عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني


شبح المخاوف
مركز بمواجهة منظومة
تكامل اقتصادي

ما يطفو على السطح من تنسيق سياسي عالي المستوى بين روسيا والصين في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وسعي البلدين لتطوير الشراكة الثنائية على أكثر من صعيد، وفي إطار مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون لا يقلل من وطأة خلافات ما زالت تضغط على عصب العلاقة بين البلدين، ويستبعد معها إنشاء حلف روسي صيني وثيق.

شكلت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أولوية بالنسبة لروسيا كانت بمثابة حجر الرحى في سياساتها الخارجية على مستوى التخطيط الإستراتيجي على امتداد عقدين من الزمن، لكن ذلك أصبح اليوم جزءا من الماضي بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم، وما تبعه من فرض عقوبات سياسية واقتصادية على موسكو من قبل الدول الغربية العام الماضي.

وهذا الأمر فرض عليها إعادة النظر في توجهات سياستها الخارجية، حملت معها تغيير دفة أولوياتها بالتوجه شرقا نحو الصين بالمقام الأول والهند في المقام الثاني مع فارق كبير عن الصين من حيث الأهمية الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي دفع محللين إستراتيجيين روس إلى اعتبار أن مستقبل روسيا يرتبط بالعلاقة مع الصين والهند.

يتفق الخبراء والمحللون بالعاصمة الروسية موسكو على أن تطوير العلاقات مع الصين أولا، وباقي دول منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس أنقذ روسيا من عزلة دولية جراء العقوبات الغربية المفروضة عليها

غير أن ما تحقق حتى الآن من خطوات على طريق تطوير العلاقات الثنائية الروسية الصينية، وكذلك الروسية الهندية ما زال دون طموحات موسكو ولا سيما على الصعيد الاقتصادي رغم أنها وقعت العام الماضي على صفقات اقتصادية ضخمة مع بكين، خاصة في مجال الطاقة.

ورغم بقاء نيودلهي في صدارة المستوردين عالميا للسلاح والعتاد العسكري الروسي فثمة عقبات كبيرة تعوق تطوير العلاقات الثنائية والثلاثية من شراكة إلى تحالف ترى موسكو أنه ممكن من خلال الدفع قدما بمنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس اللتين استضافت روسيا اجتماعي قمتهما الأخيرتين في مدينة أوفا خلال الفترة من 8-10 يوليو/تموز 2015.

شبح المخاوف
يتفق الخبراء والمحللون في العاصمة الروسية موسكو على أن تطوير العلاقات مع الصين أولا وباقي دول منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس أنقذ روسيا من عزلة دولية جراء العقوبات الغربية المفروضة عليها.

أكثر من ذلك ينظر إلى هذه العلاقات من قبل الكرملين كسلاح في مواجهة ما يوصف في روسيا بهيمنة المنظومة الـ"أوروأطلسية" على المشهد الدولي إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، ويأمل الكرملين في أن يصل مستوى التنسيق بين الدول الأعضاء في "شنغهاي للتعاون" و"بريكس" إلى كسر الهيمنة الغربية، وفرض نسق في العلاقات الدولية يقوم على أساس عالم متعدد الأقطاب.

لكن نظرة إلى الماضي القريب في الطريقة التي تعاطت بها روسيا مع التعاون الاقتصادي في إطار منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس نوعا ما تؤكد أن المستوى الذي تتطلع إليه موسكو لتطوير مستوى العلاقات يبقى محكوما بشبح مخاوف الماضي، إذ كانت روسيا تعمل على وضع سقف للتكامل الاقتصادي بين دول المنظمة محل الهيمنة الاقتصادية الصينية، ومن ضمنها التعاون في القطاع المصرفي الذي وصفه الرئيس بوتين في القمة الأخيرة بأنه واحد من أولويات المنظمة.

الجديد في موقف روسيا كما عبر عنه بوتين في المؤتمر الصحفي -الذي عقد في ختام قمتي منظمة شنغهاي للتعاون و"بريكس"- أنها باتت مستعدة لتطوير علاقاتها مع كل دول العالم، ولا سيما مع بلدان المجموعتين -التي تشكل الصين بثقلها الاقتصادي عمودها الفقري- من خلال بدء عمل المؤسسات المالية والمصرفية المنبثقة عن المنظمة والمجموعة.

ويصب ذلك -وفقا للتقديرات الروسية- في صالح تجاوز الاقتصاد الروسي أزمته، جنبا إلى جنب مع المكانة الدولية لمنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس وللدول الأعضاء فيهما، ناهيك عن التعاون في المجالين الأمني والسياسي.

لا يمكن لروسيا أن تشكل معادلا اقتصاديا للصين داخل منظمة شنغهاي للتعاون، أو داخل مجموعة بريكس، ومن نافلة القول إن استفادة روسيا من العلاقة أقل بكثير من الصين عكس بلدان أخرى استطاعت أن تذلل عقبة الفارق الكبير في القوة الاقتصادية

بيد أن المكاسب التي تطمح إليها روسيا من وراء توطيد وتطوير علاقاتها مع الصين وباقي دول "شنغهاي للتعاون" و"بريكس" يتوجب عليها دفع أثمان لها، وهو ما يشير إليه أستاذ مساعد في قسم الاستشراق بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية نيكولاي سوركوف بالقول "السياسة الخارجية الروسية الجديدة لها تكاليفها الباهظة، فجميع الحلفاء الحاليين لروسيا بدون استثناء يأملون -عبر موقف الحفاظ على العلاقات مع روسيا- تحقيق شروط مربحة لاستيراد مصادر الطاقة أو الأسلحة".

مركز بمواجهة منظومة
يتحدث الساسة والخبراء الروس عن تغير كبير في قدرات وفاعلية ودور منظمة شنغهاي للتعاون يرشحها كي تكون لاعبا دوليا مهما في أوراسيا ينافس المنظومة الأوروأطلسية الغربية، خاصة بعد انضمام كل من الهند وباكستان إلى عضوية المنظمة بقدراتهما الاقتصادية والبشرية، وأهميتهما الجيوسياسية وثقلهما العسكري كدولتين نوويتين.

والتوجه الروسي نحو المنظمة يجسد عمليا التوجه الروسي نحو الشرق بعيدا عن الحضن الأوروبي والأميركي الذي كان الوصول إليه محور السياسيات الخارجية الروسية في العقدين الماضيين.

مرة أخرى تعترض توجهات السياسية الخارجية الروسية عقدة الدور الذي يمكن لروسيا أن تلعبه في الأطر التي تشترك هي والصين في عضويتها، والخط الذي ستسير عليه تلك الأطر، فالصين لها حساباتها الخاصة التي تجعلها حريصة كل الحرص على عدم إلحاق الضرر بعلاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وينطبق ذلك على الهند أيضا التي تبدي حرصا مماثلا على علاقاتها مع الغرب.

ولا يمكن لروسيا في أي حال من الأحوال أن تشكل معادلا اقتصاديا للصين داخل منظمة شنغهاي للتعاون أو داخل مجموعة بريكس، ومن نافلة القول إن استفادة روسيا من العلاقة أقل بكثير من الصين عكس بلدان أخرى استطاعت أن تذلل عقبة الفارق الكبير في القوة الاقتصادية.

والمثال على ذلك اليابان التي استطاعت أن توظف في علاقاتها مع الصين الطبيعة التكاملية للصناعات في كلا البلدين، حيث استغلت الشركات اليابانية قدرتها على تجميع منتجاتها بتكاليف زهيدة في الصين، خلقت على حد وصف أحد الخبراء في العلاقات الصينية اليابانية "فرصة جديدة للعيش"، فنظرة فاحصة إلى الصادرات الصينية والصادرات اليابانية تؤكد أنه لا يوجد تنافس بينهما إلا في حدود ضيقة جدا لأنهما تكملان بعضهما، وهذا غير ممكن في حالة الاقتصاد الروسي الذي ما زال يكتسي طابع الريعية.

ومن المفروغ منه أن القوة الاقتصادية ستنعكس في شكل أو آخر على صناعة القرار السياسي داخل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس شأنها شأن كل المنظمات والتكتلات الإقليمية والدولية، وهذا الميزان يميل في صالح الصين بلا منازع، لكن التوجهات السياسية الخارجية الصينية المتحفظة يمكن لها في المدى المنظور أن تبقي نوعا من أنواع الشراكة السياسية تتمتع بمستوى مقبول من الندية بين بكين وموسكو، غير أنه لا ينفي بقاء طابع التنافس في العديد من المجالات التي ينظر إليها كلا الجانبين بأنها جزء لا يتجزأ من قوس مصالحه القومية العليا.

قد يكون من الصعب الحديث عن تحالف إستراتيجي ثنائي روسي صيني، أو عن ثلاثي روسي صيني هندي، فحجم التعقيدات في العلاقات الصينية الهندية أكبر بكثير من أن يتم تذليله في تحالف ثلاثي، هذا على افتراض اهتمام الصين والهند بإقامة بالتحالف مع روسيا

وبالتالي من المبكر، بل وقد يكون من الصعب الحديث عن تحالف إستراتيجي ثنائي روسي صيني، أو عن تحالف ثلاثي روسي صيني هندي، فحجم التعقيدات في العلاقات الصينية الهندية أكبر بكثير من أن يتم تذليلها تماما في تحالف ثلاثي أو في أطر مشتركة مثل منظمة شنغهاي للتعاون أو مجموعة بريكس، هذا على افتراض أن الصين والهند مهتمتان بإقامة تحالف مع روسيا في ظل الموازين والمعادلات القائمة.

في سياق متصل، يذكر أن الدول الأعضاء في مجموعة بريكس -وبنسبة أقل بحدود معينة منظمة شنغهاي للتعاون- غير موحدة تجاه الموقف من استحداث أجهزة مؤسسية للمجموعة أو المنظمة، وتكتفي بإصدار مواقف عامة موحدة إزاء قضايا دولية معينة، مما يجعل من الإطارين أقرب إلى إطار لعلاقات متعددة الأطراف، قطباها الرئيسيان الصين وروسيا.

تكامل اقتصادي
من القضايا الرئيسية التي توليها موسكو أهمية كبرى في الخطابين السياسي والإعلامي الرسميين خلق تكامل اقتصادي بين مشروع الحزام الاقتصادي لطريق الحرير "الصيني" الذي اقترحه الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، والمشروع الذي اقترحته روسيا تحت اسم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وانبثقت عنه اتفاقية تحت العنوان ذاته بين روسيا وكزاخستان وروسيا البيضاء في مايو/أيار 2014.

بيد أن موسكو لا تخفي وجود مخاوف جيوسياسية لديها ولدى حلفائها الأقرب من التحركات الصينية في آسيا الوسطى، وإذا كان التغير في نظرة موسكو إلى العلاقات الثنائية مع الصين، والعلاقات معها في الأطر المشتركة متعددة الأطراف فرضته الأزمة التي تمر بها العلاقات الروسية الغربية فإنه يبقى مقيدا بتنافس روسي صيني واضح.

وهذا الأمر بالذات يملي التريث مطولا قبل الحديث عن إمكانية تجاوز كل المعضلات التي تعوق إنشاء تحالف روسي صيني، أو تطوير العلاقة بين الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون لتصبح معادلا ومنافسا أوراسيا "للدول السبع الكبار" في التحالف الغربي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك