غياث بلال

غياث بلال

كاتب وناشط سوري


أدت المغامرات العسكرية الأميركية في العقود الأخيرة وكذلك التغيرات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي إلى تغير طبيعة التحديات الإستراتيجية التي ستواجهها الولايات المتحدة في العقود القادمة.


ففي حين استنزفت وزارة الدفاع الميزانية الأميركية على مدى عقدين متتالين بشكل مرهق أدت القدرات المتزايدة لدول شرق آسيا على الإنتاج والتصنيع إلى خلق حالات كساد ضخمة في العديد من الصناعات في أوروبا وأميركا.

كما أن آثار تزايد القدرات التنافسية لدول شرق آسيا ما زالت تتكشف بشكل متتابع سنة بعد سنة، حيث من المرجح اختفاء العديد من الصناعات العريقة في الغرب عموما لضعف قدراتها التنافسية في عالم العولمة الذي بشر به وصنعه الغرب على عينه.

أما في الساحة السياسية فاكتسبت العديد من المجموعات الصغيرة نسبيا قدرات متزايدة على التأثير في السياسات العالمية، في حين كانت الدول القومية هي اللاعب الوحيد على ساحة السياسة الدولية لعدة قرون مضت، فتفجير طائرة على يد مجموعة من المتمردين المجهولين في أوكرانيا أو اختطاف سفينة تجارية في المحيط الهادئ يؤدي اليوم إلى اضطراب هائل في كامل قطاعات النفط والمال وشركات الطيران وشركات التأمين عبر العالم.

أدت التطورات الجارية لأن تكتسب العديد من المجموعات الصغيرة نسبيا قدرات متزايدة على التأثير في السياسات العالمية في حين كانت الدول القومية هي اللاعب الوحيد على ساحة السياسة الدولية لعدة قرون مضت

كما أن الصراعات المسلحة الناتجة عن الأزمات المحلية المستعصية بدأت بالتحول إلى أزمات ذات طابع دولي كما شهدنا ذلك في حالة تنظيم الدولة الإسلامية، وكذلك في حالة القاعدة قبل ذلك.

استوجبت هذه التغيرات استجابات عميقة على مستوى السياسات العليا للولايات المتحدة تقضي بإعادة النظر بتموضعها الإستراتيجي عبر العالم، وما يقتضيه ذلك من ترشيد لتوزيع واستخدام أدوات القوة بكافة أشكالها المنتشرة عبر القارات الخمس.

وذلك ما بات جليا منذ وصول الرئيس بارك أوباما إلى سدة الرئاسة قبل أكثر من ست سنوات، فسياسة الانكفاء الأميركية تجاه الأزمات السياسية العالمية لم تبدأ في الحالة السورية أو في أوكرانيا، بل كانت واضحة منذ الاجتياح الروسي لجورجيا عام ٢٠٠٨.

وبالتالي فإن السياسات الأميركية الهادفة للوصول إلى تفاهم مع إيران ولو على حساب الشركاء التقليديين في المنطقة يمكن فهمها في هذا السياق، حيث تسعى الولايات المتحدة اليوم لتحقيق مصالحها في المنطقة من خلال سياسات أقل عدوانية وبأقل قدر من التدخل المباشر، فالأولوية لدى الإدارة الأميركية اليوم هي المحافظة على التفوق الاقتصاد والصناعي في عالم متغير تسوده ديمقراطية المعرفة وسهولة تنقل التكنولوجيا, وسمته التنافس على العقول والأسواق.

ورغم عودة القوات العسكرية الغربية إلى المنطقة في صيغة التحالف الغربي ضد تنظيم الدولة فإن هذه العودة تعد خطوة تكتيكية خجولة تعول على الشركاء المحليين وتخدم أهدافا آنية على صعيد التنافس السياسي داخل الولايات المتحدة، وأخرى على المدى المتوسط على صعيد توازن القوى داخل منطقة الشرق الأوسط، أي أن التحالف الغربي الذي تأسس ليواجه تنظيم الدولة ليست على أجندته طموحات توسعية بعيدة المدى، الأمر الذي يعني ظهور فراغ نفوذ متزايد في المنطقة لم نشهد مثيله منذ انهيار الدولة العثمانية.

بطبيعة الحال، لن تتمكن روسيا أو الصين من ملء هذا الفراغ لعدم قدرتهما على تحمل أعباء بناء وتشغيل الدولة الإمبراطورية التي عجزت عنها الولايات المتحدة وعجزت عنها بريطانيا قبل ذلك عندما كانت عظمى، مما يعني أن التنافس على ملء فراغ النفوذ في المنطقة سيكون محصورا بين إيران وتركيا وكذلك إسرائيل.

يتأكد ذلك خاصة بعد خروج مصر من ساحة التنافس الإقليمي كقوة فاعلة وقادرة على قيادة دول أخرى لأسباب عديدة، أهمها تفاقم تناقضاتها الداخلية والتراجع المستمر لقدراتها الاقتصادية، الأمر الذي تركها عرضة للتقلبات السياسية في الدول المحيطة بها بدل أن تكون هي الموجه والمشارك في صناعة الأحداث السياسية بالإقليم.

أما إسرائيل فهي تعتمد على تفوقها المعرفي الذي تسعى لترجمته إلى نفوذ اقتصادي ومالي يسمح لها بالسيطرة السياسية، وكذلك تعتمد على علاقتها الدولية من أجل تحقيق مصالحها دون اضطرارها للجوء إلى الهيمنة المباشرة عبر التدخل الخشن.

في حين تتنافس تركيا وإيران على قيادة الفعل السياسي في المنطقة، حيث تسعى كل منهما لبناء منظومة سياسية قادرة على قيادة المنطقة تكون هي محركها الأساسي وصاحبة التأثير الأكبر فيها.

إن طول أمد الأزمات وانهيار الدولة الحاصل في سوريا والعراق وضعا الدولة التركية أمام تحديات ومخاطر متعددة ناجمة عن بروز الجماعات الإسلامية المتطرفة، وتعاظم أحلام وطموحات بعض الجماعات الكردية المتطرفة

فإيران اليوم تعول على ثمار الاتفاق النووي من أجل دعم مشروعها الرامي للهيمنة على القرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط، حيث سيوفر لها الاتفاق النووي سيولة مالية ضخمة يمكن توظيفها في دعم أذرعها الممتدة بالدول المضطربة في المنطقة، كما أنه سيعيد تأهيلها كشريكة وعضوة فاعلة في المجتمع الدولي يمكن التعامل معاه والتعويل عليها في تحقيق مصالح الدول الكبرى بالإقليم.

ومن المؤكد أن الاتفاق النووي الأميركي الإيراني سيمد الخزينة الإيرانية بسيولة مالية ضخمة تساعد الطموحات الإيرانية على التمدد والتوسع في المدى المنظور، إلا أنه على المدى البعيد قد يؤدي هذا الاتفاق الى تفكك نظام الملالي الإيراني وربما انفراط عقد الدولة الإيرانية نتيجة تفكك السردية الرئيسية التي تأسست عليها دولة الملالي بشكل كامل (العداء للغرب ونصرة المستضعفين).

أما تركيا فقد سعت خلال السنوات الماضية لدعم المد الثوري والشعبي في المنطقة المطالب بالمزيد من الحريات لقناعاتها أن الناتج عن هذه الثورات في حال نجاحها سيكون أنظمة سياسية معتدلة قريبة في توجهاتها من حزب العدالة التركي, وبالتالي سيكون من الممكن التفاهم والتعاون معها لبناء منظومة قادرة على ملء فراغ الهيمنة الناشئ عن الانكفاء الأميركي. 

غير أن طول أمد الأزمات وانهيار الدولة الحاصل في سوريا والعراق وضعا الدولة التركية أمام تحديات ومخاطر متعددة ناجمة عن بروز الجماعات الإسلامية المتطرفة من جهة، وكذلك ناجمة عن تعاظم أحلام وطموحات بعض الجماعات الكردية المتطرفة من جهة أخرى، الأمر الذي استوجب التدخل العسكري التركي المباشر رغم محاولة تجنبه خلال السنوات الماضية، حيث يهدف التدخل العسكري التركي إلى تحقيق عدة أهداف مرحلية تخدم الرؤية المستقبلية لتركيا حول دورها وتموضعها في المنطقة ويحقق شيئا من التوازن مع التقدم العسكري والسياسي الإيراني.

يمكن تلخيص هذه الأهداف كما يلي: منع الجماعات الكردية المتطرفة من تغيير البنية الديمغرافية في الشمال السوري، وكذلك تحجيم تنظيم الدولة وتحجيم تهديده للعمق التركي من جهة، وحماية ظهر فصائل المعارضة المسلحة المقاتلة للنظام السوري والنفوذ الإيراني من جهة أخرى.

كما أن خلق منطقة عازلة في الشمال السوري يتطلب حمايتها من تنظيم الدولة ومن نظام الأسد، حيث سيساعد وجود هذه المنطقة في تخفيض تدفق اللاجئين, وستمثل نقطة انطلاق يمكن للمعارضة السورية الانتقال إليها بما يخفف العبء السياسي لاستضافة المعارضة السورية في تركيا.

في خضم هذه التغيرات تعيش المنطقة العربية حالة من الهشاشة وانهيار الدولة، مما يجعل تحالف دولها مع الدول المحيطة من أجل تحقيق الاستقرار قدَرا أكثر منه خيارا، فلا خيارات مثلا أمام سوريا والعراق وكذلك أمام باقي دول المنطقة سوى التعاون مع إيران أو مع تركيا أو مع كليهما من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية عبر الخروج من دائرة الهشاشة إلى دائرة الاستقرار.

كما أن الخروج من دوائر التبعية للسياسة الغربية إلى دوائر الاستقلال الإقليمي في صناعة القرار السياسي على المدى البعيد يتطلب بناء منظومة إقليمية متفاهمة ومتعاونة في ما بينها، والحقيقة فإن تركيا اليوم رغم جميع الانتقادات والنواقص تمثل واحة الاستقرار السياسي والاقتصادي الوحيدة في المنطقة والمعتمدة على آليات التداول السلمي للسلطة، وتتبنى نموذج الاندماج الإيجابي في عالم العولمة.

وهذا الأمر يجعلها الحليف الطبيعي لسياسات التحول الديمقراطي لدى دول الربيع العربي، وكذلك يجعل منها الظهير الحقيقي لحركات التغيير المطالبة بالانتقال الديمقراطي في المنطقة، وفي نفس الوقت فإن تركيا هي الحليف الطبيعي للسعودية من أجل تطويق التهديد الإيراني بعد توقيع الاتفاق النووي.
الجيل الحالي يعيش المراحل الأخيرة لانهيار النظام السياسي الذي حكم منطقتنا بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى أن يولد النظام البديل سيتوجب على شعوب المنطقة أن تتعايش مع آلام المخاض التي تعصف بها على هيئة أزمات واضطرابات
ولعله من المفارقات التاريخية أن جميع المناطق التي تعاني اليوم من القلاقل الاجتماعية والسياسية، وهي فلسطين، وسوريا، والعراق وكذلك جورجيا والقرم وأوكرانيا والبلقان كانت تعيش تحت الإدارة العثمانية قبل مئة عام، حيث إن الدولة القومية الناشئة في جميع تلك الدول بعد انفصالها عن جسم الدولة العثمانية لم تستطع تحقيق نجاحات تذكر في ما يتعلق ببناء الهوية المشتركة وبناء دولة الرفاه والخدمات، وذلك لأسباب عديدة لا يتسع لها المقام في هذا المقال.

وهذا الأمر بالذات يجعل التفاهم والتقارب مع الدولة التركية الحديثة في جوهره تصالحا مع الذات ومع التاريخ أكثر منه قرارا سياسيا، فهناك مئات السنين من التاريخ المشترك بالإضافة إلى الكثير من المصالح المشتركة اليوم.

خلاصة القول هي أن المسار الاقتصادي والسياسي التي اتبعته تركيا يرشحها للعب أدوار مهمة مستقبلا ويؤهلها كشريكة يمكن التعاون معها والتعويل عليها من أجل بناء منظومة سياسية إقليمية تتمتع بشيء من الاستقرار والاستقلال وتمتلك القدرة على مواجهة الأطماع والطموحات الإيرانية من جهة والإسرائيلية من جهة أخرى، حيث سيكون من المتعذر إعادة بناء الدول المدمرة والمقلقلة في المنطقة على أسس سليمة في غياب هذه المنظومة، كما أن أي حل للقضية الفلسطينية على المدى البعيد يحتاج منظومة سياسية محلية تتبنى هذه القضية.

وفي الختام يمكننا القول من حيث النتيجة إننا الجيل الذي يعيش المراحل الأخيرة لانهيار النظام السياسي الذي حكم منطقتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وإلى أن يولد النظام البديل سيتوجب على شعوب المنطقة أن تتعايش مع آلام المخاض التي تعصف بها على هيئة أزمات واضطرابات متزايدة تتصارع في خضمها المشاريع المتنافسة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك