مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


لا يدرك من يقودون الشعب الفلسطيني ويتحكمون في صناعة قراره ومصيره الوطني أن الأمانة المنوطة بأعناقهم جد عظيمة، وأن المسؤولية التي يتحملون تبعاتها شديدة الثقل والوطأة، وأن المساءلة التي سيتعرضون لها يوم القيامة بالغة الشدة والعسرة، مما يحملنا على توجيه النصح الخالص إليهم دون أي رتوش أو مجاملات.

في موازين العدالة والظلم وتجسيداتها العملية التي يئن تحت وطأتها شعبنا الفلسطيني بحث عميق وكلام كثير.

رحم الله الخليفة الخامس العادل عمر بن عبد العزيز الذي أبكته شذرات من ميوعة ونوع بطر أصاب المسلمين في عهده إثر انفتاح شيء من الدنيا عليهم، وأزعجه انشغال فئة منهم بالتجارة وجمع المال والمصالح الحياتية عن الدعوة والجهاد والقتال في سبيل الله دون أن تصدر عنهم موبقات أو انحرافات كبرى تقدح في دينهم وتمس القيم والمبادئ التي يعتنقونها ويدعون إليها.

لقد رأى عمر عبد العزيز في ذلك دلالة انحراف عن الحق، مستعظما أن تكون أمة الجهاد قد خف اندفاعها، مع أنه كان يقود أمة تنزل عند حدود الله، وتفيض بمعاني الخير، فقال حزينا "إني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره".

ترى كيف سيكون حال الخليفة العادل لو عاش أو اطلع على واقعنا الفلسطيني الموبوء، وعاين بأم عينيه مظاهر الظلم وغياب العدالة التي تعصف بواقعنا الفلسطيني، وترسم من خلاله لوحة بائسة مثلومة الجوانب والأركان!

إن ترمومتر تحقيق العدالة في المجتمع الفلسطيني يبدأ من القائد والمسؤول ورب العمل والأسرة، ويتحدد وفقا لمدى نزول هؤلاء عند حدود الحق، ومدى تساويهم مع أهاليهم ومرؤوسيهم وأبناء شعبهم، فلا يجوز للمسؤول أن يأخذ ويستأثر فيما يُمنع الآخرون بغير وجه حق، وأن يتم التعامل معه كاستثناء في كل شيء بينما تطحن الظروف المواطن المسكين ممن لا ظهر أو سند له إلا الله في كثير من الأحيان.
إن ترمومتر تحقيق العدالة في المجتمع الفلسطيني يبدأ من القائد والمسؤول ورب العمل والأسرة، ويتحدد وفقا لمدى نزول هؤلاء عند حدود الحق، ومدى تساويهم مع أهلهم ومرؤوسيهم وأبناء شعبهم، فلا يجوز للمسؤول أن يأخذ ويستأثر فيما يُمنع الآخرون بغير حق

حين يتساوى المواطن مع المسؤول وصاحب النفوذ في كل شيء أمام قوة وهيبة الأنظمة والقوانين، وحين تتوفر الفرص للجميع دون استثناء وفق موازين العدالة في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء على السواء، وألا يرتفع أحد على أحد بحكم موقعه أو نفوذه حينها يمكن -فقط- أن نتنفس الصعداء ونطلق العنان لبشرى تحقق العدالة في المجتمع.

من العجب العجاب أن يلتمس بعض المسؤولين الفلسطينيين أو أصحاب النفوذ لأنفسهم ما لا يجيزونه لمن هم دونهم، وأن تراهم أحيانا يتشدقون بالتمسك بالقوانين والدفاع عنها فيما هم أول من يخرقها ويتجاوزها، حتى أن الذهول يبلغ منك مبلغه حين يجترح البعض قوة التنظير الذي يدور في فلك الشعار المجرد دون أن يكون له من الواقع نصيب.

لغياب العدالة مظاهر أكثر من أن تحصى، وإن شئنا رضا الله تعالى، والانسجام مع منهج الصدق والعدل الذي نتشرف بحمله والدعوة إليه، فعلينا -كفلسطينيين- أن نستلهم العبرة من تجربتنا الفلسطينية الراهنة، ونعيد تنزيل قيمنا ومبادئنا الكبرى إلى واقع المجتمع من جديد، وأن نحرص على تطبيق الأنظمة والقوانين دون استثناء، ونُعمل يد المساءلة والحساب، ونفعل قانون الثواب والعقاب كي تستقيم أحوالنا وننهض من جديد.

لم تصدر الأحاديث والتوجيهات النبوية الشريفة عبثا، وحاش لله أن ينطق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بما لا يفيد الأمة في شؤون دنياها وآخرتها.

وحين نفى المصطفى صلى الله عليه وسلم مظاهر الإيمان وشواهده عن البعض الذي ينام شبعان وجاره جائع وهو يعلم، "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم"، فإنه نطق بالحق الخالد الذي قامت عليه السماوات والأرض.

كم من شبعان ينام ملء بطنه هذه الأيام بوطننا الجريح المغتصب فلسطين وجاره جائع، وأطفاله يتضورون جوعا بسبب شح العمل والراتب وضيق ذات اليد، ويكابدون الألم بفعل انعدام القدرة على توفير الدواء والعلاج؟!

وكم من قائد أو مسؤول فلسطيني يشبع ويصاب بالتخمة فيما لا يجد معظم رعيته ما يسدون به رمق أطفالهم، ولا يجدون دراهم معدودات للوصول إلى أماكن عملهم فيضطرون لركوب المسافات سيرا على الأقدام؟!

ألم يبلغ معظم القادة والمسؤولين الفلسطينيين ما تنطق به أفواه الرعية؟! ألم يتناهَ إلى مسامعهم آهات وزفرات الناس وجمهور الموظفين والعمال الذين يشكون جبالا من المعاناة التي أحالت حياتهم إلى جحيم؟!

ألم تلامس قلوبهم وأفهامهم نداءات العدالة التي تفيض بها أرواح المسحوقين الذين يرون معظم القادة والمسؤولين يتمتعون بالامتيازات ولا يخضعون لقانون المعاناة الذي يفترض أن يسري على الجميع دون استثناء؟!

يتساءل كثير من الناس -وهم محقون- عن سبب عدم استلهام معظم المسؤولين الهدي النبوي الشريف حين كان الصحابة الكرام يتوجهون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ربطوا على بطونهم حجرا من شدة ألم الجوع ويجدونه صلى الله عليه وسلم قد ربط حجرين اثنين على بطنه!

نحن أحوج ما نكون اليوم إلى إعادة صياغة العلاقة الفلسطينية الداخلية بين القادة والشعب على أسس جديدة ملؤها الإحساس الكامل بآلام وآمال وهموم وأوجاع المواطنين، بل إننا نطمح إلى مواقف متقدمة تضع القادة والمسؤولين في مقدمة الركب الذي يربط على بطنه حجرين حين تربط الرعية حجرا واحدا.
عجبت لمن هدّتهم المعاناة وأنشبت فيهم أظفارها وأنيابها وقلبت كيانهم وأحالت حياتهم إلى موت، كيف يتعايشون مع الواقع الأليم ويكتفون بالصراخ والعويل، ويقصرون جهدهم على المناشدة والنداء دون أن يصدر عنهم حراك حقيقي ومواقف عملية تسهم في تغيير المعادلة الفلسطينية الراهنة

عجبت لمن هدّتهم المعاناة وأنشبت فيهم أظفارها وأنيابها وقلبت كيانهم وأحالت حياتهم إلى موت، كيف يتعايشون مع الواقع الأليم ويكتفون بالصراخ والعويل، ويقصرون جهدهم على المناشدة والنداء دون أن يصدر عنهم حراك حقيقي ومواقف عملية تسهم في تغيير المعادلة الفلسطينية الراهنة المحكومة ببؤس الأجندة السياسية ودوائر الضغط والابتزاز السياسي الرخيص؟!

مؤسف أن ينحصر مستوى تعاطي وتفاعل الناس مع الأزمات الفلسطينية الداخلية في لوك الكلمات والشعارات واجترار النقد وتوجيه الاتهامات دون أي استجابة عملية أو تفعيل لمكنونات الفعل الجماهيري القادر على تحريك الأوضاع وإحداث الضغوط المطلوبة على الجهات المعنية وأصحاب القرار.

لماذا لم ينزل الناس إلى الشارع في موقف موحد يعبر عن الإرادة الشعبية الفلسطينية ويرفع الصوت -عمليا- في مواجهة هذه الأزمات، ويضع الأطراف الحاكمة والصانعة للقرار أمام مسؤولياتها؟!

النزول المنضبط إلى الشارع ليس موجها ضد أحد، بل هو تعبير أصيل عن الحق في الحياة، والحق في الكرامة، والحق في العيش الآمن الكريم، ووضع النقاط على الحروف، وإذكاء الروح والمشاعر الوطنية الفلسطينية التي ينبغي توظيفها في مواجهة الأزمات الراهنة.

الجماهير تتجرع الألم والمعاناة، هذه حقيقة لا مراء فيها، لكنها في ذات الوقت تغرق في السلبية المفرطة حين تستنكف عن أحد أهم واجباتها في هذه المرحلة، وتمارس الانتظار القاتل والشكوى المجردة بعيدا عن أي تحرك فاعل أو مبادرة عملية.

ثقافة الانتظار التي تهيمن على الموقف الشعبي يجب أن تتغير، فلا حيلة لنا إزاء الأزمات التي تواجهها ساحتنا الفلسطينية إلا عبر إعادة صياغة شاملة لمنظومة الأفكار والسياسات التي تحرك الناس وشرائح المجتمع بما يشحذ الهمم والعزائم ويضمن نضجا كاملا في التعاطي مع الوطن وقضاياه الكبرى.

لقد كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن ابن أبي الحسن البصري أن يبين له صفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن "اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، والحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر لسهره وتسكن لسكونه، وترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم ويمون كبيرهم، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده، والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وعباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين في ما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وأهلك ماله.

واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له وما بعده من الفزع الأكبر.

الجماهير تتجرع الألم والمعاناة، هذه حقيقة لا مراء فيها، لكنها في ذات الوقت تغرق في السلبية المفرطة حين تستنكف عن أحد أهم واجباتها في هذه المرحلة، وتمارس الانتظار القاتل والشكوى المجردة بعيدا عن أي تحرك فاعل أو مبادرة عملية

واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت به، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك في قعره فريدا وحيدا، فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.

واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك.

ولا يغرنك الذين ينعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات من دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك، ولا تنظرن إلى قدرك اليوم، ولكن انظر إلى قدرك غدا وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله تعالى في مجمع الملائكة والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم.

إني يا أمير المؤمنين إن لم أبلغ في عظتي ما بلغه أولو النهى قبلي، فلم آلك شفقة ونصحا، فأنزل كتابي هذا إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له بذلك من العافية والصحة، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته".

وأخيرا.. هل يتدبر قادة الشعب الفلسطيني هذه الكلمات الخطيرة، جليلة القدر، عميقة التأثير، أم هم في واد وهي في واد غيره؟! وهل يعي قادة الشعب الفلسطيني هذه الرسالة ويصلحوا ما بينهم وبين الله أولا، ويدركوا واجباتهم وحدود مسؤولياتهم تجاه شعبهم المطحون تحت بلدوزر المعاناة ثانيا، أم على قلوب أقفالها؟!

المصدر : الجزيرة

التعليقات