محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون


فضاء المقاومة
الجبهة الداخلية
المصالحة الوطنية
العلاقات الخارجية

لقد شكلت ملحمة غزة 2014 منعطفا مهما ورئيسيا في فهم وإدراك الشعوب وقدرتها والجماهير وتطلعاتها، وأثبتت أن المراهنة عليها عين الصواب، ولم يعد خافيا أن مخزون العزة والكرامة الذي تبحث عنه الشعوب وجدت ضالتها فيه بغزة ورجالها ونسائها وأطفالها ومقاومتها، وهم يصمدون ويقاتلون وينتصرون ولعدوهم ومحتل أرضهم يذلون.

ومن المؤكد أن الثبات والانتصار في ميادين النزال له ثمن، وقد دفع الشعب الفلسطيني ومقاومته ثمنا باهظا وضريبة عالية من دمه وآلامه وبيوته ومساجده ومصانعه وكل مقومات حياته بنفس راضية وثبات أسطوري وعزة شامخة.

وكذلك فإن للثبات والصمود والانتصار ثمارا ونتائج، وهذا بيت القصيد في هذه المرحلة الدقيقة حيث تبرز بعد سنة كاملة خيوط المؤامرة وتتكامل لمنع هذه الثمار عن غزة وأهلها.

ومن نافلة القول إن تمام النجاح والانتصار باغتنام ثماره وتثبيت وقائع جديدة وإدارة هذه المرحلة الحرجة لغزة بحكمة وشجاعة يعظم مكاسب المقاومة، وتستثمر نتائج الصمود والثبات بشكل كامل وتحولها إلى واقع في حياة الصابرين في غزة.

ما ثبت جزما في ملحمة غزة أن فعل المقاومة مُجدٍ، ويمكن أن يأتي بثمار طيبة للشعب الفلسطيني، لذلك فإن المطلوب الآن أن تلتقي القوى الفلسطينية لصياغة مشروع التحرير والخطوات المتفق عليها وطنيا في هذا المضمار ضمن برنامج مقاومة

فضاء المقاومة
ما ثبت جزما في ملحمة غزة أن فعل المقاومة مُجد، ويمكن أن يأتي بثمار طيبة للشعب الفلسطيني ويمكن أن تستعاد الحقوق، لذلك فإن المطلوب الآن أن تلتقي القوى الفلسطينية لصياغة مشروع التحرير والخطوات المتفق عليها وطنيا في هذا المضمار ضمن برنامج مقاومة، وما يتضمنه ذلك بالضرورة من تحشيد فلسطيني أولا وعربي ثانيا ودولي ثالثا لصالح فلسطين ومشروع تحريرها، وما يتضمنه ذلك من خطوات وتكتيكات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية بحيث ينتقل الشعب الفلسطيني بشكل سلس ومتدرج، ليكون بكل فئاته ضمن برنامج المقاومة مهما تباينت مساحات العمل واختلفت وجهات النظر.

وبالتأكيد فإن غزة أيقونة المقاومة تحتاج إلى مشاريع عمل تعزز من قدرتها على الصمود والعمل المستمر في شتى المساحات سواء إسكانيا بتعمير المناطق الحدودية عبر فلسفة الإسكان المقاوم، أو اقتصاديا بتعزيز اقتصاد الصمود وتطوير بنيتها التحتية وتعضيد واقعها بمزيد من اللحمة الخارجية والعمق التطويري.

وإن كان ذلك لا يكفي وحده للمضي في مشروع التحرير، فإن علينا أن نوسع فضاء المقاومة لينطلق من كل الجبهات في مواجهة الكيان، ومن ذلك مقاومة الضفة الغربية وقدرتها على الخروج من شرنقة التنسيق الأمني الخانقة.

الجبهة الداخلية
لقد ساق الله هذا الانتصار والصمود الملحمي والكرامة الإلهية لتحمل رسالة المضي قدما في برنامج المقاومة ليتحول إلى مشروع تحرير، وعدم الالتفات إلى سفاسف الأمور ولكن هذا المشروع يحتاج إلى تطوير ضمن نظرية أمنية مكتملة الأركان تحقق حماية المواطنين والشعب بتوفير وسائل ردع للعدوان تمنع الاحتلال من الإيغال في دماء المدنيين وتدمير مساكنهم مع توفير بنية تحتية مساندة وحامية قدر المستطاع للشعب.

مارست إسرائيل عدوانا همجيا سبقه -وما زال- حصار خانق للشعب الفلسطيني، ومن المهم أن تكون الرسالة واضحة بأنه غير مسموح لإسرائيل أن تستمر في سياستها الظالمة بحصار غزة، وفتح المعابر الخطوة الأكثر تعبيرا عن إنهاء حقبة من الحصار الظالم. وفي المقابل فإن إسرائيل تسعى لتقليل مكاسب الشعب الفلسطيني بالسلوك اليومي والإجرائي لإدارة المعابر.

ومن الضروري في هذا السياق أن يحدث تغير في منهجية عمل الرئيس أبو مازن ليواكب المستوى المتصاعد للشعب الفلسطيني في الأداء والصمود على قاعدة أن ما لم يحققه العدوان في الميدان لن يحققه بالسياسة نتيجة التباين المريع في المواقف الفلسطينية، والسياسة كالميدان معركة لا بد من الانتصار فيها لصالح مشروع التحرير.

وللأسف ما زالت آثار العدوان قائمة وتضميد الجراح لم يتم، وإيواء أصحاب البيوت المدمرة لم يتحقق. ولتحقيق هذه الأولوية العاجلة جدا يجب السعي بسرعة قصوى لإطلاق مشروع الإعمار الشامل مع توفير مورد مالي لكل أسرة بالطريقة التي تحفظ الكرامة وتصون النسيج وتدفع غول البطالة.

ما زالت آثار العدوان قائمة وتضميد الجراح لم يتم، وإيواء أصحاب البيوت المدمرة لم يتحقق. ولتحقيق هذه الأولوية العاجلة يجب السعي بسرعة قصوى لإطلاق مشروع الإعمار الشامل مع توفير مورد مالي لكل أسرة بالطريقة التي تحفظ كرامتها
إن إنجاز الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني وانتصار المقاومة في ميادين النزال يقتضي الحديث بلغة جمعية "نحن الشعب الفلسطيني" و"المقاومة" وليس باسم تيار سياسي أو جهاز عسكري، مع معالجة التباين الدائر في مفردات الخطاب الإعلامي وتوحيده عبر مكتب إعلامي موحد وبسياسة إعلامية مصاغة بعناية تكون بوصلتها تحرير فلسطين، مع الاستمرار في حالة التحشيد والتعبئة شعبيا لصالح هذا المشروع.

المصالحة الوطنية
إن إتمام توقيع اتفاق المصالحة في أبريل/نيسان 2014 وتشكيل حكومة الوفاق مثلا مدخلا مهما وضروريا، ولكن للأسف ما زال مشروع المصالحة يواجه عقبات جمة اختفت أثناء العدوان وطفت على السطح بشكل غير وطني بعد لحظات من إعلان وقف إطلاق النار.

والمطلوب -وطنيا أكثر من أي وقت مضى وفي ظل الدمار والآلام والقتل- المضي قدما في تطبيق بنود المصالحة بقيام حكومة الوفاق (التي أعلن استقالتها قبل أيام ثم أعلن بقاؤها مع تعديل وزاري) بدورها في غزة بشكل كامل حتى تحقق مضمون تسميتها بحكومة الوفاق، وعقد الإطار القيادي لمنظمة التحرير كمدخل لإعادة بناء منظمة التحرير، وقيام المجلس التشريعي بدوره لحين إجراء الانتخابات للتشريعي والوطني التي تشمل الضفة وغزة والشتات، ومع آليات واضحة وضمان نزاهة كاملة.

ولعل الإعلان المتردد عن بدء مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنية (إذا أحسن توجيهه) يمثل مدخلا معقولا لإعادة بناء ما تهتك من مشروع المصالحة الوطنية.

إن لم يتحقق ذلك فمن الضروري الذهاب للخيارات الأخرى ومنها ما لوّح به الرئيس عباس بحل السلطة وتسليم مفاتيحها، وأعتقد أنه من الملائم جدا بلورة قيادة للشعب الفلسطيني عبر توافق وطني يضم المجموع الفلسطيني مع العمل لتوفير عناصر الثقة الداخلية والعلاقات الخارجية، وهذه القيادة تمثل مجلس قيادة الثورة الفلسطينية المستمرة.

ولعل التحول اللافت في ملحمة غزة 2014 والصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني والاستعداد العالي للتضحية والوقوف الكامل إلى جانب المقاومة ومشروعها ومن ذلك شخصيات ومؤسسات وتيارات وطنية.. يستدعي المبادرة لإشراك جميع ألوان الطيف الفلسطيني ليس فصائليا وحسب، بل مؤسسات وشخصيات ونقابات وقطاعات خاصة وقطاعات أهلية في مشروع مصالحة واحد جامع مانع.

هذا إضافة إلى الانفتاح على جميع قطاعات شعبنا الفلسطيني وتعضيد العلاقات البينية وتمتين مشروع المصالحة والاستمرار فيه، ومن ثم دراسة الملفات الكبرى، ومنها حل السلطة وبناء منظمة التحرير كمرجعية فلسطينية جامعة.

العلاقات الخارجية
العلاقات الخارجية المطلوبة فلسطينيا لا تقتصر على الأجهزة الرسمية فقط، بل تنفتح شعبيا ورسميا على المحيط الخارجي، ومن المهم فتح قنوات وتعضيد علاقات مع أحزاب وحركات ومؤسسات وشخصيات عالمية، فغزة هي نقطة  استقطاب رئيسية
إن ملحمة غزة أكدت حالة التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية رغم المخاض الذي يعيشه الإقليم إلا أنها ليست كافية، ولذا فإنها تحتاج إلى تعزيز من زاوية التعريف والتحشيد ومن ثم الاستثمار عبر حملات تعبوية شعبية لتوفير التمويل الشعبي الذي مثل ركيزة مهمة في بعض المراحل من الصراع.

وكذلك على الصعيد الرسمي فإن الحاجة قائمة لتعضيد العلاقة مع عدد من الدول ومنها دول أميركا اللاتينية بما يمثل رصيدا لصالح القضية، وبالتالي ليس المطلوب الالتجاء لأحلاف نقيضة لأخرى، ولكن تعضيد عموم العلاقات على أساس من مصلحة الشعب والقضية وأن تكون القضية عامل توحيد وليس عامل استقطاب وتثبيت الإستراتيجية الجامعة "نحن مع الجميع طالما تحققت مصلحة القضية ولسنا جزءا من أي محاور".

ومن ذلك تعزيز العلاقة الضرورية مع مصر والبناء على دورها في الوساطة سواء في ملحمة غزة الأخيرة أم في صفقة وفاء الأحرار أو اتفاق 2012. وبالتأكيد فإن من المهم ملاحظة انعكاس ذلك على معبر رفح الذي يعتبر تيرمومتر هذه العلاقة بحيث يكون مفتوحا لجميع الناس في كل الأوقات وأن يتطور إلى معبر تجاري, وهذا ليس بديلا عن ممر مائي ومطار جوي لمنح غزة الرئة ولفتح بوابات لها مع العالم.

والعلاقات الخارجية لا تعني التعامل الرسمي فقط، بل تنفتح شعبيا ورسميا على المحيط الخارجي، وكذلك من المهم فتح قنوات وتعضيد علاقات مع أحزاب وحركات ومؤسسات وشخصيات عالمية لأن غزة مثلت مركزية تضامن عالمي ونقطة استقطاب رئيسية.

وهذا يستدعي استمرار حالة التضامن مع غزة بأشكال وطرائق متعددة، وهنا تجدر الإشادة بمشروع أسطول الحرية الثالث. ولا بد كذلك أن يبرز دور للسفارات والممثليات والقناصل الفلسطينية التي خفت صوتها إلى درجة عدم ذكر وجودها، وهو ما يعتبر مدخلا رئيسيا لمحاكمة مجرمي العدوان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك