عبد الحكيم هلال

عبد الحكيم هلال

كاتب وصحفي يمني


التسويق لداعش
مسوغات "دعشنة" اليمن
القاعدة أم داعش؟
تفاصيل المخطط الجديد
مراحل المخطط

منذ سقوط نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح في فبراير/شباط 2012، دخل اليمن مشرحة حوارات داخلية مطولة ومتنوعة، انتهت به مطلع العام الحالي إلى انقلاب مسلح على السلطة الجديدة، لينزلق البلد -الذي كان يُتباهى بنموذجه الحواري المختلف مقارنة ببقية بلدان الربيع العربي- إلى أتون حرب داخلية طاحنة.

إثر ذلك، تجاذبت اليمن طاولات حوار خارجية إسعافية عاجلة: بدءا بمؤتمر الرياض (طرف السلطة الشرعية)، ومرورا بلقاءات مسقط (طرف الانقلابيين)، وانتهاء بمشاورات جنيف (الجامعة بين الطرفين).

بدا وكأن فشل مشاورات جنيف الأممية (15-19 يونيو/حزيران) عزز عمليا فكرة: أن كل طاولة حوار جديدة بين المختلفين اليمنيين لا تزيد الحالة اليمنية إلا تعقيدا، ليغدو السؤال القديم: إلى أين يتجه اليمن؟ سؤالا مصيريا الآن أكثر من ذي قبل.

إن طرح سؤال قديم كهذا سيكون له أهمية قصوى في الوقت الراهن، ليس فقط لاعتبار أن فكرة التعويل على الحوار أصبحت غير مجدية، بل أيضا أخذا في الاعتبار بروز مؤشرات ميدانية خطيرة من شأنها أن تضع مصير البلاد في كف عفريت "الحروب الطائفية".

حسب معلومات خاصة، فإن تسميات مخيفة ومقلقة للعالم على شاكلة "تنظيم الدولة الإسلامية"، من المخطط لها أن تبدأ قريبا بالظهور العلني. ويرجح أن نشهد ذلك خاصة في المساحات الجغرافية التي عجزت مليشيا صالح والحوثي عن حسم معاركها المسلحة فيها

وبحسب معلومات خاصة، فإن تسميات مخيفة ومقلقة للعالم على شاكلة "تنظيم الدولة الإسلامية"، من المخطط لها أن تبدأ قريبا بالظهور العلني. وبشكل خاص من المرجح أن نشهد ذلك في المساحات الجغرافية التي عجزت مليشيا صالح والحوثي عن حسم معاركها المسلحة فيها منذ أشهر.

وفي الوقت الذي سيكون من المهم فيه هنا تعزيز تلك المعلومات بالمؤشرات التي بدأت بالظهور على السطح، فإنه يتوجب علينا ربما البدء أولا بالتطرق إلى خلفيات ومسارات هذا المخطط.

التسويق لداعش
من السهل التأكد أن بلوغ تلك النتيجة، لم تكن سوى ثمرة لخطوات حثيثة ظلت مليشيات الحوثي بالتحالف مع المخلوع صالح تعمل عليها وتمهد لها منذ بدأت تنفيذ معاركها التوسعية المسلحة.

فمنذ ما قبل اجتياح محافظة عمران، يوليو/تموز 2014، مرورا باجتياح العاصمة صنعاء سبتمبر/أيلول 2014، وحتى بلوغ مرحلة الانقلاب على السلطة الشرعية مطلع العام الجاري، ومن ثم التوسع إلى بقية المحافظات الشمالية الأخرى، وصولا إلى شن حرب على محافظات الجنوب وما تبقى من الشمال منتصف مارس/آذار 2015؛ ظلت مليشيات الحوثي المدعومة من صالح تسوق حروبها الداخلية بـ"الحرب على الدواعش"!!

عمليا، لم يكن خافيا على أحد -سواء في الداخل أم الخارج- مدى ما تحمله تلك المزاعم من أكاذيب. وتوضح جغرافية المعارك التي تخوضها المليشيات تلك الحقيقة. فعلى سبيل المثال، ركزت في تحركاتها العسكرية على محافظات كان من المعلوم للجميع شبه انعدام قوة القاعدة فيها، كعدن ولحج، أو غيابها كليا كتعز والضالع، فيما تركت محافظة كحضرموت -وهي التي أصبحت مؤخرا الحاضن الأكبر للقاعدة- بعيدا عن معاركها، تاركة إياها لقمة سائغة للقاعدة التي أعلنت مؤخرا سيطرتها الكلية عليها، في حين كان التحالف المليشياوي قد سيطر كليا على محافظة شبوة المجاورة، لكن دون أن يتقدم خطوة واحدة إزاء حضرموت لتحريرها من "الدواعش"!!

ومع ذلك، فإن نغمة محاربة "الدواعش" لاقت منذ البداية آذانا أميركية صاغية، باعتبارها العدو العالمي الأول للتنظيمات الإرهابية المتشددة. لذا قامت واشنطن مبكرا باتصالات أمنية واستخباراتية مع قيادات جماعة الحوثي، على الرغم من أن شعارها الرئيسي يقوم أساسا على صرخة "الموت لأميركا". وعن هذه المحاولات "التواصلية" تداولت الصحافة تصريحات متوالية لمسؤولين أميركيين، لا سيما خلال الفترة التي أعقبت اجتياح الحوثيين صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.

ومن المهم الإشارة إلى أن مثل هذا التقارب الأميركي الحوثي جاء في ظل مناخ دبلوماسي سياسي متحسن بين واشنطن وطهران، أفضت إليه الحرب الدولية على "داعش" العراق، مع تغير أميركي واضح ومفاجئ في المحادثات الدولية بشأن الملف النووي الإيراني.

مسوغات "دعشنة" اليمن
ربما كان خلق هذا الوحش (داعش) في اليمن خيارا ثانويا، وبالتالي بدا من المبكر جدا العمل على خلقه منذ البداية. من حيث إنه كان يعتقد -ربما- إمكانية حسم المعارك الميدانية سريعا والاكتفاء باستخدامه كمادة تسويقية فقط.

رغم أن فروع القاعدة بدأت مؤخرا تتسابق لمبايعة داعش، فإن قاعدة اليمن بقيادة ناصر الوحيشي ظلت ترفض مبايعة البغدادي زعيم "داعش"، الأمر الذي يعتقد أنه أخّر البدء بمخطط صالح الحوثي

جاءت الضربات الجوية لـ"عاصفة الحزم" بقيادة المملكة السعودية أواخر مارس/آذار الماضي، لتخلط الأوراق، في الوقت الذي عملت فيه تدريجيا على تحقيق أمرين. الأول: ساعدت على خلق وظهور مقاومة شعبية قوية تساند الجيش الموالي للشرعية في المحافظات المستهدفة، مما أعاق مسار تنفيذ المخطط التمهيدي للمليشيا، وبالتالي -وهذا الأمر الثاني- سرعت من أهمية ووتيرة تصعيد خيار خلق "داعش" إلى المرتبة الرئيسية.

ومع أواخر مايو/أيار ومطلع يونيو/حزيران، الماضيين، جاء لقاء العاصمة العُمانية (مسقط)، بين قيادات حوثية كبيرة وقيادات دبلوماسية وعسكرية أميركية ليشكل علامات استفهام كبيرة في هذا السياق. كان ظاهر اللقاء الأول (المعلن) بين الطرفين التناقش بشأن إقناع الحوثيين للمشاركة في مشاورات جنيف برعاية الأمم المتحدة، بينما شملت الاجتماعات -التي استمرت لأيام- بحث تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين.

ظل الجزء الأكبر من القضايا التي تمت مناقشتها سريا للغاية، بما في ذلك بحث التعاون بين الجانبين بشأن الحرب على الإرهاب في اليمن، باعتبار الحوثيين باتوا يمثلون القوة الفعلية الأكبر وسلطة الأمر الواقع، مقابل وعود أميركية بالتحايل على تنفيذ قرار مجلس الأمن الأخير (2216)، الذي تتضمن أبرز بنوده مطالبة الحوثيين بسرعة إنهاء كافة الإجراءات الانقلابية على السلطة والانسحاب من المدن وتسليم الأسلحة للدولة.

وفي المحصلة، من الراجح القول إن خلق "داعش" اليمنية بات ضروريا لمواصلة هذا التفاهم، أو على الأرجح، التحالف الجديد.

القاعدة أم داعش؟
في الوقت الذي تحول فيه العالم نحو "داعش"، ليس لحربها فحسب، بل لمبايعتها أيضا من قبل تنظيمات القاعدة في العالم، فإن قاعدة اليمن بقيادة ناصر الوحيشي ظلت ترفض مبايعة البغدادي زعيم "داعش"، الأمر الذي يعتقد أنه أخّر البدء بمخطط صالح الحوثي.

وقد يمكن قصر الأمر هنا على صالح بشكل خاص كونه يحوز على جزء كبير من ولاء قيادات التنظيم الإرهابي. حيث عزز تلك الحقيقة التحقيق الاستقصائي الذي بثته قناة الجزيرة مطلع يونيو/حزيران، والذي شكل ضربة أخرى للمخطط، حين كشف عن تورطه، عبر نجل شقيقه وكيل جهاز الأمن القومي السابق، في تحريك خيوط لعبة القاعدة في اليمن.

لكن المخطط كان قد بدء العمل عليه من كافة الأطراف المشاركة. وفي منتصف الشهر ذاته، نجحت طائرة دون طيار أميركية في اغتيال زعيم القاعدة ناصر الوحيشي، ليعلن عن تنصيب قاسم الريمي خلفا له.

الآن وقد تمت تصفية الوحيشي زعيم القاعدة الذي أعاق مخطط تحويلها إلى "داعش"، وتنصيب الشخص المناسب لاستكمال المخطط، ذهبت معظم الترجيحات إلى أن الريمي سيعلن خلال أيام ولاءه للبغدادي، وتدشين "داعش" اليمنية

والريمي، القائد العسكري الميداني السابق للتنظيم، كان تحقيق الجزيرة قد كشف أيضا تورطه بالعمالة للأمن القومي اليمني. كما كشف أحد المتخصصين بشؤون التنظيم (اتهم سابقا بتهريب 23 من أعضاء القاعدة في 2006 من سجن الأمن السياسي) أيضا، حقيقة عمالة الريمي للنظام السابق، متهما إياه بالمساعدة في عملية اغتيال الوحيشي، بعد أن دخل معه في خلافات على خلفية مساعيه إعلان قاعدة اليمن مبايعة البغدادي زعيم "داعش". طبقا لما جاء في منشور كتبه الدكتور رياض الغيلي على صفحته الشخصية بالفيسبوك عقب إعلان الريمي تنصيب نفسه زعيما للقاعدة في اليمن.

الآن وقد تمت تصفية الوحيشي زعيم القاعدة الذي أعاق مخطط تحويلها إلى "داعش"، وتنصيب الشخص المناسب لاستكمال المخطط، ذهبت معظم الترجيحات إلى أن الريمي سيعلن خلال أيام ولاءه للبغدادي، وتدشين "داعش" اليمنية. بينما هناك من يرجح -نتيجة انكشاف تلك الحقائق- أن يعمل على هذا الأساس حتى وإن لم يعلن ذلك، أو اضطر لتأخير الإعلان، ربما.

تفاصيل المخطط الجديد

قبل أسابيع نشرت معلومات صحفية، تفيد بأن صالح بدأ باستخدام الورقة الطائفية، كآخر الأوراق في جعبته لاستكمال تدمير البلاد التي لفظته وأسقطته من السلطة بعد 33 عاما من الحكم. وتفيد تلك المعلومات أن الرجل بدء بتوجيه قيادات عسكرية لها علاقة تواصل وعمل مع تنظيم القاعدة، بعضها ذات ولاء مزدوج له وللتنظيم، للعمل كنواة لتأسيس ما يسمى بـ"تنظيم الدولة الإسلامية" في اليمن، أو "داعش" اليمن.

ومؤخرا، بدأ تنفيذ المخطط على ما يبدو بالعاصمة صنعاء، حيث نفذت عدة عمليات تفجير بسيارات مفخخة على مساجد محسوبة على الحوثيين، في الوقت الذي كانت السياسة قد وضعت تحالف الحوثي وصالح في زاوية ضيقة جدا. وسرعان ما كانت حسابات إلكترونية على "تويتر" تقوم بتبني تلك العمليات باسم "داعش".

وحاليا بات من المرجح أن ينتقل المخطط قريبا إلى مدينة تعز، حيث بدأت بعض المعلومات تتسرب بشأن وجود تجمعات شبابية تقوم فيها بعض القيادات المتشددة باستقطاب الشباب المتدين والمتحمس لقتال الحوثيين.

ويرجح أن يهدف المخطط إلى ضرب المقاومة الشعبية، لا سيما وقد وبدأت موازين القوى على الأرض تتحول لمصلحتها.

وأكدت بعض المصادر التي تلقت دعوة للانضمام لما يسمى بـ"تنظيم الدولة الإسلامية" في تعز، أن من يقومون باستقطاب الشباب يقدمون لهم وعودا مغرية بدعم سخي، ويؤكدون لهم أن التنظيم الجديد سيعمل على سحب البساط من تحت يد المقاومة الشعبية الضعيفة، التي يؤكدون على استكمال مهمتها في قتال من يطلقون عليهم "المجوس" و"الروافض".
طبقا للمعلومات التي حصلنا عليها، فإن المرحلة الأولى من المخطط تضمنت تحديد بعض قيادات التنظيم في تعز، ومناطق تجمعاتهم في المدينة، وتقديم الدعم الأولي لهم لاستقطاب الشباب، على أن تبدأ المرحلة الثانية بتنفيذ تفجيرات وتسلم بعض المناطق
ونوه أحد المراقبين -فضل عدم نشر اسمه- إلى أن معظم المستقطبين شباب ليست لديهم دراية أو علم بالمخطط الذي يحاك، وأن من يتولى قياداتهم وتسليم مخصصات الدعم لهم شخصيات قيادية دينية متشددة، إما محسوبة سرا على الأمن، أو تتلقى الدعم من شخصيات أمنية تابعة سرا للمخلوع، مستشهدا بهذا الخصوص بما كشفه تحقيق الجزيرة "مخبر القاعدة" من أن لدى صالح فريقا خاصا مخترقا للقاعدة.

مراحل المخطط

وطبقا للمعلومات التي حصلنا عليها، فإن المرحلة الأولى من المخطط تضمنت تحديد بعض قيادات ما سيطلق عليه "تنظيم الدولة الإسلامية" في تعز، ومناطق تجمعاتهم في المدينة، وتقديم الدعم الأولي لهم لاستقطاب الشباب.

ومن المتوقع أن ينتقل المخطط إلى مرحلة تالية بتنفيذ عمليات تفجيرية عبر سيارات مفخخة تستهدف مناطق ومنازل ومنشآت تجمع مليشيات الحوثي وعصابة صالح، بالتزامن مع تحركات مسلحة ميدانية ستفضي إلى انسحاب قوات الحرس الجمهوري (الموالي لصالح)، ومليشيات الحوثي، والإعلان عن تسليم مناطقهم للجيش والسلطة المحلية الموالية لهم، بحيث تستغل تلك المجاميع الفوضى التي ستنجم عن ذلك لتقوم بالتحرك والسيطرة على تلك المواقع والانتشار بشكل سريع في المدينة.

وكانت قيادات حوثية وأخرى تابعة لحزب صالح مهدت لذلك عبر إصرار عجيب ظهرت عليه مؤخرا قبيل انعقاد مؤتمر جنيف، بإطلاق تصريحات متطابقة حملت طابعا تخويفيا من أن انسحابهم من المحافظات سيؤدي إلى تسليمها "للدواعش"!! وذلك ردا على مطالب تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الأخير (2216)، الذي يقضي في أحد بنوده بالانسحاب من المحافظات.

ويرجح المخطط أن تتحول مدينة تعز إلى ساحة صراع طائفي، ترتكب فيها فظاعات كتلك التي يرتكبها "داعش" في العراق، وصولا إلى إحداث فتنة داخلية، هدفها: إما أن تضطر المقاومة الشعبية للدخول معها في معارك داخلية استنزافية، وإما أن تتركها لشأنها، وبالتالي تثبت مزاعم الحوثيين وصالح من أن الصراع كان يدور بينها وبين الدواعش!

ويتوقع أيضا أن تنتقل المجاميع الإرهابية للسيطرة على ميناء المخا، غرب تعز، وبالتالي على مضيق باب المندب الإستراتيجي، مما يقدم مسوغا لتدخل خارجي على شاكلة التحالف الدولي في العراق، تحت مبرر حماية المصالح الدولية في هذا المضيق الإستراتيجي الهام.

حينها سيصبح الحديث عن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي (2216)، مجرد حديث في الهواء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك