الحاصل في المجتمع ينبغي أن يخضع لدراسة متأنية ومعمقة. ذلك أننى أخشى أن نعمد إلى تأجيل التفكير في هذه المسألة بحجة الانشغال بتحديات الحاضر. وهو ما من شأنه أن يوسع من دائرة العنف ويؤججه، من خلال إضافة شرائح جديدة إلى صفوفه. الأمر الذي ينبغي ألا يستبعد في ظل انسداد الأفق السياسي وفقدان الأمل في المراهنة على الحلول السلمية.

في هذا الشق الأخير فإن التفكير في المستقبل يستدعي مراجعة أمور عدة منها مثلا: هل من الحكمة أن يخوض النظام معركة ضد المنظمات الحقوقية وجماعات الإسلام السياسي، وأن يستمر الاشتباك حادا مع المدافعين عن حقوق الإنسان وفصائل الاعتدال في تيار الإسلام السياسي؟ وهل من المصلحة أن توضع في سلة واحدة الجماعات الإسلامية المختلفة مع السلطة، وأن يتهم الجميع بالإرهاب دون تمييز بينها، الأمر الذي يورث حالة من اليأس تدفع المعتدلين والمترددين إلى الانخراط في العنف؟

وحين تخوض السلطة معركتها على الجبهة الواسعة للإسلام السياسي، مستهدفة إقصاءه أو الاستجابة لدعوات إبادة فصائله، فما هو البديل المرشح لملء الفراغ الذي ينشأ عن ذلك؟ وهل نستغرب في هذه الحالة إذا انحصرت البدائل في الاتجاهات السلفية كحد أدنى وفي الانحياز إلى داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) ونظائرها كحد أقصى؟ ثم، ألا يشكل ذلك مناخا مواتيا لانتشار الجماعات السرية التي يمكن أن تخرج علينا من حيث لا نحتسب؟

(٤)

حين تخوض السلطة معركتها على الجبهة الواسعة للإسلام السياسي، مستهدفة إقصاءه أو الاستجابة لدعوات إبادة فصائله، فما هو البديل المرشح لملء الفراغ؟ وهل نستغرب في هذه الحالة إذا انحصرت البدائل في الاتجاهات السلفية كحد أدنى أو في الانحياز إلى داعش ونظائرها؟

لا أستطيع أن أتجاهل في هذا السياق مقالة نشرتها جريدة الحياة اللندنية في ٢٥/٦ عنوانه هو: الأحكام القضائية بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وفؤاد شهاب، صاحب المقالة هو الكاتب اللبناني الأستاذ عبد الرحمن عبد المولى الصلح، الذي ذكر في نصه ما يلي: أحكام الإعدام التي صدرت في مصر ذكرتني بأجواء محاكمة أخرى هي نقيض أجواء محاكمة القاهرة. ذلك أن المتهمين اللبنانيين كانوا قد أدينوا بمحاولة انقلاب أعدوا لها ليل ٣٠-٣١ عام ١٩٦١، حين قام الحزب القومي السوري بمحاولة انقلاب استهدفت إطاحة رئيس الجمهورية فؤاد شهاب، ووصل عدد المشاركين في المحاولة الانقلابية إلى ١٧٩ فردا منهم ١١ عسكريا.

لكن الراحل الكبير الرئيس اللواء فؤاد شهاب، العسكري الديمقراطي، رفض تلك الدعوات وأصر على أن يرأس محكمة التمييز (الاستئناف) العسكرية قاض مدنيٌ على أن يكون أعضاؤها من الضباط العسكريين. وكلفت المحكمة بالنظر في أحكام الإعدام التي سبق أن أصدرتها محكمة عسكرية ابتدائية. لكن رئيس المحكمة المدني (اميل أبو خير) رفض أحكام الإعدام لأن الجريمة سياسية.

بالتالي رفض الرئيس شهاب توقيع مراسيم الإعدام تأييدا لرأي القاضي اميل أبو خير، وفي نهاية عهده أصدر الرئيس شهاب مرسوما قضى بإبدال الإعدام بالحكم المؤبد. ولاحقا في عهد الرئيس شارل حلو، الذي يعد في بداياته تتمة لعهد الرئيس شهاب، صدر عام ١٩٦٩ عفو شامل عن المحكومين.

تمنى الكاتب على الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يحذو حذو الرئيس شهاب العسكري الديمقراطي تجنبا لإراقة الدماء وتعزيزا للمسار الديمقراطي والوحدة الوطنية. وهو الذي وظف القانون كآلية للإصلاح وليس للانتقام أو التشفي. والكلام له وليس لي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك