غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


قلق وتصدع
تغيير قواعد الاشتباك
إدارة الصراع
خيارات بديلة

تختلف معارك جنوب سوريا عن سواها من معارك الجبهات الأخرى لما تنطوي عليه هذه المنطقة من واقع جغرافي خاص، يتسم بالتشابك والتعقيد في مساحة جغرافية صغيرة ومفتوحة على ثلاث دول، بالإضافة إلى الداخل السوري.

هذا فضلا عن اقترابها من دمشق العاصمة التي تراهن بعض القوى الإقليمية والدولية -التي ليس لديها تماس جغرافي مع سوريا ولكنها تنخرط بقلب الأزمة وتدير تفاعلاتها مثل إيران وروسيا- على بقائها تحت سيطرة نظام الأسد، لرمزيتها وأثرها في تدعيم شرعيته المتهالكة التي لم يبق من رموزها سوى عناصر محدودة.

على ذلك تبدو معارك الجنوب "درعا والقنيطرة" معارك جغرافية سياسية بامتياز، إذ إنه لأول مرة تتشابك الخطوط الجغرافية والواقع الديمغرافي في لوحة متنافرة، في ظهور واقع الصراع على حقيقته وتكشف خططه والسيناريوهات التي تعمل عليها الأطراف المختلفة، كما توضح بدرجة كبيرة طبيعة التحالفات بين الأطراف المختلفة والرهانات التي تقف خلفها، إضافة إلى توضيح حدود وخطوط الصراع المستقبلية والديناميات التي تحركها والحوافز الدافعة لها.

تهدد معارك الجنوب السوري بعزل تأثيرات حزب الله عن هذه المنطقة ودفعه إلى التراجع لحدود مناطقه في جنوب لبنان والبقاع الغربي، وتاليا ضرب الأنساق الدفاعية التي حاول الحزب صناعتها في المنطقة

وتستدعي معرفة مشهد الصراع في هذه المنطقة وتقدير خريطة التحالفات والصراعات المحتملة فيها، معرفة أوضاع ومواقف الأطراف ذات الصلة والتداعيات المتوقعة لمعارك الجنوب عليها.

قلق وتصدع
تهدد معارك الجنوب السوري بعزل تأثيرات "حزب الله" عن هذه المنطقة ودفعه إلى التراجع لحدود مناطقه في جنوب لبنان والبقاع الغربي، وتاليا ضرب الأنساق الدفاعية التي حاول الحزب صناعتها في المنطقة، فضلا عن تحطيم الترتيبات التي عمل على إنشائها وخاصة مساعيه لتشكيل جدران عازلة لحماية مناطقه من احتمالية انغماس الثوار في المناطق الملاصقة له، وكذا محاولته تأسيس ظهير جغرافي يمتد من جنوب سوريا مرورا بالقلمون والقصير وصولا إلى طرطوس، وهو ما اشتبه بأنه محاولة لتأسيس "الدولة العلوية" التي ترتبط بلبنان عبر السلسلة الشرقية لجبال لبنان.

ولا شك أن هذا التطور سينعكس بدرجة كبيرة على الداخل اللبناني، إذ من المقدر أن يساهم في ارتفاع منسوب التوتر عبر تضييق هوامش المناورة أمام "حزب الله" من ناحية، ولكون تقدم الثوار في مناطق الجنوب السوري ستكون له اختراقات على مستوى فتح خطوط الإمداد من جهة شبعا مجدل عنجر ودير العشاير وصولا إلى الزبداني حيث توجد بيئة سنية مناصرة للثورة، إضافة إلى أنه سيهدد طريق بيروت دمشق خط الإمداد الأساسي للنظام من جهة "حزب الله".

التقدير أن يذهب "حزب الله" إلى زيادة نشاطه في هذه المنطقة ويسعى إلى منع التغيرات المحتملة من الظهور والتبلور باستعمال العديد من التكتيكات، ولعل أخطرها تفجير العلاقة بين المكونين السني والدرزي في محاولة لتعطيل زخم التقدم باتجاه مناطقه، وفي حال فشله سيركز الحزب على حماية خطوط الإمداد باتجاه دمشق حتى لو استدعى ذلك فرض سيطرته المباشرة على المناطق السنية اللبنانية في البقاع الغربي، مما قد يضع السلم الأهلي في لبنان على حافة الهاوية.

تغيير قواعد الاشتباك
على مدى سنوات الصراع السوري السابقة ظلت إسرائيل تناور بنجاح دون أن تكشف حقيقة موقفها، ولتعزيز هذا اللبس قامت بالعديد من الإجراءات المتناقضة تجاه طرفي الصراع، ففي حين سمحت بعلاج بعض المصابين من الحرب داخل "مستشفياتها"، إلا أنها في نفس الوقت سمحت لطائرات الأسد بتجاوز الخطوط المحرمة عليها وفق قواعد فك الاشتباك وضرب أهداف الثوار، غير أن هذه الإستراتيجية مهددة اليوم بالزوال حيث تجد إسرائيل نفسها أمام واقع متغير يستدعي نمط إدارة مختلف عما قبله.

ستكون إسرائيل مجبرة حكما على تغيير قواعد الاشتباك التي سادت على مدى أربعة عقود، ورغم كل ما يحكى عن وجود تفاهمات ضمنية مع الثوار لكنها لا تكفي وحدها لصناعة بيئة أمنية تطمئن لها إسرائيل على حدود مناطق حيوية تابعة لها، إضافة لذلك فإن إسرائيل لا تثق كثيرا بالقوى السنية في المنطقة وتذهب جهات التقدير فيها إلى أنه في مرحلة لاحقة سوف تستدير هذه القوة لمحاربتها بحكم أيديولوجيتها الجهادية وطبيعة العلاقة الدينية والإثنية التي تربطها بعرب فلسطين.

وإذا كانت إسرائيل حائرة بين تفضيلات سيطرة القوة السنية "جبهة النصرة" أو الشيعية "حزب الله" على هذه المنطقة، إلا أن هذا التردد سينتهي مع واقعة سيطرة الثوار وتبلور الواقع الجديد.

التقدير أن يكون انخراط الأردن بشكل أكثر وضوحا وخروج سياساته من خانة التردد، ذلك لأن الخيارات المطروحة أمامه في ظل التحديات الداهمة لم تعد تسمح بالمناورة. ويستفيد الأردن في هذا المجال من وجود بيئة داخلية موحدة خلف هذه التوجهات

من جهة أخرى، يبرز العامل الدرزي كتطور من شأنه أن يؤثر على موقف إسرائيل في المدى القصير. والمعلوم أن إسرائيل ترتبط مع الدروز بـ"تحالف الدم"، وتعتبر دروز إسرائيل شريحة حيوية لا تملك قياداتها هامش مناورة كبيرا في التملص من الضغوط التي يمارسونها لدفع إسرائيل للانخراط في الحدث السوري، لمساعدة أشقائهم في جبل العرب وسفوح جبل الشيخ مما يعتبرونه محاولة لإخضاعهم من قبل بعض الأطراف السنية.

كل المؤشرات تدل على أن إسرائيل تقع الآن في قلب مأزق خطير جراء التطورات في جنوب سوريا وهناك ضغوط داخلية تطالبها بتصدير استجابة واضحة لهذه المتغيرات، وإذا كانت القيادات الإسرائيلية ترفض حتى اللحظة الخضوع لهذه الضغوط فإن زخم المتغيرات والتداعيات الناتجة عنها سيفرضان عما قريب موقفا إسرائيليا أكثر وضوحا من الأزمة السورية.

إدارة الصراع
ستفرض تطورات جنوب سوريا على الأردن واقعا جديدا يتمثل بسيطرة قوة جديدة على كامل حدوده مع سوريا، صحيح أن هذا الوضع كان متأرجحا طوال الفترة الماضية لكنه الآن يأخذ واقعا مختلفا ما بين قوة متحركة سيطرت في العامين الأخيرين على المعابر وقسم من الحدود، وقوة مستقرة ستكون لها سيطرة على المؤسسات وهياكل الدولة بعد تحرير درعا المدينة، وهذا الوضع المستجد سيجبر الأردن على الانخراط في إدارة هذه المناطق لتجنب التداعيات المحتملة وخاصة إمكانية سيطرة داعش (تنظيم الدولة) أو النصرة عليها.

من جهة أخرى، سيفرض واقع التنسيق بين الأردن والقوة الجديدة المسيطرة، مواجهة بينه وبين الهلال الإيراني في المنطقة، وذلك نظرا لما يعتبره نظام الأسد وحلفاؤه انخراطا أردنيا يشمل الإشراف على المعارك والتخطيط لها والدعم اللوجستي من قبل "غرفة الموك" في الأردن.

وبما أن معارك الجنوب سيكون لها دور تقريري في مستقبل الصراع وخاصة تهديد العاصمة دمشق، فإن النظام السوري وحلفاءه سينظرون للدور الأردني باعتباره يمثل دورا رئيسيا في الصراع ومحركا فاعلا له، وسينظر له على أنه رأس حربة التحالف العربي ضد النظام الذي يجمع -إضافة للأردن- دول الخليج.

من جهته، لم يعد الأردن يولي عناية كبيرة لمواقف نظام الأسد وحلفائه في الوقت الذي باتت فيه أولوياته وحساباته الأمنية مشدودة إلى تحقيق الاستقرار وضبط التداعيات الحاصلة في المنطقة ومنع تأثيراتها من الوصول إليه. وفي هذا السبيل لم يخف نيته صناعة بنية أمنية لمحاربة الإرهاب وضبط التفاعلات في المنطقة بالاستفادة من علاقاته بالعشائر العربية.

والتقدير أن يكون انخراط الأردن بشكل أكثر وضوحا، وخروج سياساته من خانة التردد، ذلك لأن الخيارات المطروحة أمامه في ظل التحديات الداهمة لم تعد تسمح بالمناورة. ويستفيد الأردن في هذا المجال من وجود بيئة داخلية موحدة خلف هذه التوجهات.

خيارات بديلة
إيران طرف إقليمي بعيد جغرافيا لكنه متأثر مباشرة بتطورات الجبهة الجنوبية، والمعلوم أن إيران حاولت قدر الإمكان تعطيل اندفاعة هذه الجبهة لكنها فشلت عملانيا، وبالنسبة لها فإن احتمالية تطوير الهجوم على هذه الجبهة من شأنه تهديد العاصمة دمشق وتدمير كافة الأنساق الدفاعية التي أسستها جنوب وغرب العاصمة، مما يؤدي إلى خسارتها لاستثماراتها الكبيرة في دمشق ويهدد شرعية نظام الأسد حال سقوط العاصمة بيد المعارضة.

تطورات الجنوب من شأنها دفع إيران إلى التسريع بالانتقال للخطة "ب" كمحاولة للتقليل من درجة استنزافها في سوريا ولضمان تحقيق تموضع جديد يحفظ لها جزءا من نفوذها في سوريا المستقبلية

والتقدير أن تذهب إيران -وفي حال تأكدها من استحالة دفاعها عن دمشق- إلى التعويض ببدائل أخرى مثل إعلان "الدولة العلوية" في الساحل وحمص، من جهة لتضمن بقاء وجودها في سوريا، ومن جهة أخرى بقصد التخريب على الأطراف الأخرى من الاستئثار بسوريا وتهديد نفوذها في المنطقة كلها.

والخلاصة أن تطورات الجنوب من شأنها دفع إيران إلى التسريع بالانتقال للخطة "ب" كمحاولة للتقليل من درجة استنزافها في سوريا، ولضمان تحقيق تموضع جديد يحفظ لها جزءا من نفوذها في سوريا المستقبلية.

أما الفرص السياسية المتوقعة لمعارك الجنوب، فالمقدر أن تدفع بزخم جديد في سياق التفاوض بشأن الأزمة السورية وإخراجها من طور جس النبض الذي تميزت به في الآونة الأخيرة وتفحص العروض الدولية والإقليمية في هذا الشأن، وسيكون الدافع لهذا الأمر:

- إعطاء فرصة للحل السياسي، ذلك لأن التسريع بإسقاط نظام الأسد بدون توافقات سياسية بين أطراف الصراع في سوريا من شأنه أن يؤدي إلى استمرار الحرب مع مؤيدي نظام الأسد لفترة أطول، أو سيدفع بمخارج غير مرغوبة كخيارات إجبارية للأزمة، مثل خيار التقسيم الذي بات يفضله نظام الأسد وداعموه الإقليميون في هذه المرحلة تعويضا عن هزيمة مشروعهم في استمرار السيطرة على سوريا.

- الحد ما أمكن من تدفقات اللاجئين إلى دول الجوار التي وصلت إلى حد الإشباع ولم تعد قادرة على استضافة المزيد.

- إجراء ترتيبات إقليمية لهضم الواقع الجديد وخاصة في الدول التي توجد بها مكونات مؤيدة لنظام الأسد وتلك التي يقدر حصول اهتزازات في السلم الأهلي فيها جراء سقوط نظام الأسد، مثل لبنان وتركيا والعراق.

معارك الجنوب ستفرض على الأطراف الإقليمية والدولية نمط إدارة جديدا للأزمة السورية، المميز فيها أنها ستنهي حالة اللبس من الأطراف الإقليمية، لأنها ستكون أمام وضع ترتيبات جديدة نظرا للواقع الجديد الذي ستفرضه، والذي تنتهي معه مرحلة رفاهية مساحة الوقت الزائدة وتقليب الفروض وبناء الرهانات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك