حسين عبد العزيز

حسين عبد العزيز

كاتب ومنتج أخبار في قنوات فضائية

التجربة الإسلامية
الربيع العربي
التجربة الغربية

في كل حضارة يشكل الموروث الثقافي جزءا من حياة الناس وكينونتهم، وقد يبلغ تأثير هذا الموروث مبلغا عظيما حين تستطيع الأمة إعادة بنائه وفق متطلبات الحاضر كما الحال مع التجربة العربية.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن هذا الإرث يمارس تأثيره مباشرة على عقولنا بحيث يشكل ويبلور ماهية مفاهيمنا المعاصرة، بقدر ما يمكن اعتباره ثقافة جمعية تمارس سلطتها بطريقة لا شعورية على مجتمعاتنا.

التجربة الإسلامية
لم تعرف التجربة الإسلامية انفصالا بين السياسي والديني، فقد كان السياسي جزءا من شمول الدين الذي يغطي الدولة والمجتمع معا، وبالتالي لم يكن بالإمكان إدراك السياسي خارج الإطار الشرعي، إنه أمر خارج المُفكر فيه، وكان منتهى السياسة البحث في غاية الحكم وممارسته، لا البحث في أصوله وأشكاله.

لم تعرف التجربة الإسلامية انفصالا بين السياسي والديني، فقد كان السياسي جزءا من شمول الدين الذي يغطي الدولة والمجتمع معا، وبالتالي لم يكن بالإمكان إدراك السياسي خارج الإطار الشرعي، وكان منتهى السياسة البحث في غاية الحكم وممارسته، لا البحث في أصوله وأشكاله

بعبارة أخرى كانت الإشكالية السياسية المطروحة هي إشكالية السلطة وليست إشكالية السيادة، ولذلك كان من السهل وجود ظاهرة تعدد السلطات في العالم الإسلامي (سلطة الأمويين، سلطة العباسيين، السلاجقة، الفاطميين، الحمدانية، المرابطين، الموحدين .. إلخ) كما هو الحال في أوروبا العصور الوسطى قبل أن تعرف مفهوم السيادة (سلطة الكنيسة، سلطة الإمبراطور، سلطة الملك، سلطة الأمير).

يعود أصل التفكير السياسي الإسلامي إلى التقليد الفقهي الذي كان على ثلاثة مستويات: السياسة الشرعية التي تنشغل بما بات يعرف بالجانب المدني من حياة المسلم، فيما اهتمت الأحكام السلطانية بالجانب السياسي للدولة، أما مرايا الأمراء فكانت مخصصة لنصح الملوك، وهذا تقليد قديم في فارس واليونان.

لقد شرعت الأحكام السلطانية طوال قرون لنظام الضرورة (نظام الحكم القائم)، فالخشية من العصيان والفوضى دفعت الفقهاء إلى تطوير نظرية للشرعية تؤدي إلى إدراك السياسي ضمن الإطار الشرعي، أي الحفاظ على الأمة، طالما أن إمارة الاستيلاء والتغلب تحقق أمرين: الكفاية وتعني العدالة، والشوكة وتعني التصدي للعدو الخارجي، وفي هذا التقليد لا أهمية للطريقة التي يصل بها الحكام إلى السلطة طالما أن السلطة الجديدة قادرة على تحقيق الهدفين اللذين يحفظان وحدة الأمة.

أسس لهذا التقليد كبار العلماء والفقهاء السنة، بدءا من ابن حنبل وانتهاء بابن تيمية مرورا بالماوردي والجويني والغزالي، الذين حددوا الحكم بمقاصده لا بطبيعته وأصوله، باستثناء ابن خلدون الذي اهتم بتوصيف الواقع السياسي وربطه بالبناء الاجتماعي، لكنه لم ينجح في الانفلات من ذلك الواقع وتأسيس نظرية في الحكم تتجاوز الاستبداد (ناصيف نصار)، فقد كان مُقولبا بالعلوم الشرعية (عبد الله العروي)، ولذلك لم يستطع ابن خلدون الوصول إلى حد إدراك مفهوم السيادة المعبر عنه بالشخصية المعنوية أو المشرع الأعلى ذي القوة السيدة كما حدث في الغرب.

وقد اتفق الفقهاء قديما على أن مبدأ الخروج على الحاكم الجائر يدخل في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أن جور الحاكم هو نوع من أنواع المنكر الذي يجب إزالته، لكن لما كان الخروج يؤدي إلى الفتنة فالأفضل التعايش مع الأمر الواقع واستخدام أساليب لا تؤدي إلى الفتنة تحت عنوان درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

ووفقا لهذا التقليد يجب تحمل مساوئ الحكم طالما حقق الحاكم الكفاية والشوكة، في حدود الواقع لا في حدود الشرع، ولما كان هذا التحقق مستحيلا على مستوى مطابقة الممارسة للمثال الإسلامي، فقد اعتمد الفقهاء الاعتراف بالواقع القائم أو ما يسمى بنظام الضرورة، وقد وضعت كثير من الكتب والنظريات الفقهية عن مسألة التعايش مع الحاكم الباغي لمنع الخروج عليه وإدراك الفتنة التي هي أشد من القتل، ولم يشذ عن هذه القاعدة سوى القلة القليلة.

بكل الأحوال، لم يستطع الفكر السياسي الإسلامي بناء على هذا التقليد الفكري من جهة وطبيعة التمفصلات السياسية التاريخية من جهة ثانية، الوصول إلى حد إدراك مفهوم السيادة كما حدث في الغرب، فالسيادة في الإسلام هي للشرع ليس إلا، ومن هنا لا يمكن البحث عن صيغة تحدد فكرة أساس السلطة في التراث السياسي الإسلامي، ولذلك يتم الاكتفاء بفكرة الشرعية، والجهد المبذول يتجه نحو تأسيس تشريع الضرورة السياسية المتمثلة بالإمارة القائمة مع الاستمرار في وعظ الأمير للاقتراب من الشرع (الفقهاء)، أو من خلال البحث عن المدينة المثالية (الفارابي).

مع أحداث الربيع العربي بدأت أصوات دينية تدعو إلى ضرورة الخروج على الحاكم إن كان مستبدا وحال دون تحقيق العدالة التي هي أساس الملك، فيما حافظ آخرون على التقليد السني الذي يرفض الخروج على الحاكم

الربيع العربي
هذا التقليد الفقهي في السياسة ظل مستمرا إلى الآن، وإن شكل القرضاوي حالة استثنائية له، لكن مع أحداث الربيع العربي بدأت أصوات دينية تحذو حذو القرضاوي في ضرورة الخروج على الحاكم إن كان مستبدا وحال دون تحقيق العدالة التي هي أساس الملك، فيما حافظ آخرون على التقليد السني الذي يرفض الخروج على الحاكم.

هكذا كان الوضع في مصر بعيد ثورة 25 يناير حين وقف علماء ورجال دين إلى جانب الثورة، منهم الشيخ المؤرخ جمال عبد الهادي، والشيخ الفقيه محمد عبد المقصود عفيفي، والشيخ فوزي السعيد، والشيخ نشأت أحمد، فضلا عن السلفيين الحركيين، في حين وقف الأزهر ووزارة الأوقاف والدعوة السلفية في الإسكندرية في بداية الأمر ضد الثورة، وتحميل علماء الدين المؤيدين للثورة مسؤولية الفتنة.

والحقيقة أن موقف الأزهر لم يكن مفاجئا بعدما تحول منذ عقود إلى أداة بيد النظام، وربما هذا ما يفسر حالة التباين في مواقفه أثناء مرحلة حكم الإخوان ثم الانقلاب على هذا الموقف مع مرحلة السيسي.

كذلك الأمر في سوريا، حيث أيد بعض رجال الدين الثورة، وفي مقدمتهم معاذ الخطيب، وأنس العيروط، وأبو الهدى الحسيني من الطريقة الشاذلية، وأسامة الرفاعي ومحمد راجح من الطريقة الرفاعية.. إلخ، فيما عارض مفتي البلاد أحمد حسون ووزارة الأوقاف والبوطي وصهيب الشامي وغيرهم الثورة، وإن كان الفرق بين المفتي والأوقاف من جهة والبوطي من جهة ثانية كبيرا، فالتيار الأول يعبر عن مصالحه الخاصة المتمثلة ببقاء النظام، في حين يندرج موقف البوطي ضمن تقليد سني عريق ينبذ الخروج على الحاكم درءا للفتنة، غير أن خطأ البوطي تمثل في تبنيه خطاب النظام حول المؤامرة باعتباره السبب الوحيد للأزمة السورية.

أيضا في اليمن حدث انقسام بين محذر من الفتنة الناجمة عن الخروج على الحاكم، جمعية علماء الدين، الوادعي، المأربي، الحجوري، ومؤيد للثورة الحميقاني، وعبد الرب السلامي، والزنداني، وهيئة علماء المسلمين التي نشأت أثناء الثورة ردا على جمعية علماء المسلمين.

الانقسام في صفوف رجال الدين عزاه كثير من المفكرين إلى أسباب سياسية وليست دينية، وإن غُلفت بحجج وتبريرات دينية نتيجة تداخل الحيزين الديني والسياسي معا، لكن هذا الرأي فيه تجنّ على موقف علماء الدين المؤيدين للثورة، فهم لم ينطلقوا من أسباب ومصالح سياسية، بل من مصلحة الأمة التي يجب أن تقوم على أسس العدالة وتحقيق الأهداف الإسلامية التي حال الحكام دون تحقيقها، على عكس رجال الدين الرافضين للثورة والمدافعين عن الأنظمة، فقسم من هؤلاء يستند إلى أسس سياسية مصلحية لبُست بلباس ديني.

أما الجزء الآخر الملتزم بالتقليد الفقهي التاريخي الذي يرفض الخروج على الحاكم، فمع أنه موقف يستقيم مع معطيات التجربة التاريخية الإسلامية التي كانت فيها الخلافة أو الإمامة امتدادا للدين وتحقق في الواقع جزءا من المثال الديني، فإنه لم يعد يستقيم مع معطيات الحاضر حيث بلغ الاستبداد مبلغا عظيما واستشرى الفساد في ثنايات الدولة والمجتمع، واختزل الدين إلى مجرد أداة لإضفاء نوع من الشرعية على هذه الأنظمة.

هذا الموروث الثقافي على المستوى السياسي يتطلب قطيعة أبستمولوجية معه رغم تعرضه لهزة عميقة بفعل حركة الشارع العربي الكبيرة التي دفعت كثيرا من علماء الدين ومفكرين إسلاميين إلى إعادة صوغ السياسة الشرعية، ومنهم على سبيل المثال رضوان السيد الذي ميز بين مفهومين للشرعية في الإسلام: الأول تأسيسي وسماه بالمشروعية والثاني شرعية المصالح.

رغم الثنائية الدينية-السياسية التي حكمت الغرب طيلة قرون العصور الوسطى، ظل السياسي قائما بذاته ويؤسس مجاله الخاص حتى في اللحظات التاريخية التي كانت الكنيسة هي السلطة العليا، وبالتالي كان السياسي يدرك خارج الديني، فالأساس الشعبي كان هو المعيار
هيكل الشرعية التأسيسية ثلاثة أمور، وحدة الأمة ووحدة الدار ووحدة السلطة، أما شرعية المصالح فتعني الاختلالات المخلة بالشرعية، مثل طريقة الوصول إلى السلطة وتجاوز حد السلطة، واختلال شرعية المصالح لا يخل بالشرعية التأسيسية في نظر الفقهاء، لأن الشرعية التأسيسية مرتبطة في النظر الإسلامي الكلاسيكي بمفهوم السيادة التي تعني حفظ النظام الداخلي الذي يتضمن صون الدين والاستقلال عن الخارج.

التجربة الغربية
رغم الثنائية الدينية-السياسية التي حكمت الغرب طوال قرون العصور الوسطى، ظل السياسي قائما بذاته ويؤسس مجاله الخاص حتى في اللحظات التاريخية التي كانت الكنيسة فيه هي السلطة العليا، وبالتالي كان السياسي يدرك خارج الديني، حيث كان الأساس الشعبي للحكم هو المعيار وإن كان على المستوى النظري أولا.

وهذه الصيغة دافعت عنها الكنيسة ذاتها وإن كان هدفها تقويض سلطة الإمبراطور لكنها ساهمت في تعزيز السياسي، والمصطلحات القانونية التي كانت سائدة نظريا في العصور الوسطى تؤكد على البعد المدني للسلطة رغم التشابك المعقد بين الديني والسياسي، فمصطلح Lex Regia الذي يعني سلطة الشعب ظل سائدا طوال هذه العصور مع مصطلح آخر نشأ بعده Legibus Solutus أي ما يرضي الأمير يكون له قوة القانون، وفي المصطلحين تأكيد على البعد المدني لأسس السلطة.

بناء على ذلك فإن عدم تحقيق الإمبراطور للخير العام يجعل الخروج عليه أمرا مجازا، وإن كان ذلك على المستوى النظري آنذاك، لكنه مستوى ساهم فيما بعد بابتكار فكرة العقد ورفعة القانون والتمثيل ضمن مطالب الحقوق السياسية.

ولم تقترب التجربة الأوروبية من التجربة الإسلامية إلا مع مارتن لوثر الذي رفض العصيان والخروج على الحاكم، لأن النظام السياسي مهما كان جائرا فإنه أفضل من الفوضى، لكن سرعان ما تم تجاوز اللوثرية على يد الكالفينية التي شرعت قتل الحاكم إن خالف مبادئ العقد الاجتماعي ومبادئ الدين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك