زهير إسماعيل

زهير إسماعيل

أكاديمي وباحث تونسي


الإرهاب والتجاذب السياسي
تحقيقات أجنبية
عودة القديم والإرهاب

عاشت تونس مؤخرا على وقع عملية إرهابية جديدة استهدفت سياحا من جنسيات أوروبية مختلفة، في ذروة الموسم السياحي. وكان نزل "أمبريال مرحبا" بمدينة سوسة الساحلية مسرحا لمجزرة بشعة راح ضحيتها 39 من النزلاء، إضافة إلى عدد مماثل من الجرحى.

ولئن تعددت العمليات الإرهابية وتسارع نسقها في تونس الثورة، فإن عملية سوسة تُمثل -إلى جانب عملية باردو في 18 مارس/آذار الماضي التي ذهب ضحيتها حوالي 27 سائحا من زوار المتحف- انتقالا في جغرافية الإجرام الإرهابي من الأطراف إلى المركز، كما تسجل ارتفاعا كبيرا في عدد الضحايا.

ومع هذه العمليات الإرهابية المتواترة قامت أسئلة عديدة حول مستقبل التجربة في تونس. فهل تؤكد هذه التجربة أنها الاستثناء في مجال عربي تعرف دول ربيعه انحدارا إلى الاحتراب الأهلي، أم أن مآلاتها لن تشذ عن المشهد العام المسكون بحس الافتراس وحرب الكل ضد الكل.

الإرهاب والتجاذب السياسي
من معضلات المشهد السياسي التونسي عجز الطبقة السياسية عن إخراج موضوع الإرهاب من التجاذب السياسي. فصار التنابز به مادة إعلامية رائجة. وأصبح من الصعب الحديث عن الإرهاب دون الحديث عن ملابسات صناعته.

من معضلات المشهد السياسي التونسي عجز الطبقة السياسية عن إخراج موضوع الإرهاب من التجاذب السياسي. فصار التنابز به مادة إعلامية رائجة، وأصبح من الصعب الحديث عن الإرهاب دون الحديث عن ملابسات صناعته

ولم تشذ حادثة سوسة عن هذه الحقيقة، إذ تلقف الإعلام المنحاز في معظمه إلى المنظومة القديمة الخبر ليشن حملة واسعة على المساجد والكتاتيب القرآنية والجمعيات الخيرية، معتبرا إياها محضنة للإرهاب.

حدث ذلك رغم ما رشح عن منفذ العملية من تعاط للمخدرات، ولم يعرف عنه تدين. وكان أميل إلى العلاقات الحميمية الحرة. ولم يتردد الإعلام الموجه بلوبيات قديمة متنفذة في التذكير بمواجهات الثمانينيات بين الإسلاميين ونظام الاستبداد في مرحلتيه البوليسية والمافيوية، رغبة في خلط الأوراق.

كان منتظرا من أعلى هرم السلطة التحصن بخطاب الوحدة الوطنية في مواجهة الإرهاب. وهذا ما لوحظ في خطاب رئيس الحكومة بتأكيده على ضرورة تجميع الجهود في محاربة هذه الآفة، وبترحيبه بدعوة حزب المؤتمر إلى عقد مؤتمر وطني لمكافحة الإرهاب، في حين لم تكن لرئيس الجمهورية القدرة على الكلام باسم التونسيين جميعا حين حاول الربط -دون جدوى- بين الإرهاب والتحركات الاجتماعية المواطنية المطالبة بالشفافية والسيادة في موضوع الثروات الوطنية (حملة "وينو البترول؟"). وأشعَر خطابُه الفئوي بعجز عن الخروج من أجواء "الحملات الانتخابية".

ولم يكن رئيس مجلس نواب الشعب بعيدا عن هذه الفئوية في بيان حمل توقيعه باعتباره رئيس حزب نداء تونس. وتضمن البيان تهديدا لكل من يخرق الإجماع الوطني في مكافحة الإرهاب "بالموقف أو بالسلوك السياسي أو الإعلامي، والذين يشكلون طابورا خامسا للإرهاب بقصد أو بغير قصد".

ودعا البيان إلى "تأسيس أطر شعبية لمكافحة الإرهاب بالتعاون مع السلط العمومية ومساندة قوى الجيش والشرطة في كل المدن والقرى التونسية". وهو ما من شأنه -لو استجابت له كل الأحزاب السياسية- أن يجعل من قادة الأحزاب أمراء حرب. ومثل هذه "المقترحات" لا يمكن أن تعود بذاكرة التونسيين إلا إلى سلوك مليشياوي تجمعي عريق.

لم يكن جر موضوع الإرهاب إلى مجال الصراع السياسي نتيجة للعمليات الإرهابية الأخيرة بقدر ما كان حقيقة سياسية ماثلة منذ المرحلة الانتقالية بقيادة الترويكا. ويبدو أن خسارة بعض القوى السياسية الانتخابات التأسيسية في 2011 كان سببا لجعل الإرهاب موضوع تجاذب حاد في الحياة السياسية ولا سيما بعد اغتيال القياديين في جبهة الإنقاذ المعارضة: بلعيد والبراهمي.

كانت جبهة الإنقاذ التي ضمت أحزابا يسارية وقومية وتجمعية حول زعامة الباجي قايد السبسي تصر على أن الإرهاب طارئ، وأنه سليل السياق الثوري وما رافقه من ارتخاء يد الدولة وتساهل حكومتا الترويكا مع القوى التكفيرية. لا يخفى أن وجهة النظر هذه تتجاهل تفجير كنيس "الغريبة" اليهودي بجزيرة جربة في 2002، وتقفز على ما عرفته البلاد من مواجهات عنيفة بين العناصر التكفيرية والنظام في مدينة سليمان بالوطن القبلي في 2006.

كان لإقحام موضوع الإرهاب في التجاذب السياسي أضرار بالغة على عملية التأسيس الديمقراطي. ولئن كان هذا الاتجاه من الأسباب التي أوصلت المنظومة القديمة إلى الحكم، فما معنى أن يتواصل هذا وهي تمسك بزمام الرئاسات الثلاث؟

تحقيقات أجنبية
زار تونس يوم الاثنين 29 يونيو/حزيران وزراء داخلية بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وانتقلوا صحبة وزير الداخلية التونسي إلى مكان العملية حيث عقدوا ندوة صحفية مشتركة. وتواترت أخبار عن وصول فرق تحقيق أمنية من الدول الثلاث.

ليست هذه المرة الأولى التي تشارك فيها فرق تحقيق من أوروبا، فقد سبق لفرنسا أن بعثت بفريق للتحقيق في حادثة باردو. ويبدو أن السلطات التونسية قد التزمت يومها بوضع خطة أمنية بداية من شهر مارس/آذار لحماية المنشآت السياحية وسلامة السياح. غير أن شيئا من ذلك لم يكن. وهو ما كشف عنه تصريح رئيس الجمهورية من أن تطبيق الخطة الأمنية سيبدأ مع مطلع يوليو/تموز.

ويثير مثل هذا الأمر بين التونسيين معنى مزدوجا، ذلك لأن في إرسال فرق تحقيق أجنبية مسا بالسيادة الوطنية، وقد أحيت الثورة مناخا نفسيا وسياقا سياسيا ضاعف الوعي بها. وخلال خمس سنوات من الحياة السياسية الجديدة أدرك التونسيون أن للسيادة أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية. وتجلى هذا في الانتباه إلى أبعاد الشفافية المتعددة، فكما كانت المطالبة بها في مجال الثروة الوطنية كان التشديد عليها في مجال علاقات البلاد الإقليمية والدولية.

قبل عملية سوسة الإرهابية كانت هناك ملامح لبداية حملة وطنية تطالب بالكشف عما احتوته مذكرة التفاهم للتعاون الطويل المدى الممضاة مع الولايات المتحدة في 20 مايو/أيار 2015، وكان هناك استياء من عدم الكشف عن فحوى وثيقة ممضاة باسم البلاد، ولم يكن لمجلس الوزراء ولا لمجلس نواب الشعب رأي فيها.

يستفيد الإرهاب المتمدد في المنطقة من الأزمة المعيشية المتفاقمة مع عودة القديم والقوى الانقلابية ليكون له حاضنة اجتماعية، كما يستفيد من استشراء الفساد ومن كل محاولة لمقايضة الأمن بالحرية

ومن ناحية أخرى، أثار إرسال فرق تحقيق أوروبية موضوع الخلل الهيكلي في المنظومة الأمنية. فلم تفلح وزارة الداخلية، في كل العمليات الإرهابية الحاصلة، في حبك سردية تامة وموحدة ومقنعة، حدث ذلك في عمليات جبل الشعانبي وفي كل عدوان استهدف وحدات الأمن والجيش والحرس في الجهات الداخلية خاصة.

واجتمعت عدة عناصر أكدت انخرام السرديات المقدمة، كما لم تنجح الوزارة في توحيد مرجعية لأخبارها رغم وجود ناطق رسمي باسمها. وكانت بعض النقابات الأمنية تجاوزت كل الخطوط الحمر في مناسبات متعددة من خلال ظهورها في الإعلام.

وكان كثير منها واقعا تحت تأثير مافيات المنظومة القديمة، لذلك لم تتورع عن رفع شعار "ديكاج" (ارحل) في وجه الرؤساء الثلاثة في أكبر ثكنات الحرس الوطني في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2013. وكانت في كل مرة تعبث بالقليل المتحقق على طريق تأسيس الأمن الجمهوري.

عودة القديم والإرهاب
السؤال عن مستقبل التجربة الديمقراطية في تونس يتردد مع كل منعطف تعيشه البلاد، ومن أهم هذه المنعطفات عودة المنظومة القديمة إلى الحكم عن طريق الانتخابات. وينطرح هذا السؤال في علاقة بالإرهاب الذي عرف مع عملية باردو تحولا خطيرا تأكد مع مجزرة سوسة.

قبل عملية باردو، وبعد خمسة أشهر من الانتخابات، بدأت الشكوك تحوم حول قدرة الحكومة على إحداث تقدم في الملف الاجتماعي. ولم يلمس الناس رؤية واضحة ولا خطة عمل منهجية ولا حضورا مقنعا. ولم تكن هذه الخيبة بمعزل عن الوعود الانتخابية السخية من قبل الحزب الفائز.

وتزامنت حالة الارتياب هذه مع تصاعد المطلبية الاجتماعية واندلاع موجات من الإضرابات القطاعية، لا سيما في بعض القطاعات الإستراتيجية كالفوسفات. وغلب على أداء الفريق الحكومي التفكك وغياب الانسجام والعمل الجماعي وافتقاد رئيس الحكومة لدعم فعلي من الحزب الأغلبي. ومثّل تخبط وزارة الخارجية الصورة الأنصع عن هذا الأداء الهزيل والتضارب في المواقف.

كان نداء تونس يباهي زمن الترويكا بكفاءاته، وينعى عليها ضعف ثقافة الدولة عند فريقها الوزاري وكوادرها المسيرة. وكان لا يفتأ يذكر أن له من الكوادر النوعية والكفاءات العالية ما يغطي حاجة أربع حكومات. ولم يكن شيء من هذا في تجربة الرباعي منذ تشكيل الحكومة.

كان اندلاع أزمة الحزب الأغلبي مؤشرا قويا على أن من استُؤمن على قيادة المرحلة الجديدة لم يكن في مستوى التفويض. وخرجت الخلافات من داخل الحزب إلى العلن. وكانت "بلاتوهات" القنوات المحلية مجالا لمشادات تجاوزت الخلافات السياسية والتنظيمية الداخلية إلى صراع بالوكالة بين مصالح لوبيات متنفذة في مجال المال والأعمال والأمن، ومراكز قوى قديمة كان لها تأثير كبير على تجربة الانتقال الديمقراطي. والنتيجة الأولى المستخلصة من هذه الأزمة أن من عجز عن حل خلافاته الداخلية لن يقدر على الخروج بالبلاد من أزمتها الهيكلية.

وأما ثاني هذه النتائج فهو أن جل الطيف السياسي جرب -في هذه السنوات الخمس من الثورة- الحكم كما جرب المعارضة، بنسب متفاوتة. فصار الجميع مُطالِبا بالمحاسبة ومُطالَبا بها. فالترويكا التي كانت تشترط المحاسبة على ضوء قانون العدالة الانتقالية صارت بدورها موضوعا للمحاسبة على سنوات حكمها الثلاث.

وأما ثالث هذه النتائج فمفاده أن الدولة مهددة بخطرين: خطر الإرهاب وخطر العجز الاقتصادي بخلفية الفساد. فمثلما يستهدف الإرهاب الدولة لبلوغ "مرحلة التوحش" -وهي مرحلة ضرورية في عقيدة "الإرهاب المعولم"- يستهدف "الاقتصاد المعولم" الاقتصاد الوطني بزرع شبكات التجارة غير الرسمية والاقتصاد الموازي.

لا يخشى التونسيون عودة الاستبداد، رغم عودة القديم المعمد بثقافة الاستبداد، وسيعملون على تحقيق انتصار تاريخي على الإرهاب والفساد، قائدهم في ذلك ما قطعوه من أشواط في تأسيس حياتهم السياسية الجديدة وإصرارهم على استكمال مشروعهم

ومعلوم عند أهل الاختصاص أن تهديد الاقتصاد المعولم للدولة الوطنية لا يقل خطرا عن تهديد الإرهاب المعولم. ومثلما تشترك الجهتان في استهداف الدولة الوطنية يتقاطع خطابُهما المعبر عن نتيجة هذا الاستهداف السياسية، فتكون "إدارة التوحش" هي الترجمة العربية لـ"الفوضى الخلاقة".

نخلص إلى أن الدولة في تونس مستهدفة بالخطرين المذكورين. ويجد الخطران مُرتكزَهما في المسألة الاجتماعية التي كانت سببا في الانتفاض الجذري المواطني الاجتماعي. فالقديم العائد يُمعن من خلال ما يعقد من اتفاقيات مع الجهات المالية الدولية، في رهن البلاد بشهادة شركائه في الرباعي الحاكم وتحت أنظار الطبقة السياسية.

يستفيد الإرهاب المتمدد في المنطقة من الأزمة المعيشية المتفاقمة مع عودة القديم والقوى الانقلابية ليكون له حاضنة اجتماعية. كما يستفيد من استشراء الفساد ومن كل محاولة لمقايضة الأمن بالحرية.

ورغم تصدر تونس دول المنطقة في نسبة من يلتحق من الشباب بتنظيم الدولة، ورغم استفادة الإرهاب من الفوضى الإقليمية وتهاون الفريق الحاكم عن بلورة إستراتيجية وطنية لمكافحته، وعجزه عن التقدم في التحدي التنموي، وزهده في موضوع السيادة الوطنية؛ فإن نقاطا من الضوء ترتسم في الأفق يجلوها فشل الإرهاب في أن تكون له حاضنة شعبية رغم حدة الأزمة الاجتماعية واستمرار عزلته نتيجة هزيمته في المعركة الأخلاقية المدوية.

لا يخشى التونسيون عودة الاستبداد، رغم عودة القديم المعمد بثقافة الاستبداد، وسيعملون على تحقيق انتصار تاريخي على الإرهاب والفساد، قائدهم في ذلك ما قطعوه من أشواط في تأسيس حياتهم السياسية الجديدة وإصرارهم على استكمال مشروعهم الوطني في الحرية والكرامة.

إنهم لا يخشون سوى استقرار التجربة عند ديمقراطية تمثيلية بمنسوب عال للحرية وبمشاركة واسعة من الناس في المجال العام، لكن شروط الحكم تبقى خارجية رغم أدواته المحلية. وهذا ما يجعل من تطوير الديمقراطية التمثيلية إلى ديمقراطية تشاركية بمرجعية الفصل السابع من دستور الثورة هدفهم المستقبلي.

وتبقى نتيجة النتائج أن الاستبداد/الفساد والإرهاب وجهان لحقيقة واحدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك